هبط السيف الطائر من السماء ولمح جوليوس شاباً ذا شعر أسود متوسط الطول ووجه وسيم للغاية يهبط ببطء نحو الشارع. بادلهم المحيطون نظرات الفضول لكنهم لم يبدو مفزوعين وكأن هذا المشهد مالوف لهم. استرخى جوليوس بعض الشيء حين استأنف ملامح مألوفة نظرت عيناه سريعاً إلى كايتو وأدرك وجه الشبه فوراً. هذا بلا شك أحد أشقاء لورا دارين أو عزرا. لم يكن متأكداً تماماً من هويته. عزرا هو الأكبر سناً ويُعد تلميذاً جوهرياً.
أما دارين فهو الأصغر ولم تُرقي رتبته إلى تلميذ داخلي إلا مؤخراً. قفز شقيق لورا عن سيفه برشاقة مبتسماً باتساع وهرع نحوها ليطوقها بذراعيه رافعاً إياها في حركة دائرية. أطلقت لورا شهقة مفاجئة وضحكت بدلال وهي تدور.
قال كايتو بنبرة مزيج بين الضجر والحنان: "حسبك يا دارين دع أختك تتنفس".
قال دارين وهو يعبث بشعر لورا بمرح: "ألا يحق لي أن أفرح برؤية أختي العزيزة بعد كل هذا الغياب؟".
"سيكون لديك متسع من الوقت لتقضيه معها بعد انضمامها إلى الطائفة. ما الذي قاله عزرا؟".
"أخبرني أنه تحدث إلى الكبيرة ليدر وقد خصصت مقعداً للورا لتخوض الاختبار خلال هذا الأسبوع. لن تتمكن من خوض امتحان القبول العام للطائفة ما لم ترغب في الانتظار عدة أشهر أخرى لكن طالما اجتازت أي اختبار تضعه الكبيرة ليدر في طريقها فسيكون كل شيء على ما يرام".
سألت لورا شقيقها بعبوس قلق: "أتظنني قادرة على اجتيازه؟".
قرص دارين أنفها مبتسماً: "أجل بالطبع تستطيعين ذلك. نصف التلاميذ الداخليين لا يملكون تحكم المانا الذي تمتلكينه. لا داعي للقلق أبداً. أظهري لهم ما تقوين عليه وسيسير كل شيء على ما يرام. الكبيرة ليدر على دراية بروحك ثنائية الطبيعة أصلاً لذا فهذا الاختبار مجرد إجراء شكلي لا أكثر".
أبعدت لورا يده عن وجهها بحدة ونظرة غاضبة: "ما تقصده بقولك إنها تعلم بالفعل؟".
تفادى دارين ضربتها ووَخز كتفها بضعة وخزات.
"لا تقلقي فهي محل ثقة. أتعتقدين أن عزرا كان ليخبر الكبيرة ليدر بأي شيء يخصك لو لم يكن يثق بها؟".
جعدت لورا أنفها وأومأت موافقة: "أجل ربما معك حق".
قال دارين بتباهٍ: "أرأيت؟ فقط ائتمري بأمرنا وسنقودك إلى طريق المجد والنجاح".
ركلته لورا في ساقه. لم يبد وكأنه لاحظ الركلة من الأساس بل تحول بنظره إلى ماركوس وجوليوس بملامح أكثر جديّة.
ثم عاد بنظره إلى أبيه: "هل واجهتم أي متاعب؟".
لم يجب كايتو مباشرة بل أشار برأسه نحو الحشد الذي ما زال يحدق في دارين: "لنذهب إلى مكان أكثر هدوءاً. سأشرح لك هناك".
رغبةً في الابتعاد عن الأعين برغم وجود حاجز عزل يحيط بهم فلن يضرهم طلب بعض الخصوصية قبل الاعتراف بقتل عدة أشخاص من الفئة الخامسة وأفراد من عشيرة يوشو.
لم يطلب دارين توضيحاً إضافياً وأومأ برأسه محركاً يده ليتبعوه: "تعالوا معي. صنع عزرا تصريح ضيف لأجلكم. سنتحدث بمجرد أن نصل إلى مقره".
*** أدرك جوليوس سبباً لدفع دارين نحو الطيران للقائهم. كانت جناح السحاب المنساب تقع على مسافة بعيدة متوسّطةً قلب المدينة تماماً. علاوة على ذلك وضع مدخل الطائفة فوق أعلى قمة لأطول برج في المدينة. بدا البناء أبيض لؤلؤياً ومذهلاً بحق وهو يتلألأ في ضوء الظهيرة. للأسف لم يُسمح بالطيران داخل المدينة إلا لمن حملوا رتبة تلميذ داخلي أو أعلى. يضاف إلى ذلك بعض الأشخاص المستثنين من أصحاب التراخيص الخاصة.
لكن باختصار بدا كل من يطير في سماء قمة السحاب منتمياً بنسبة كبيرة إلى جناح السحاب المنساب. مع ذلك تفاجأ جوليوس قليلاً بموقع الطائفة. لم يتوقع أبداً أن تتسع الطائفة لتستقر داخل البرج. صحيح أنه كان ضخماً لكنه لم يكن بالحجم الذي يتخيله لكي يتسع لواحدة من أعظم عشر طوائف. بل شكّ في قدرة حتى ربع طائفة الشمس المحرقة على الاستقرار داخل ذلك البرج الساحق. لكن ربما كان جناح السحاب المنساب أصغر من باقي الطوائف.
خمن أنه سيكتشف ذلك بنفسه عما قريب. عبروا البوابة الأمامية للبرج. أخرج دارين شارة فضية مسحورة من خاتم تخزينه ومضى يريها للحراس الذين تفحصوها سريعاً. لاحظ جوليوس إطالة الحراس في التحديق بكايتو وماركوس. شك جوليوس في ترحيب أي طائفة بدخول غرباء من الفئة الخامسة إلى حرمها. لكن الشارة التي منحها عزرا ل دارين لا بد وأنها كانت استثنائية للغاية إذ انحنى لهم الحراس باحترام ما إن تحققوا من صلاحيتها.
بدا جوف البرج في روعة مظهره الخارجي. وكأن البرج بأسره نحت من كتلة ضخمة واحدة من الرخام الأبيض المصقول. تزينت جدران المكان بإضاءة خافتة ورأى مئات الأشخاص يروحون ويجيئون عبر الطوابق السفلية العديدة. رافقهم حرس آخرون إلى قاعة منفصلة وأطلق جوليوس ضحكة خفيفة ما إن رفع نظره للأعلى. امتد الفراغ لمئات الأقدام في الهواء بينما استقرت منصة بيضاء وذهبية في الأسفل. انتشر عدد من الحراس حول المنصة إضافة إلى واقفين عدة أمام لوحة تحكم بدا وكأنهم مسؤولون عن نوع من المصفوفة السحرية.
أُجبر دارين على إبراز الشارة مرة أخرى وجرى إرشادهم سريعاً إلى وسط المنصة. ثم عبر بضع ضغطات على اللوحة وتدفق مفاجئ للمانا انطلقت المنصة بأسرها صعوداً نحو السماء. أطلق جوليوس تنهيدة امتزجت فيها الراحة بالذهول تجاه المنصة. لقد رأى السلالم المؤدية للأعلى عند دخوله وتمنى حقاً ألا يُجبروا على صعود تلك الخطوات جميعها. كما تملكه الذهول من النقوش الدقيقة المطعمة على المنصة وسلاسة صعودها.
أدرك من تجاربه المبكرة مع الطيران مدى صعوبة الحفاظ على تسارع ثابت كهذا.
سألت لورا دارين وهي تطرف ببصرها نحو الشارة في يده: "ما هذه؟".
قال لها دارين بينما واصلت المنصة صعودها: "إنها شارة تخويل خاصة للطائفة. تتيح لعزرا منح صلاحيات محددة لضيوفه مثل دخول القسم الداخلي حيث يعيش. من المرجح أن يتذمر أمامك بشأن مدى صعوبة الحصول عليها. لكن تجاهليه فحسب".
مع ذلك وقبل أن يهم جوليوس بسؤال وجهة المصعد باغته تدفق مفاجئ للطاقة المكانية. بدأ مفهوم المكان لديه يطلق أويراً عالياً وشعر بتفعيل نوع من السحر يلف المنصة بطاقة مكانية. أدرك حينها فقط كنه المنصة والهدف الحقيقي من ورائها. كانت في جوهرها مصفوفة انتقال وبوابة تقود إلى الطائفة الحقيقية. توقف عن مقاومة الطاقة المكانية وسمح لنفسه بالانجراف عبر الجسر المكاني. سببت هذه النقلة شيئاً من الدوار.
احتاج [الإدراك المكاني المطلق] إلى ثانية لإعادة الضبط والتكيف مع الموقع الجديد. بدا الآخرون أكثر تأثراً منه بهذه الصدمة. كانت لورا تجثو على ركبتيها وتتقيأ بصعوبة على المنصة. بدا ماركوس وكايتو في حالة غير مستقرة أيضاً. لم ينج دارين نفسه من الأثر إذ هز رأسه وترنح قليلاً.
قال متذمراً بأنين: "تباً ما زلت أكرره وأمقته".
سأل ماركوس بعبوس وهو يتلفت حوله: "أين نحن؟".
بدا وكأنهم يعتلون السماء. أحاطت بهم مبان طويلة وبيضاء ومزخرفة. راحت غيوم قطنية تطفو في الأفق وشعر جوليوس بكمية هائلة من المانا تحيط بالأجواء. ملأت كل شهقة يطلقها صدره بطاقة نابضة بالحياة.
"هذه هي المنطقة المركزية لجاح السحاب المنساب. موطن التلاميذ الجوهريين والشيوخ وغيرها من المرافق الحيوية. البرج ليس سوى إحدى نقاط الوصول ولا يمكنك عادة الانتقال المباشر إلى هنا. علي عادةً استخدام إحدى المحطات القياسية الخاصة بالتلاميذ الداخليين لكن بفضل عزرا استطعنا المجيء إلى هنا مباشرة".
سألت لورا بدهشة خافتة: "عزرا يقيم هنا؟".
قطب دارين جبينه: "أجل مثلما يحب تذكيري بذلك دوماً".
"أيمكنني العيش هنا أيضاً؟".
"بما أن عزرا حصل على الشارة الخاصة فسيكون بإمكانك الزيارة مراراً. لكن إن انضممت للطائفة فستقيمين غالباً في منطقة التلاميذ الخارجيين. بصراحة ستشعرين براحة أكبر هناك على أي حال. تعج هذه المنطقة بالمتغطرسين أصحاب النظرة المتضخمة لأنفسهم. وعزرا ليس استثناءً".
عقبت لورا وهي تصفع ذراع شقيقها بخفة: "أنت مجرد غيور".
اعترف دارين ببساطة: "ألعن الظن أنني غيور! يحظى التلاميذ الجوهريين بكل الأشياء الرائعة".
"ألم تصبح تلميذاً داخلياً الآن؟".
سخر دارين: "أجل والفجوة في المكانة بين التلميذ الداخلي والتلميذ الجوهري أكبر بكثير من ارتفاع البرج الذي أتينا منه للتو. حجم الموارد والتدريس المتخصص المتاح للتلاميذ الجوهريين أمر لا يصدق".
"ألا يستطيع عزرا مساعدتك أيضاً؟".
رفع دارين رأسه باعتزاز: "وكأنني سأقبل بمساعدته. يمكنني شق طريقي بنفسي".
لمس جوليوس كايتو وهو يخفي ابتسامة تخللتها نظرة استحقاق طفيفة على وجه الرجل.
هتف دارين بدرامية مبالغ فيها وهو يتدحرج بعينيه ويشير عبر الفناء: "يا لتأثير ذكره لقد أتى أخيراً؛ الابن الضال يسجل حضوره المنتظر".
كان الشخص المتقدم نحوهم شديد الشبه بدارين. يحملان الشعر الأسود نفسه والملامح ذاتها لكن شعر عزرا بدا شديد الترتيب والتهذيب بخلاف شعر دارين الاشعث. كما بدا أكثر… مهنية. الوحيد الذي شوه تلك المظهر الراقي كان السيف العملاق المربوط على ظهره.
وقف عزرا موقهاً خطاه وقال محيياً بانحناءة طفيفة: "أبتي".
قال كايتو مبتسماً: "عزرا يسعدني رؤيتك".
رد عزرا بإيماءة مهذبة: " حقاً لقد مضى وقت طويل. رغم أنني سعيد بوصولكم سالمين آمنين".
هتف دارين متذمراً: "ما هذا؟ ألن تقول مرحباً لبقية أشقائك؟ ماذا نكون نحن بنظرك؟ نقانق محروقة؟".
تجاهل عزرا دارين بسلاسة معتادة واتجه نحو لورا. وكحال دارين كان أطول بكثير من لورا واضطر للانحناء ليعانقها بعطف. ثم طبع قبلة خفيفة على جبينها.
لاحظ وهو يرى لورا التي احمر وجهاها خجلاً وعلت محياها ابتسامة عريضة: "لقد بدوت بصحة أفضل بكثير".
تمتمت وهي تدفن وجهها في صدره: "أحاول اللحاق بما فاتني".
دلك ظهرها بحنو: "لا تعجلي الأمور. لديك متسع من الوقت. مع ذلك كيف جرى تقدمك؟ هل واجهتك أي تعقيدات؟".
هزت رأسها نفياً: "لا كان الأمر مباشراً. ساعدني أبي في استقرار كل شيء وساعدتني أوريليا على إرساء أساس متين للغاية".
"أوريليا هي روحك الجديدة أليس كذلك؟".
أشرق وجه لورا: "أجل إنها رائعة بحق!".
ابتسم عزرا بدفء وداعب رأسها: "لا أطيق الانتظار للقاء بها".
التفت بعدها ناظراً إلى أبيه بملامح جادة: "أحدث شيء ما في طريقكم إلى هنا؟".
أومأ كايتو برأسه: "هاجمنا عُملي وعدد من أفراد الفئة الخامسة الآخرين أثناء عبورنا في أراضي الأفق الصاخب".
شد عزرا على فكه بينما تسربت هالة دموية طفيفة منه: "كان عليك السماح لي بالمجيء والمساعدة. لم تكن هناك حاجة بتاتاً لتعريض لورا لمثل هذا الخطر".
"كان لا بد من فعل ذلك. لم يكونوا لينتظروا أكثر للتحرك وقد تلقيت بعض العون"
أشار كايتو بيد نحو ماركوس وجوليوس مردفاً: "بفضلهما نجحنا في التخلص من بعض المهاجمين وأسر البعض الآخر".
"كم بلغ عددهم؟".
قطب كايتو جبينه: "أكثر مما توقعت…".
عبس عزرا وبدا شديد الشبه بدارين في تلك اللحظة: "أين هؤلاء المهاجمين الآن؟ يمكنني المساعدة في استجوابهم إن لزم الأمر".
"إنهم… في معتقل آمن"
قال كايتو مع ومضة عصبية في عينه وهو بلا شك يتذكر كيف حشر ماركوس السجينين داخل صندوق قُيدت أعناقهما بقطع أثرية محتوية. لقد تركا العربة والصندوق في منزل آمن جهزه ماركوس مسبقاً. ومع حرص ماركوس الدائم على الحذر فقد تركهما مصابين ومجردين من أي مانا. شك جوليوس في قدرة أي شخص يقل مستواه عن الفئة السادسة على انتزاعهما خارج الصندوق.