وجهة نظر هاروتو: تحول كل شيء إلى كارثة. كان عليه أن يعرف قدره ويتوقع أن في جعبة كايتو خدعة ما. بل الأرجح أن كايتو أدرك خيانة رينال وزوده متعمداً بمعلومات مزيفة. مع ذلك، لم يتوقع قط أن يحظى كايتو بمساعدة ماركوس أفيري بطريقة أو بأخرى. توقع ربما فرداً أو اثنين من الفئة الخامسة من عشيرة كايزن أو بعض المرتزقة. لكن ماركوس أفيري كان مشكلة أخرى تماماً. لقد كان خطراً حقيقياً.
ليس فرداً ضعيفاً من الفئة الخامسة كبعض أعضاء العشيرة الآخرين. ومع ذلك، عرض المجلس دعمهم في هذا الأمر. رغم أن هاروتو شك في أنهم حضروا لاختبار هاروتو وربما لابتزازه أو الضغط عليه أكثر من الرغبة في المساعدة. لم يبدو على الأشخاص الثلاثة الذين أرسلوهم معهم أي اهتمام بالقتال. لقد ظنوا مسبقاً أن إرسال ستة أفراد من الفئة الخامسة خلف رجل واحد وابنته هو مبالغة زائدة عن الحد.
سبعة إذا احتسبت الوحش المتعاقد الذي جاء رفقة ياريل. ومع ذلك، فقد خسروا بالفعل نصف قوتهم. سقط ياريل ووحشه مغشياً عليهما تماماً. وحطم ماركوس الشيخ بران للتو رغم امتلاك الرجل لأحد أقوى الحواجز التي واجهها هاروتو. كان ماركوس شخصية مرعبة بحق. لكن هؤلاء الأفراد من الفئة الخامسة الذين أرسلهم المجلس لم يكونوا سيئين أيضاً. كان سياف السيفين الذي يساعده في مواجهة كايتو ماهراً للغاية.
وكانت الساحرة التي تقاتل ماركوس تؤدي عملها بشكل جيد في منع الرجل الآخر من التقدم للمساعدة. لقد عزلوه وحرصوا على أن يمتلك هاروتو والسياف الوقت الكافي للتخلص من كايتو. مع ذلك، كان القول أسهل بكثير من الفعل. كان كايتو قوياً جداً بالنسبة لفئته. ولسَبب ما اختار شقيقه كايتو خليفةً له. طالما قيم ريوكو القوة والكاَمفاءة فوق كل شيء. أكثر حتى من ولاء المرء للعشيرة. اختلف هاروتو مع هذا بشدة.
تأتي مصالح العشيرة في المقام الأول دائماً. وكل ما عدا ذلك يأتي ثانوياً. ولهذا لم يرى أن كايتو خيار جيد لمنصب البطريرك. أنفق الرجل الكثير من الموارد والجهد لإنقاذ ابنته. ما أهدره على الكنوز طوال السنين كان يكفي لزراعة دزينة من المحاربين الأقوياء لعشيرة يوشو. مع ذلك، كانت عشيرة يوشو تزداد ضعفاً تحت قيادة كايتو. بالكاد امتلكوا أي مواهب حقيقية خاصة بهم. تمتلك العشائر الأخرى العديد من المواهب المزهرة، بينما لم يضم عشيرة يوشو سوى عدد قليل قادر على مواجهة هؤلاء.
أراد هاروتو إصلاح ذلك، وكانت إزاحة كايتو عن منصبه الخطوة الأولى نحو هذا الهدف. مع ذلك، احتجوا إلى القضاء على كايتو هنا والآن. لسوء الحظ، كانت تلك مهمة بالغة الصعوبة، حتى مع وجود اثنين ضد واحد. تجنب هاروتو بالكاد طعنة سريعة كالافعى تتجه نحو وجهه واُجبر على استهلاك المزيد من الطاقة لاستعادة بعض الزخم. لكن كايتو دفع قدماً كمحارب لا يُقهر، مسدداً رمحه للأمام كابتلاء سماوي.
أدار هاروتو رمحه الخاص وتراجع بيأس. كاد يفقد رأسه، وبدا أسرع بالكاد لتجنب الرمح القاطع، لكنه أصيب مع ذلك بجرح على خده، ليضيف إصابة أخرى إلى مجموعته المتزايدة. لعن هاروتو في سرّه. كره الاعتراف بذلك، لكن كايتو كان عبقرياً حقاً عندما يتعلق الأمر بالرمح. لم يستطع أحد داخل العشيرة منافسة الرجل في فنون الرمح. لحسن الحظ، أدرك سياف المجلس أنه إن سقط هاروتو، فسيتعين عليه قتال هاروتو بمفرده.
مما يعني أنه اضطر للقتال بجدية. فعل الرجل مهارة قوية أحاطت كايتو بشفرات غير مرئية متعددة من نية السيف. كانت بوضوح مهارة مخصصة لتكون ضربة قاضية، لكن ذلك لم ينجح ضد أحد أكثر مستخدمي الرمح موهبة في تاريخ العشيرة الطويل. وبتلوّح عابر برمحه، تمكن من اعتراض معظم هذه الهجمات غير المرئيةتلويحة بسيطة من نية رمحه الخاص. اخترق القليل منها، وظهرت جروح صغيرة عديدة على جسد كايتو، لكنه لم يبدو مهتماً بهذه الإصابات.
ولحسن الحظ، أدى ذلك إلى عدم قدرة كايتو على الاستمرار في مهاجمة هاروتو، وتمكن من التراجع لإخراج جرعة شفاء من خاتم تخزينه. تجرعها بسرعة ثم فتح سدادة جرعة مانا أيضاً. سمح للسائل الكريه بالتسرب أسفل حلقه، وتدفق المانا الاصطناعي داخله. بينما كان يتعافى ويحول بعض المانا إلى حالة أكثر طبيعية، ألقى نظرة على العربة التي حُفظت لورا بأمان داخلها. كان ينبغي على سائر أفراد المجلس العمل على اختراق تعويذات العربة بالفعل.
طالما تمكنوا من الإمساك بها، فلن يحتاجوا حتى لقتال كايتو. استخدامها رهينة سيكون كافياً لإجبار ابن أخيه على الاستسلام. كان الرجل قوياً، لكن عندما يتعلق الأمر بابنته، كان ضعيف القلب على نحو مخيب للآمال. لذا، تخيل مدى صدمة هاروتو عندما انفتح باب العربة بعنف، ورُكل مارق المجلس نحو صخور قريبة. انطلق شاب ملفوف بمانا بيضاء وزرقاء داكنة خلفه. صعب تمييز ملامحه، لكن هاروتو بالكاد تعرف على الصبي باعتباره نفس الشخص الذي أحرجّه في الإقطاعية.
الشخص الذي كان بجانب ليلي. ومع ذلك، لم يكن لذلك أي معنى؛ مما يتذكره هاروتو، كان الصبي في الفئة الرابعة فقط. ومع ذلك، لم يبدو الأمر كذلك أبداً، خاصة عندما شرع الصبي في الارتطام بمارق الفئة الخامسة وتمزيقه إرباً إرباً. لم يكن الأمر متقارباً حتى. اقترب الصبي وتمكن بطريقة ما من التشابك بإحكام شديد مع المارق لدرجة عجزا فيها عن استخدام مهارة الانتقال الآني. وما زاد الأمر إثارة للقلق هو أن مجال المارق لم يبدو له أي تأثير على الإطلاق.
تجاهله الصبي كأنه ليس أكثر من إزعاج بسيط. ألهذا السبب أصرت ليلي على إبقاء الصبي بجانبها؟ لم يكن هذا الاستعراض القوي المتطرف شيئاً ينبغي أن يمتلكه فرد من الفئة الرابعة. أشارت الكمية الهائلة من المانا والهالة المنبعثة إلى مستوى من القوة لا يُرى إلا في الفئة الخامسة. ومع ذلك، قمع الصبي فرداً آخر من الفئة الخامسة بشدة جعلت هاروتو يبدأ في الاعتقاد بأن الصبي كان في الواقع فرداً من الفئة الخامسة متخفياً.
لم يكن هناك تفسير أفضل. لابد أنه يمتلك أغراضا ساعدت في إخفاء فئته. وإن لم يكن ذلك سيئاً بما يكفي، فإن الانفجار المفاجئ للنيران والهالة التي غلفت المارق قد حسم الأمر. شعر هاروتو بساقيه ترتجفان عندما سمع صرخات المارق ومحاولاته اليائسة للهروب. لم يكن بمقدور العميلين الآخرين الذهاب للمساعدة أيضاً. لقد تشتت انتباههم جميعاً بسبب معاركهم الخاصة ضد خصوم متفوقين. لذا لم يملكوا سوى المراقبة بينما احترق رفيقهم حياً.
سقطت قشرة هامدة على الأرض، ومن ثم، قبل أن يتمكن هاروتو من استشعار أي شيء، تلاشى الصبي. صرخت غرائز هاروتو داخله عندما أزيح بعض الهواء عند ظهره، والتف بالكاد في الوقت المناسب. خطى جانباً وتجنب بالكاد قبضة متوهجة تئز نحو وجهه. أقذف برمحك لأعلى، طاعناً نحو الصبي. لكن الصبي اختفى مرة أخرى، ظهر هذه المرة خلف السياف، وبعكس هاروتو، لم يستشعر السياف شيئاً. كان مشتتاً جداً في قتال كايتو لدرجة أن الصبي تمكن من توجيه ركلة مباشرة إلى خاصرة السياف.
أطلق الرجل تأوهاً بينما أُرسل متهاوياً على الأرض. خفف درعه الكثير من الضرر، لكن ليس كله بوضوح. همّ هاروتو بالاندفاع للمساعدة، لكنه أُجبر سريعاً على التراجع عندما ظهر الصبي مباشرة أمام أنفه. كانت ابتسامة مظلمة ووحشية تحدق مباشرة في روحه. مع ذلك، لم يتردد هاروتو، وطعن برمحه للأمام، مستخدماً كل ذرة من نية رمحه للطعن للأمام. لم يرى حتى ومضة اهتمام على وجه الصبي. في الواقع، لم يكلف نفسه حتى عناء المراوغة تماماً؛
مال قليلاً إلى الجانب وسمح للرمح بالطعن مباشرة في بطنه. مع ذلك، وبدلاً من الصراخ ألماً أو السقوط، أمسك الصبي بعمود الرمح وجذب نفسه أقرب. تفاجأ هاروتو لدرجة أنه لم يترك الرمح حتى؛ بل تلقى لكمة مباشرة في وجهه عوضاً عن ذلك. أدهشته الوزن الهائل والقوة الكامنة في الضربة. اهتزت جمجمته، ورأى نجومآ. فجر مانا من رمحه العالق داخل جسد الصبي، أو بالأحرى، حاول فعل ذلك. لسبب ما، كان الأمر أحدث صعوبة من المعتاد، ولم تموج سوى انفجار صغير من مانا الريح.
في تلك اللحظة فقط فكر هاروتو في ترك رمحه، ولكن ليس قبل تلقي لكمة أخرى في وجهه. استخدم مهارة حركته لكسب بعض المساحة ومسح الدم من فمه. حدق بغضب نحو الصبي واستدعى رمحه ليطير إليه مجدداً. ومع عدم بقاء الرمح كجزء يسد الجرح، بدأ الدم يتدفق بغزارة من بطن الصبي. مع ذلك، لعن هاروتو حين رأى الجرح يلتئم في طرفة عين. امتلك مهارة شفاء ذاتي. لا عجب أنه لم يكن خائفاً من التعرض للإصابة.
سمح هاروتو أخيرًا لمجاله بالتوسع للخارج بدلاً من الداخل. مع كايتو، احتاج إلى كل قدر ممكن من الدعم، لكن مع هذا الصبي، احتاج للقدرة على تعطيل مهاراته، وتحديداً مهارة الانتقال الآني ومهارة الشفاء. لسبب ما، لم يستطع اكتشاف التذبذبات المكانية العادية المرتبطة بمهارات الانتقال الآني. لا بد أنه كان نوعاً خاصاً منها. فقط عندما سمح لمجاله بالتوسع بدأ الهجوم أخيراً. فعل [التدفق مع الريح]، وامتزج حضوره بالريح، متلاشياً بداخلها.
وعندما برز منها، كان رمحه جاهزاً بالفعل لاختراق جمجمة الصبي. قد يكون الصبي قادراً على الشفاء، لكن لنرَ كيف سيحاول الشفاء بدون دماغ. شعر بالصبي يفعل بعض المانا، وانهيار مجاله. لكنه فهم أخيرًا سبب عدم عمل مجال المارق. قاطعت نبضة قوية من روح الصبي تأثير المجال، ومع المساحة الإضافية، تمكن الصبي من تفعيل مهاراته. لم يعلم كيف كان ذلك ممكناً، لكن هاروتو خطط نوعاً ما لهذا.
لقد التف بالفعل حول جناحي الصبي، لكنه حول رأسه إلى الجانب دون إظهار أدنى علامة مفاجأة. ثم شعر هاروتو بكمية مائلة من الهالة والمانا والقوة تنهار عليه. كانت ثقيلة بشكل مستحيل، خاصة بالنسبة لشخص صغير السن هكذا. أطلق هاروتو أنيناً بينما كان يصارعها، لكنه وسع عينيه حين ظهر فجأة مطرقة بيضاء متوهجة بحجم جسد الصبي من العدم، وكانت تتأرجح مباشرة نحو رأسه. انطلق رمحه للاعتراض، لكنه دفع جانباً.
وضع هاروتو نفسه بسرعة ليتقدم للأمام. كانت المطرقة سلاحاً قوياً، لكنها كانت بطيئة. ومع ذلك، تدفقت المطرقة كالماء وأعادت صياغة نفسها كسيف. تصادم السيف ورمحه ببعضهما، لكن هاروتو سقط للأمام عندما تلاشى السيف إلى أبخرة مانا، ليعيد تكوين نفسه تماماً حين كان على وشك القطع في صدره. فعل هاروتو [الانسجام مع الريح] مجدداً وتجنب النصل بالكاد. ومع ذلك، حول الصبي السيف إلى رمح وأرجع ذراعه للخلاف بقوة مروعة.
لا توجد طريقة يمكنه من خلالها استشعار مكاني، أخبر هاروتو نفسه. ثم مرة أخرى، تبين له العكس بسرعة عندما قُذف الرمح مباشرة نحو وجهه. انطلق بسرعة إلى الجانب، لكن الرمح انفجر في منتصف الهواء، وشعر بأنه يتلقى ضرراً من الانفجار. كانت [الانسجام مع الريح] مهارة قوية جداً، لكنها تعني أنه ضحى ببعض الدفاع لصالح الرشاقة والتسلل. مع ذلك، كيف كان الصبي يتعقبني؟ حتى أولئك الذين يمتلكون حواس مكانية قوية لا ينبغي أن يكونوا قادرين على تعقبي.
في تلك اللحظة فقط تفقد جسده ولاحظ العلامة الموضوعة على خكه. لم تكن قطعة السحر الأكثر خفاءً، لكن كان من الصعب اكتشافها خلال المعركة. حاول تمزيقها، لكن لارتياحه لم تهتز حتى. وليس ذلك فحسب، بل وجدت نفس العلامة على رمحه. سلاحه المرتبط بروحه. زمجر هاروتو نحو الصبي واندفع بقوة، لكن ما إن خطا خطوة حتى شعر بإزاحة الريح. التفت وصرخ بالكاد رعباً حين كان ماركوس أفيري يقف أمام وجهه مباشرة.
فقد هاروتو تتبع الرجل بينما كان مشغولوً بالصبي ولم يكن في الوقت المناسب لصد القبضة الصاعدة نحو عظمة قصّه. شعر بعدة ضلوع تتحطم عند الاصطدام بالقبضة المعززة بتحريك الاشياء. تخربت أحشائه، وقبل أن يتمكن من تفعيل وسيلة الأمان الخاصة به، حُطِم رأسه بمرفق وحشي مباشرة على الجمجمة. أخذته العظلمة نحو عناقها.