منظور سيلين مرّت أشهر طويلة منذ ذهاب جوليوس لدخول القبو المُحجَر. لكن الأبواب ظلت موصدة منذ لحظة دخول مجموعتهم في اختبار الإرث. ولم يستطع أحد الدخول. أثار هذا سيلاً من التكهنات والفرضيات. وبرزت فرضية رئيسية تفيد بأن شخصاً ما نجح أخيراً في الظفر بالإرث الذي تركه سيّد القبو المُحجَر. بيد أن أحداً لم يفلح في معرفة هويّة ذلك الشخص، حسب علم سيلين. ولم يتقدم أحد للإعلان عن أمره أيضاً.
ولم تكن تتوقع حدوث ذلك أصلاً. كان إخفاء هذا الأمر أرجح عقلاً متى ما أمكن. وإلا، فمن يدري كم من الطوائف ستأتي متراكضة لتعقبك؟ لقد كان سراً مشاعاً أن كل طائفة وعشيرة تقريباً في غولدمير تحاول تعقب الشخص المشتبه به، حتى وإن لم تكن متأكدة من وجوده من الأساس. وراحت عدة عشائر وطوائف نافذة خارج غولدمير تفعل الشيء ذاته. وكانت طائفة الصفصاف النضير إحداها. ومع ذلك، كان انشغالها بجوليوس أكبر.
فهي تعلم أنه يخطط لدخول الاختبار. لكنها لم تتلق أي أخبار عنه منذ رحيله. وهناك بضع احتمالات. أحدها أنه قضى ولن يعود. وثانيها أنه لم يذهب إلى القبو أصلاً بل ابتعد عن غولدمير بأسرع ما يمكن وبذكاء بالغ. أما الاحتمال الأخير فهو أنه الشخص الذي ورث ما تركه سيّد القبو المُحجَر. ولكنه إن كان كذلك، فأين ذهب؟ أرحل حقاً دون أن يودع احداً؟ ربما بدت غير منطقية بعض الشيء، لكنه لم يبد قط من تلك النوعية التي ترحل دون محاولة التوديع على الأقل.
وهو ما جعلها تتساءل عما حلّ به. وكان احتمال أن يكون أحدهم قد أمسك به ويُخفي الأمر عن القوى الأخرى واردًا أيضاً. لقد خرجت للبحث عنه في خفاء، لكنها لم تبرح تتساءل عما إذا كان بوسعها فعل المزيد. وإن كان الأمر كذلك، فما هو؟ كانت غارقة في أفكارها حين سمعت طارقاً على بابها. التفتت فرأت عمها يُطل برأسه من الباب. لم يبدو آرثر فيرديغراس كأعمام البشر. بل بدا بالكاد أكبر سناً من سيلين نفسها.
وكانا ليبدوان كأخ وأخت لولا اختلاف السن اليسير. قالت: — سنغرح بعد دقائق معدودات، أأنت جاهزة؟ ألقى نظرة سريعة على غرفتها الفوضوية وتنهد: — عليك حقاً ترتيب المكان قليلاً. قالت وهي تحسد عينيها وتمسك بسترتها: — سأرتبه متى عدت. منذ أن أرسلت إليه رسالة بما فعلته سليستين معها بذرية انفجار القلب، لم يبرح جانبها. كان يتجنب عادة التدخل في شؤون والديها، لكن غرس طفيل متفجر في صدر ابنة أخته بدا تجاوزاً غير مقبول حتى بالنسبة له.
ومنذ الأشهر القليلة الماضية، لم يسمح لها بمغادرة البيت وحدها. بل كان يرافقها ويراقبها بلا انقطاع. كما بدا مستشاطاً غضباً مما حدث. فقد أثار والداها ضجة بالفعل واشتكيا لعائلة كرومويل تصرفات سليستين، لكن شيئاً لم يحدث لسليستين حقاً. فقد طُمِس الأمر برمته. وكانت سيلين متأكدة من دفع أموال طائلة أو تعويضات ما، لكنها لم تكن لترو حتى قطعة نحاسية واحدة منها. ولحسن الحظ، أخذ آرثر على عاتقه المجيء لضمان سلامتها.
ويبدو أن شقيقها وُضع أيضاً تحت رعاية زوجة آرثر، مارسلا. كانت تلك المرأة قوة طبيعية مخيفة، وكان شقيقها في مأمن معها. من المؤكد أن والديها لم يكونا سعداء بهذا، لكن إجبار ابنتك على العمل لصالح أشخاص ابتزوها وهددوها بشيء خبيث كذرية انفجار القلب يبدو سيئاً للغاية. وقد منح هذا عمها المبرر للتدخل وحمايتها هي وشقيقها. كان عمها غاضباً للغاية هو الآخر. وعلى الرغم من مرور أشهر عدة، إلا أنه ما زال ساخطاً على سليستين.
لقد ذهب إلى مكانها ووبخها بشدة قبل بضع أشهر. وظنت سيلين أنه لولا دقة الموقف، أو لولا أن سليستين تنتمي إلى عائلة كرومويل، لنالت أكثر من توبيخ لفظي. لكن مسؤوليات آرثر الخاصة لعبت دوراً أيضاً. لقد كان عضواً نافذاً للغاية في طائفة الصفصاف النضير. وباعتباره أحد الأعضاء البارزين في عشيرة فيرديغراس، وهي إحدى العشائر المؤسسة للطائفة، كان لقوله وزن ثقيل. كما عُرف بالعدل والإنصاف، لذا مال الناس إلى الثقة به.
ويا للأسف، لم تكن طائفة الصفصاف النضير راغبة في معاداة عائلة نبيلة نافذة من الإمبراطورية. ليس الآن، وليس وسط كل هذه الاضطرابات. سألت وهي تعدل مساحيق وجهها أمام المرآة: — أيتعين عليّ حقاً الذهاب معك؟ اتكأ عمها على إطار الباب: — لا، لكن سيكون مفيداً لك التعرف على شخصية بارزة مثلها. أنت في السن التي سيتعين عليك فيها التعرف على أمور كهذه. ناهيك عن أنها جوهرة تاج عائلتها وستتولى زمام الأمور في السنوات القليلة القادمة.
وحقيقة السماح لها بقيادة الوفود كل هذه المسافة إلى كورفوس تظهر مدى ثقة عائلتها بها وبقدراتها. فصحت قائلة: — إذن سأحتك بهذه الفتاة وبقية الأثرياء؟
— تقريباً.
من يدري، قد تنسجمين معها حقاً. يبدو أنها في عمرك تقريباً. تمتمت سيلين بكلمات غير مفهومة. كانت تشك في قدرتها على الانسجام مع هؤلاء الناس. فمن المرجح أنهم يشبهون والديها وسليستين جميعاً. أشخاص يطعنون بعضهم في الظهر لمجرد قدرتهم على فعل ذلك. إنهم ليسوا من نوعية البشر الذين تفضلهم.
* * *
منظور جوليوس لم تكن مهارة التركيز ذات التصنيف الأسطوري تعمل كالمعتاد، لكنها لما كانت مهارة كامنة، فقد استطاع استخدامها أكثر من بعض مهاراته الأخرى. ساعده ذلك كثيراً في تبديد الملام. وقضى جلّ يومه في التأمل، ومرّ الوقت بسرعة بالغة، لحسن الحظ. وكأنما كان يأخذ قيلولة. ضحك في سرّه، مدركاً أنه يفعل شيئاً مشابهاً لما كان يفعله في طائفة الشمس المحرقة. غير أنه بدل البعث هذه المرة، كان يتعافى بعد أن امتص قزم كريه روحه.
كما جعلت روحه المصابة والمجهدة إحساسه بالوقت غريباً أيضاً. ومن المؤكد أن ورطته هذه ضمنت نوماً عميقاً، ومضت الأيام كنسيم خفيف. وظن أن للتحسينات والمصفوفة التي اتصل بها يداً في ذلك أيضاً. وإلا، لكان إدراك الوقت شاذاً للغاية. فلربما أضاف ثوريك وظيفة تجعل الوقت يبدو مختلفاً. أو ربما كانت روحه في حالة من التشتت بحيث لا يهم الأمر. لقد ضبط تمدد الوقت على أقصى ما يستطيع تحمله.
وكان تحديد المدة الدقيقة أمراً عسيراً؛ فقد فقد مسار الزمن بعد الأشهر القليلة الأولى. وكان يأمل ألا يكون وقت طويل قد انقضى في العالم الخارجي. فسيكون الأمر سيئاً حقاً أن يخرج أخيراً ليدرك أن سنوات قد مرت. وفعلاً، شكّل تمدد الوقت مشكلة طفيفة. وأدرك أنه يتسبب في تآكل طفيف لجسده وعقله. وكان ضباب رمادي يتدفق عليه باستمرار، لكن جسده المميز كان كافياً للتعامل مع الآثار الجانبية، ولحسن الحظ؛
فقد نجح في موازنة تمدد الوقت وتدهور جسده. كان الاعتراف محرجا، لكنه بدلاً من مشكلة امتصاص روحه كجثة جافة، كان منزعجاً أكثر من نقص الطعام. وفي ظل حالة روحه الحالية، عجز حتى عن استخدام أبعاده المرتبطة بالروحه. فقد علقت في فضاء روحه، وبات بلا علبة طعام الحبيبة. كما أنه لم يفكر مُسبقاً في وضع المزيد من الطعام في خاتمه الجديد. كانت هناك بعض قضبان المؤونة التي عثر عليها في أحد خزانات ثوريك، ولكن هذا كل ما هنالك.
وكان ليفضل أكل ألواح الأرضية الخشبية على تناول تلك الأشياء الصغيرة البغيضة. ولحسن الحظ، بدا أن الطعام والماء لم يمثلا مشكلة كبيرة. صحيح أنه كان جائعاً، لكن ذلك كان مرده أساساً إلى رغبته في تناول بعض رقائق البسكويت أو ما شابه. لا لأنه يحتاج إلى ذلك حقا للبقاء. فقد استطاع جسده تغذية نفسه من المانا وشفائه الكامنة. كما اشتبه في أن المصفوفة كان لها دخل في إبقائه شبعان أيضاً.
ومع ذلك، ظل عدم وجود علبة طعامه أو مكانه البعدي المليء بالوجبات الخفيفة أمرا معذبا. ولحسن الحظ، وبعد ما بدا وكأنه أكثر من عام من التأمل المستمر، والذي ربما تجاوز ذلك بكثير، شعر أخيراً بشيء يستقر في مكانه. كان تجدده الكامنة أبطأ مما تمناه، لكنه نجح أخيراً في استشعار الاتصال بروحه بعد هذا الوقت الطويل. وما إن استعاد اتصاله بروحه، حتى هاجمه كيانان. طار دراسيل وسيرافاين خارج فضاء روحه وهاجمتاه.
ولم يمنحه الوقت حتى لرد الفعل قبل أن تلتصقا بوجهه. وغمرته تدفقات مشاعرهما. وحتى سيرافاين، التي لم تكن شديدة التعبير بطبيعتها، تشبثت بخديه بزعانفها الصنيرة. سأل: — أأنتما بخير؟ وهو يشاطرهما كل المشاعر التي كبحها طوال فترة التأمل الطويلة هذه. فالشيء الوحيد الذي كان يشغل بملك حقاً هو هذان الاثنان. وكان يعلم أنهما ما زالا متصلين به، لكنه لم يكن يدري ما حدث. أطلق دراسيل صفيراً مدوياً وتشبث بأنفه بقوة أكبر، ممرغاً وجهه المخاطي في وجهه.
أخبرته سيرافاين بعد أن انحشرت قريباً منه لتستقر مستلقية فوق رأسه مباشرة: — كنا في حالة تعليق غريبة. لم يجر الوقت كالمعتاد، لكننا علمنا أن مكروهاً قد أصابك.
— حالة تعليق؟
— أجل، لم تكن سيئة، لكنها لم تكن ممتعة أيضاً.
كانت مملة ومقلقة للغاية. مدّ يده إلى أعلى وفرك قوقعتها برفق: — أنا آسف. ما كان لي أن أقبل عرضه. كان حريّ بي أن أرحل فوراً. قالت وهي تداعب شعره برفق بزعنفتها: — لا، لم يكن بوسعك فعل شيء. لا أظنه كان ليسمع لك بالرحيل حتى لو قلت لا. أصدر دراسيل هديلاً وصفيراً، مستخدماً ذراعه الوحيدة الطليقة ليقوم بإشارات هائجة بينما حاول التحدث إليه: — أجل، أنا بخير. الألم ليس سيئاً. وكنت أنتظر استعادة الاتصال بمهاراتي.
لكن هل أنتما بخير؟ بلا أضرار أو تأثيرات؟ هز دراسيل رأسه والتصق بوجه جوليوس، مرسلاً كميات ضخمة من مانا الحياة إليه وإلى روحه. وجلبت الدفقة المفاجئة لمانا الحياة شعوراً مريحاً بالارتجال. وعلى الرغم من أن الألم لم يكن شديداً، إلا أن ضغطاً مستمراً ظل مخيماً على روحه وهالته. كما فعل مهارة الشفاء خاصته أخيراً ولأول مرة منذ وقت بدا كأنه الأبد. كان الأمر أشبه بإيقاظ تنين غاضب.
فانفجرت كل ذرة من نار ومانا الحياة في جسده إلى الخارج. لكنه سيطر عليها، كي لا يصاب دراسيل أو سيرافاين بأذى. غير أن القوة كانت ضارية، فوجه معظمها مباشرة إلى روحه.
[تجسد الفينيق]
مهارة قوية أصلاً، وبعد سباتها الطويل، ظن أنها كانت تمديد لساقيها. فاشتعلت روحه بقوة المهارة ذات الطابع الفينيقي وبدعم من دراسيل، أزهرت روحه التي كانت تتعافى تدريجياً وببطء. ظن أنه سيحتاج إلى وقت أطول للتأقلم مع التغيير، لكن شيئاً ما قد تحول، وبات يستشعر شفاء روحه بمعدل غير مسبوق. وكان من الجنون كيف كانت روحه تستعيد عافيتها بسرعة، لا سيما مقارنة بمعدل شفائها طوال هذه الفترة الطويلة.
وشعر بأن الأمر مرتبط بتطور روحه الأخير. وصعب الجزم بما حدث حين تطورت لأول مرة، لكن التغييرات أخذت تصبح أكثر وضوحاً. وبات جلياً أن روحه أصبحت أكثر مرونة وقدرة على التحمل من أي وقت مضى. وما إن تفعلت [تجسد الفينيق]، حتى عادت لتركب مكانها بدقة متناهية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل راحت تزداد قوة مع مرور كل ثانية. وقبل أن ينسى، حاول الوصول إلى مخزنه البعدي وأخرج علبة طعامه.
وأطلق صيحة مدوية من الارتجاع وهو يمسك بذلك الشيء الثمين بين يديه. ولم يشعر بسعادة قط لرؤيته أكثر من هذه اللحظة. فتح علبة الطعام والتقط أنفاسه بذهول وهو يتفحص محتواها الداخلي. لقد تغيرت كثيراً. فلا يزال المظهر الخارجي مهترئاً، ولا يزال الطلاء باهتاً، وبدا الفينيق أشبه بدجاجة عجوز منزعجة. لكن الداخل أصبح هائلاً. لا بد أن تطور روحه قد أثر عليها، فهي، بعد كل شيء، يفترض أن تكون أداة من نوع النمو.
فقد حظيت بتحسين مكاني، وبدت الخيارات مذهلة. اصطفت صفوف من كل نوع من المعجنات على أحد الجانبين، بينما ضم الجانب الآخر خيارات عديدة من اللحوم المشوية. واحتوى جانب آخر تشكيلة من السندويشات وأطايب أخرى. وكان المنظر مذهلاً حقاً، ولم يكن هو الوحيد المتحمس لرؤيته. كان كل من دراسيل وسيرافاين يميلان فوق كتفيه، ويسيل لعابهما على علبة الطعام. وشعر بالاثنين ينقران رأسه بإلحاح وعرف تماماً ما كانا يطلبانه.
وكان يفكر بالفعل في الفكرة ذاتها، فسحب غطائه بسرعة من فضاء أبعاده وأعد نزهة لطيفة صغيرة. والتقط قطعتي بسسكويت وبدأ يطعم دراسيل وسيرافاين بيديه. ولم يضبط الاثنان نفسيهما وكادا ينتزعان أصابعهما في حماسهما. ثم أخذ قضمة من بسكويته وكاد يبكي من الفرح قبل أن يستمتع بكل قضمة كأنها الأخيرة.