درب التسامي الفصل 739 — إنه مثالي

اقرأ درب التسامي الفصل 739 — إنه مثالي باللغة العربية على مانجا تايم.

بعد مغادرة كايتو بوقت قصير، اقتربت منهما العجوز المنتمية إلى طائفة المرجل الذهبي. كان اسمها أولونا، إن تذكر جوليوس بَدْواً صحيحاً، وشعر سلفاً بأنه سيُعجب بها. فالوضوح الذي أظهرته خلال الاجتماع بدا منعشاً حقاً. ربما كانت عجوزاً، لكنها لم تتحرك كالعجائز. كانت كل خطوة ثابتة وحادة. وكان نظراها حادين بالقدر نفسه، تجوبان المكان كالصقر. وبدا واضحاً أنها كانت امرأة فائقة الجمال في صباها؛

وما زال بعض ذلك الجمال باقياً، وإن بصورة أكثر نضوجاً وكهولة.

قالت أولونا ملقية التحية بعد أن توقفت على بُعد أقدام عدة: "الزهور الفتية".

لم تنحنِ كما فعل الكثيرون طوال اليوم، لكن جوليوس لم يشعر بأي إهانة في تصرفها. وتولد لديه شعور بأنها لم تنحنِ لأنها أقدم من أن تكلف نفسها عناء ذلك.

فأجابت ليلي بانحناءة خفيفة من رأسها: "السيدة أولونا".

قالت أولونا مقطبة حاجبيها: "أراك تصبحين مشغولة حقاً. أتسااءل عن الخطط الأخرى التي تخبئينها لمدينتنا".

فابتسمت ليلي وأجابت: "أؤكد لك أن همي الأساسي هو الارتقاء بجودة الحياة للمواطنين العاديين".

"أوه، أعلم ذلك. هذا سبب رئيسي يجعل الطائفة لا تنوي التدخل في خططك. أهدافنا تتقاطع في الوقت الحالي، لكن هذا لا يعني أن الأمور ستظل هكذا. أسألكِ عن خططك الأخرى بمجرد أن تنتهي من هذه المرحلة الأولية".

قالت ليلي: "من يدري؟ لم أفكر بعيداً إلى هذا الحد بعد".

بدت أولونا غير مصدقة لها البتة فابتسمت بِمَكر.

"حسنل، أعتقد أنكِ ما كنتِ لتخبري عجوزاً مثلي على أي حال. ومن جهة أخرى، لقد فوجئت حقاً بإحضارك شاباً وقحاً مثله إلى الاجتماع"، قالت ذلك وهي تلقي نظرة تفحصية على جوليوس.

فلم يستطع منع نفسه من السؤال محاولاً كبح ابتسامة ساخرة: "وقح؟"

"أوه نعم. وما عساك تسمي تدخُل شاب مثلك ووضعه نفسه مباشرة على الطاولة هكذا؟"، قالت العجوز بصوت أجش يطبعه ضحك خفيف.

"لم أجد كرسياً آخر متاحاً".

ضيقت عينيها نحو، وقالت: "أنصحك بالحذر يا فتى. ليس كل من حضر الاجتماع سيكون بلطفِي. قد يوقفك موقفك أنت وسيدتك في المتاعب. وربما يصنعون المشاكل لمجرد انتقام تافه".

هزّ جوليوس كتفيه كأنه لا يعبأ بالأمر البتة.

فقالت بابتسامة تشبه ابتسامة سمك القرش وهي تربت على وجنتها: "إلا إذا كان هذا ما كنت تتمناه حقاً... ممم، أمر مثير للاهتمام".

بدا وكأن أمرهما قد كُشِف. أطالت النظر إلى جوليوس لثوانٍ أخرى قبل أن تستدير مجدداً نحو ليلي.

"على أي حال، لقد راجعت المقترح الذي أرسلتِه، وليس لدي أي مشكلة معه. الشروط منصفة للغاية، لكنني أود مراجعتها بعد أسابيع قليلة لتعديل أي بند قد يخرج عن نطاق المقترح الأولي".

أومأت ليلي برأسها قائلة: "هذا مقبول. نحن أكثر من منفتحين لمناقشة الخيارات أو البدائل إن ظهر أي شيء غير متوقع".

بدت أولونا مقتنعة بهذا فأومأت.

"جيد. والآن يجب أن أذهب لأمسك بتابعي قبل أن يوقعه في شباك النصب أي جرذ انتهز الفرصة. اعذراني".

راقبا جوليوس وليلي المرأة وهي تعود في الاتجاه الذي أقبلت منه، لتطل برأسها بعد لحظات معدودة مجدداً وهي تجر الشاب المنتمي إلى طائفتها وراءها. كانت تمسكه من أذنه بينما كان يصرخ من الألم.

ضحكت ليلي وقالت: "أظن أنني أُعجبت بها".

ابتسم جوليوس باستمتاع وقال: "وأنا أيضاً".

* * *

مرت الأيام القليلة التالية في سلام نسبيّ. ساعد ليلي في التعامل مع شؤون شتى، لكنها بصدق كانت أكفأ بكثير من أن تحتاج إلى مساعدة. خصوصاً مع وجود أنجيلا إلى جانبها. كانت تلك المرأة فائقة الكفاءة ومنهجية لدرجة مخيفة. بدت كحاسوب بشري. فقد كانت تعالج عدداً من المشاكل المعقدة في آن واحد وتنجح في الوصول إلى نتيجة مثلى بلا أي عناء. بات يدرك يقيناً لماذا أصرّ والد ليلي على اصطحاب أنجيلا مع ابنته.

وفي سياق آخر، لم يكن قد اختار بعد أي تطور لمهارته، لكنه اقترب كثيراً من ذلك. لقد حصر اختياره بين أمرين. كان التردد بين [تجسد الخراب] و[سيد الشمس الآفلة]. ربما كانت [طاغية الدمار] إحدى الخيارات الأكثر مباشرة وقوة، لكنه لم يرغب في التركيز على الدمار. ولم يكن يمانع جانب الطغيان بذلك القدر من السوء. في النهاية، كان الخيار محصوراً بين مهارة تشكل ترقية عامة لمهارته الملحمية القوية الحالية، وبين مهارة تَعد بقوة وإمكانات أعظم.

كان أحدهما ضمانة آمنة بينما الآخر مغامرة. وإن كان صادقاً مع نفسه، فلم يكن يرى الأمر مغامرة بالكامل. فالاسم كان تلميحاً لما قد تكون قادرة على فعله. كان متأكداً تماماً من أنها تضم معظم عناصر مهارته الحالية، إن لم يكن كلها.

فجزء "الشمس الآفلة"

يوحي بلاشك أن المهارة ستكون ذات صبغة نارية، مع حضور بارز للخراب والطاقة الحركية أيضاً. مع ذلك، اعتقد أيضاً أن لمفهوم طائر الفينيق دوراً في سبب منحه هذا الخيار. فالشمس الآفلة يمكن تأويلها كرمز لدورة الحياة. فعندما تنفجر متحولة إلى مستعر أعظم، تولد الحياة من الأنقاض والرماد. كانت مهارته العلاجية الجديدة [تجسد الفينيق] قد دمجت بالفعل قدراً كبيراً من تقنية جسد الحياة في بنيتها، لكنها وُضعت للتحسين والعلاج لا للقوة البدنية.

ومع هذا، كان يعرف سيدا ما يريد. فالإغراء كان طاغياً لدرجة جعلته يذكر نفسه بامتلاكه بلورة دمج المهارات التي يستطيع استخدامها إن لم تكن المهارة بالجودة التي يرجوها. وهكذا اتخذ قراره ووجد لنفسه بقعة لطيفة في الفناء الخلفي. كان المكان الذي استأجرته ليلي منعزلاً إلى حد بعيد وقد مُحاطاً بسحر قوي بالفعل، ناهيك عن التعاويذ التي وضعها ماركوس وآل فايولت أيضاً. شعر بالاطمئنان لإجراء تطور المهارة هناك.

عثر على رقعة عشب بجوار البركة الصغيرة وجلس. أخرج مسبقاً عدة أشياء من مساحة تخزينه. بعض الطعام ومواد استشفائية. وأخرج أيضاً دراسيل وسيرافين من مساحة روحه. لقد فهمتا ما يفعله فقررتا البقاء في البركة ريثما ينتهي. وحين صار مستعداً، نصب حاجزاً منيعاً فوق جسده تحسباً لأي انفلات محتمل. وعندها فقط استدعى الإشعار. جارٍ الشروع في تطوير [تجسد طاقة النار والخراب] (ملحمية+)... الترقيات الممكنة: [تجسد الخراب]، [طاغية الدمار]، [إطار المتجهات المحطمة]، و[سيد الشمس الآفلة].

هل تريد اختيار [سيد الشمس الآفلة]؟ اختارها بذهنه وهيأ نفسه. فَعل مهاراته كافة وأبقِ مهارة التركيز متأهبة عند أية لحظة. وسعد لأنه فعل ذلك حقاً، إذ إن التدفق المفاجئ للطاقة المنبعثة من روحه كاد يفقده وعيه على الفور. بدأت كرة مهارة [تجسد طاقة النار والخراب] تتوسع وتمتلئ بقوة خارقة. لم يملك حيلة لإيقافها ووقف يشاهدها محبوس الأنفاس. وحين بلغت ذروتها وامتلأت حتى آخرها، انفجر كل شيء.

أطلق أنة حادة بينما دفعت القوة داخل روحه جسده بقوة اصطدمت بالحجارة التي تنصب حاجزاً. اصطدم وجهه به بقوة جعلته يشعر بانفلاق أنفه. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. كان الأمر أشبه حقاً بانفجار مستعر أعظم داخل روحه. تطلب الأمر منه كامل تركيزه لحماية مهاراته الأخرى من التضرر جراء الانفجار. وحتى مع ذلك، لم يستطع إنقاذها تماماً. فقد غمرتها ألسنة اللهب وهالة الخراب والطاقة الحركية.

كافح ليحافظ على وعيه وتحمل الأمر. ومما يُحمد عقباه، بدا أن روحه تعاملت مع هذه القوة بشكل جيد للغاية. فتطور الروح الذي خاضه كان يثبت جدارته حقاً. وشكك في قدرة حال روحه القديمة على احتمال مهارة كهذه. مع ذلك، عقب الانفجار الأول، سرى نبض خافت في أرجاء روحه. وظن أن هذا جزء من العملية وبات عليه التحلي بالصبر. على أية حال، لقد بات بارعاً في ذلك. وهذا ما فعله بالضبط.

* * *

منظور ليلي كانت منهمكة في مراجعة وثيقة أعدتها بمساعدة أنجيلا. أرادت التأكد من عدم وجود أي نقص أو ثغرات يمكن للآخرين استغلالها. ففي أمور كهذه، لن تكون النماذج والوثائق القياسية لعائلتها ملائمة تماماً للمهمة. لذا توجب عليها كتابة كل عقد ومقترح من الصفر. غير أنه، بينما كانت تضع اللمسات الأخيرة على الوثيقة، انتبهت حين دوت التعاويذ المحيطة بالعقار فجأة بصوت عالٍ. تجاوبت أنجيلا فوراً وجذبت ليلي نحوها، مفعلةً العديد من مهاراتها وبعض الأغراض التي كانت بحوزتها.

أكانا تحت الهجوم؟ وإن كان الأمر كذلك، فمن ذا الذي يبلغ من الجنون والبلاهة حد الإقدام على فعلة كهذه؟ أخذت تفكر في كل الأطراف أو الأفراد المحتملين الراغبين في مهاجمة آل فايولت، لكنهم كثر ولا شك. رغم أنها ظنت أن تسعة من أصل عشرة من هؤلاء المشتبه بهم لن يقدموا على ذلك في مقر إقامتها. بل كان ليحين وقت أو فرصة أخرى. بينما كانت مستغرقة في تفكيرها، انفتح الباب ليظهر ماركوس.

ولكي تزداد حيرة، لم يبد الرجل قلقاً البتة. بل بدت على محياه مسحة خفيفة من التبرم.

فسألت حاجبها معقودان: "ما الأمر؟"

فأجاب مستديراً: "من الأفضل أن تري بنفسك".

قطبت جبينها لكنها تبعته، وزادت حيرتها حين خرجا من الباب الخلفي إلى الفناء الواسع. لكنها أدركت السبب سريعاً وقرصت أنفها. لقد انطلقت التعاويذ بسبب المراهق الصغير الجالس بجوار البركة. أما أنجيلا التي تبعتهما، فلم تكن هادئة بالقدر نفسه، وبدأ اتزانها يتصدع.

وسألت مشيرة إلى الهيئة المشتعلة بالنار الجالس داخل قبة من المانا الزرقاء: "ما هذا؟"

تنهدت ليلي وقالت: "إنه جوليوس".

"إنه يحترق".

فأكد ماركوس بنبرة مساعدة: "نعم، يبدو كذلك".

سألت أنجيلا باضطراب وهي تعدل نظاراتها برعشة متوترة: "لماذا لا تبدوان قلقين؟"

هز ماركوس كتفيه وقال: "إنه يفعل هذا من حين لآخر".

"ماذا؟ يشتعل فجأة بالنار؟"

قالت ليلي، مع اعترافها بأنها كانت تتساءل عما يفعله: "نعم، تلك عادته نوعاً ما. رغم أن هذه المرة تبدو... درامية أكثر".

بدا الأمر هذه المرة مختلفاً وأكثر خطورة نوعاً ما. في الواقع، بدا خطيراً بالقدر الذي جعل تعاويذ العقار ترصده كتهديد جسيم. وهذا بحد ذاته يكفي دلالة. إلا أنه عندما تحطم الحاجب المحيط به فجأة وبدأت النيران تصهر الحجارة، فتحت الباب الخلفي على مصراعيه وهرعت نحوه. كان ماركوس خلفها مباشرة وبدأ بالفعل في إقامة حواجز عدة حول جوليوس. ولم تكن النيران وحدها هي المشكلة. فقد كانت تدفقات قوية من الطاقة الحركية تضرب الحاجز.

ومما اثار دهشتها، بدا ماركوس عاجزاً بالكاد عن الصمود. كان يكافح لاحتواء تلك القوة. وتصاعدت ومضات أرجوانية من الطاقة النفسية من جلد ماركوس بينما كان ينصب حواجز إضافية عدة حول جوليوس فضلاً عن حاجزين حول ليلي نفسها. ولحسن الحظ، بدا هذا كافياً، لتخفت النيران أخيراً. بيد أن ما تبقي كان جسداً متفحماً ومسوداً في موضع جوليوس.

قالت أنجيلا بصدمة مذعورة وهي تضع يدها على فمها: "يا للهول".

لكن ليلي لم تفزع. كانت متأكدة بنسبة خمسة وتسعين بالمئة أنه لم يموت. استطاعت استشعار عقله لا يزال نشطاً وأدركت أنه نجا من أمور أسوأ. لكن المنظر كان مقلقاً حتى بالنسبة لها. ومع ذلك، تقدمت بشجاعة، ولصدمتها كان دراسيل وسيرافين يطفوان في البركة. والمثير للدهشة أنهما لم يبديا أي قلق بشأن جوليوس أيضاً. واعتبرت ذلك مؤشراً جيداً. كبحَت تعبير وجهها الممتعض وركعت بجوار جسد جوليوس المتفحم ونخسته برفق.

وسألت: "أنت بخير؟"

سمعت أنة خفيفة رداً عليها، ولمصد إغاثتها، بدأ يتحرك. انزاحت طبقة الرماد والشرائح المحترقة من الجلد عن جسده لتكشف عن جوليوس عارياً تماماً. كانت قد رأته هكذا في مناسبات عدّة، لكن أنجيلا لم ترَه، وسمعت المرأة تشتم بذرائع وتلتفت بعيداً ووجهها محمر كالبنجر. هزت ليلي رأسها وألقت عباءة على جسده العاري.

ولاحظت قائلة: "أرى أنك لم تتغير".

بصق بعض الرماد من فمه ومنحها ابتسامة خجولة.

"هذا أمر جيد، أليس كذلك؟"

أدارت عينيها بملل وابتسمت قائلة: "نعم، إنه مثالي".