انتهى من طعامه وأمضى بعض الوقت في أطراف الحديث مع دراسيل وسيرافين، وبدأ العمل أخيراً. كانت روحه تتعافى بوتيرة سريعة تعجز عيناه عن تصديقها. ومع تدفق مهارة [تجسد العنقاء] في مختلف أنحاء روحه، غلب على ظنه أنه سيشفي تماماً في وقت أبكر ممّا توقع. ولم يكتف بذلك، بل أخرج أخيراً رمز تثبيت الروح من حيزه البعدي. بدت القطعة دافئة في راحته، ومعدنها الفضي يلمع في النور كجوهرة نفيسة.
زحف دراسيل حتى بلغ يد جوليوس وبات ينخس الرمز بفضول. لم ينتظر جوليوس أكثر، ولا سيما حين أظهرت روحه هذا التحسن السريع. أغمض عينيه وسمح لهالته بالاتصال بالرمز. أترغب في استهلاك رمز تثبيت الروح (درجة القمة)؟ وافق وشاهد الرمز يذوب متلاشياً في ذرات من النور الدقيق. تغلغلت الجسيمات في بشرته، وشعر فوراً ببدنه يشتعل بالدفء. وتلقى روحه، التي كانت تندمل بالفعل، سيلاً هائلاً من الطاقة.
لم يكن الأمر شبيه بشيء خبره من قبل. ولم يكن تدفق الطاقة في روحه وحده ما لفت انتباهه. بل كمية الطاقة المتركزة حولها. بدأت شبكة ضخمة ومعقدة من الخيوط تظهر في محيط روحه. وبدت في البداية عشوائية، غير أن الأمر اتضح جلياً مع مرور الوقت. راحت هذه الخيوط تنسج معاً ببطء، وكان كل خيط مربوطاً بغيره، ممّا جعل النسيج المركب أقوى من ذي قبل. كان هناك الكثير مما يحصل عجز عن تتبع تفاصيله.
اختلف كل خيط عن الآخر حجماً ولوناً، ولكل منها حيوية مميزة. اكتست شبكة الخيوط شكلاً كروياً ببطء. إلّا أن هذه الكرة تألفت من مسدسات أصغر حجماً تتوضع فوق بعضها بلطف. واستقرت داخل تلك المسدسات أشكال ورونقات فريدة منقوشة على سطوحها. وحمل كل منها بصمة تناقض سواها. وجهل تماماً كنه ما يدور. وكل ما علمه يقيناً هو أن ما يجري كان يفوق قدراته الحالية بكثير، أو أقصى ما يمكنه نسخه.
للحق، انسَ أمر النسخ؛ إذ عجز حتى عن الشروع في إدراك ما يحدث من الأساس. بلغ الأمر ذروة التعقيد والالتباس. مع ذلك، أدرك مقدار عونه لروحه. ومع إحاطة كرة المسدسات المتحدة المركز لروحه، لمس ظاهرة فاعلة في داخلها. كانت كل القطع المكسورة والمتآكلة الناتجة عن الاستنزاف القسري الذي عاناه تعيد بناء نفسها بطريقة تعجز عنها مهارة الشفاء خاصته. ولم تكتف الكرة بذلك. بل شرعت في ضغط روحه وعصرها ببطء.
تملكه هلع عابر لكنه أدرك سريعاً أنها لن تؤذيه. وبدا أن العصر يحمل غاية ما. جمعت خيوط روحه الشاردة ولملمتها بترتيب. ولسوء الحظ، شرعت إثر ذلك في حكّ روحه كما يُفعل بورق السنفرة. أصدر أنة ألم بينما راحت هذه الحدود تسحق روحه فعلياً. وما جعله يحتمل الأمر سوى إحساسه بأن روحه تصبح أكثر نعومة مع كل مرة. وصقل السطح كأنه رخام، بينما تواصل ضغط روحه بعنف أكبر. اشتد الضغط حتى شرعت روحه تتقلص قليلاً في الواقع.
وطريف الأمر، أن ذلك الجزء لم يؤلمه بتاتاً، وبمجرد انقضاء كل شيء، وجد نفسه يتفحص روحه بتعبير معقد. توقف الحك، واستطاع معاينة ما جرى بوضوح. روحه التي ركدت في حال مزرية، باتت تتلألأ كجوهرة متألقة. وكان البريق خاطفاً للبصر، كما صغرت حجماً عما كانت عليه. ولدهشته، لم يعد يحلم بأي قشور أو أجزاء متضررة في روحه. وكأن تلك الكرة ضغطتها لتعود كل قطعة إلى مكانها. ولم يكن شفاءً عادياً فحسب.
بل ازدادت روحه قوة. لا بالطريقة ذاتها التي تقوت بها عند تطور روحه، بل باتت أكثر كثافة. سابقاً، أشبهت روحه كرة خشبية نوعاً ما. وكان السطح صلباً نسبياً غير أنه مسامي قليلاً وسهل التضرر عند التعرض لهجوم مباشر. غير أن هذا الرمز بدا مغيرًا للأمور. فقد عدّل مظهر روحه الخارجي ليغدو بصلابة الفولاذ. لكنه لمس أيضاً ليونة وقابلية للثني في الداخل. وظن أن روحه باتت أكثر مناعة تجاه الهجمات الخارجية والمحفزات الأخرى.
ولا شك أنه قلق قليلاً حيال أثر مهارة الشفاء في هذا كله. فعندما طور بدنه خلال رقيه إلى المرتبة الرابعة، عسر شفاؤه لإصلاحه أشد صلابة وأكثر مناعة. وإذا كانت روحه في حال مشابهة، فخشي أن تواجه مهارة الشفاء صعوبة أكبر في معالجتها. بيد أنه، لو صح ذلك، تمنى أن يصبح إلحاق أضرار بالغة بروحه أشد صعوبة، تماماً مثل بدنه. فدرء الضرر أفضل من وجوه عدة. اعتعد في جلسته وتفحص روحه بابتسامة متلهفة.
وما زالت مهارة الشفاء تباشر عملها، لكنه ما ظن ذلك ضرورياً. فقد نجح الرمز في معالجة ما تبقى من ضرر وزيادة. مع ذلك، بدت فاتنة للغاية. تألقت روحه بطريقة سحبت حواسه. وعجز عن كف نظره عنها، ولم يفق من شروده إلا حين أحس بدرسيل يجذب وجنتيه. ولم يفطن للأمر، إذ أطلق كميات هائلة من هالته بينما كان يستكشف روحه المتعافية والمستقرة حديثاً.
قال لدرسيل الذي أطلق صفيرة خفيفة ردّاً عليه: "عذراً، شتتني أمر ما".
ترتبط الهالة بالروح ارتباطاً جوهرياً، ممّا يعني أن قوة الروح تتبعها قوة الهالة. وكمن الإشكال في خطورة هالته مقارنة بالهالات العادية. فقد كانت أكثر تدميراً وأشد نَهَماً من سواها. لحسن الحظ، حظي ببعض الخبرة في التعامل معها، ونجح بعد نصف ساعة في تحقيق توازن حسن يبقي هالته رهن إشارته متى شاء، وبقدر من الكبح يمنعها من التسرب والتسبب بالإزعاج. وما إن سيطر على الأمر، حتى شرع يعبث بمهاراته.
وبحكم انقطاعه عن استخدامها طويلاً، بدت صدئة، فبدأ باختبار كل واحدة بمفردها. غير أنه، وحين بلغ [تجسد الدمار البيروكينيتي]، انقلبت الأمور. وجهل أكان السبب بقاء المهارة عند المستوى ثلاثين طويلاً، أم رغبته اللاواعية في تطويرها الآن بعد أن حاز قوة الروح المطلوبة لتجاوز الحد. انفجرت المهارة التي كبحها لبرهة بعنف شراسة. وبلغ العنف حداً تضررت معه لحمته بشدة أثناء سريان المهارة في بدنه.
حاول التحكم بها، غير أنها غلبت إرادته. بدأت بشرته تحترق، والتهمت طاقة الدمار لحمه. مع ذلك، لم يكن الأمر سيئاً للغاية. بمعاييره على الأقل. فاقت مهارة الشفاء حاجته للتعامل مع الضرر. والمشكلة تمثلت في غياب شعوره بتطورها، وعدم تلقيه أي إشعار. وراوده إحساس بضرورة استخدام المهارة فعلاً إن أراد بلوغ ذلك. ولم يمانع هو الآخر. ففي نهاية المطاف، ما زال يفكر في استخدام بلورة دمج المهارات عليها.
ليت لديه بعض الأعداء هنا ممن يمكنهم إعانته. وليتها لم تكن بليّة حبسه هنا. عليه إيجاد... توقف فجأة؛ إذ أحس بتحول ما داخل هذا العالم طالما فكر في إيجاد مخرج منه. ولم يقتصر الأمر على العالم؛ بل امتد لصلته بالمصفوفة التي كانت تعين روحه. ولابد أن السبب عائدان لانتفاء خطر انهيار روحه، فشرعت المصفوفة تنسحب منها. وأحس بمججساتها تطلق سراحه، وتغير العالم بأسره تبعاً لذلك. تلفظ ثوريك بشيء عن السماح له بالرحيل فور شفاء روحه.
وظن جوليوس أن ارتباطه بالمصفوفة كان أحد القيود الرابطة له بها. غير أن إطلاق سراحه يعني فك تلك القيود تزامناً معه. وفي هذه اللحظة بالذات، انهمرت عليه المعلومات. هبط على ركبتيه بينما هاجمت المعلومات دماغه. وحاز سابقاً معرفة عامة عن العالم المحبوس فيه، بيد أن أموراً خفيت عنه أيضاً. مثل سبل المغادرة. لكن، ومع إعتاقه من المصفوفة، بدا أنه لا مبرر لإخفاء تلك الأمور بعد الآن.
فعرف طريق المخرج وكيفية استخدامه. وبالنظر إلى المدة التي قضاها محشوراً في هذا المكان، لم يحتاج إلى أي إقناع لاستخدام المخرج. زج بحواسه فوراً في التعاويذ وأمسك بأزرار التحكم. بدا الأمر غريباً بعض الشيء، فارتكب عدة أخطاء هزت العالم باضطراب. غير أنه، وبعد نصف ساعة من الاختبار، أحكم قبضته على لوحة التحكم الموجهة للتعاويذ. بما يكفي على الأقل لفتح ثغرة نحو العالم الخارجي.
مع ذلك، بدا الأمر صعباً بصورة مدهشة، ورغم إحساسه بقلب يدور في مركز العالم، عجز عن تبين طريقة استخدامه. حاول، وجاهد حقاً. بيد أن ثوريك إما لم يمنحه الصلاحية لاستخدامه، أو أنه غبي وحسب. وعلى أي حال، قرر مدّه بالطاقة بنفسه. وملك من المانا ما يفوق حاجة فتح ثغرة، وما تمكن من تمزيق نسيج الفكان إلا بعد ست محاولات فاشلة. تردد قليلاً وعجز عن تبين ما يكمن في الطرف الآخر، فقرر التصرف بذكاء ووضع [علامة عنقاء]
على قطعة خشب عشوائية وجدها على الأرض. ثم قذف بها داخل ثغرة الفضاء، مراقباً إياها وهي تختفي في الجانب الآخر. قطب جبينه حين عجز عن استشعار مكان استقرارها. وللحق، لم يحاول التحقق مما إذا كانت مهارة ترتد بإشارة إليه من بعد مكاني آخر. غير أنه تيقن من بقائها هناك وفاعليتها. لا بد أن يعني هذا شيئاً، أليس كذلك؟ عقد حاجبيه، وقبل أن يتسرب الشك إليه أكثر، انحنى إلى الأمام ودس رأسه داخل الثغرة.
وأدرك فوراً خطب ما حين شعر بالفضاء يهاجم رأسه المسكين حرفياً من كل الاتجاهات. أطلق صيحة غير رجولية وسحب رأسه، مسكاً برقبته بينما تدفق الدم على الأرضية. وأصلحته مهارة الشفاء. غير أنه، ورغم كون الأمر مخالفاً لما تخيله، استطاع لمس لمحة خاطفة للجانب الآخر من البوابة. وحسب ما تبين له، كانت الغابة ذاتها التي حوت باب القبو الحجري الأسود. تلك الواقعة خارج غولدمير. ولم يوقن تماماً بسلامتها، بيد أنه تحلى بالجرأة الكافية ليهز كتفيه ويقذف بنفسه عبر الثغرات قبل أن يقنع نفسه بأنها فكرة سيئة.
حصن نفسه بطبقات متعددة من المانا، غير أن الثغرة المكانية لم تكن لطيفة معه ومزقت مهارته الحساسة. وحين هوى على الأرض، كان ينزف في كل مكان فلعن عندما طعن عود شقّاً من الشقوق العميقة. التفت حوله ولمح الباب الذي ولج القبو عبره على مقربة منه. غير أنه لاحظ بقاء الثغرة قائمة أيضاً. وأحس بقدرته على إغلاقها، ففعل. فلا مبرر لأن يبتلع شخص ما بالخطأ ويتمزق أشلاء. ورغم انغلاق الصدع، استمر بإحساسه بارتباطه بالعالم.
وعلم أنه يستطيع فتح بوابة أخرى هناك طالما كان قريباً بدرجة كافية من الباب. لا أنه يخطط للعودة قريباً. فقد مكث هناك طويلاً لدرجة تكفي. ولعلّه يعود للاستكشاف حين يحظى ببعض الوقت في العالم الخارجي. حتى ذلك الحين، رغب في النوم على فراش دافئ وتناول طعام حقيقي. واحتج أيضاً إلى معرفة مدة مكوثه محشوراً هناك. وتمنى بشدة، وبصدق، إجادته لاستخدام تمدد الوقت وألا يكون قد غاب سوى لأشهر معدودة لا أعواماً.
عقد أصابعه وتضرع بدعاء قصير قبل أن يشق طريقه عائدًا إلى غولدمير.