كان أول ما فعله هو إعادة ضبط شروط القتال. لم يكن راضياً عن موقعه واحتاج إلى تغييره. ولهذا السبب استهلك قدراً وافراً من المانا وتاجه ليصنع جداراً هائلاً من النيران. لم تكن هذه النيران ذات نفع كبير على المخلوقات، لكنها كفّت لإبطائها ثانية إضافية. حرص على استغلال تلك الثانية بحكمة، ودفع الضغط أخيراً بالقدر الكافي لإتمام تفعيل [خطوة الفراغ]. وما إن أتم بنية التعويذة، عجزت القوة عن الإمساك به مدة أطول.
لقد قوَيت على التشويش على عقله وتركيزه، لكنها لم تستطع تغيير الفراغ أو التلاعب به. لم يبتعد كثيراً، فظهر في باحة واسعة تتوسطها نافورة. كانت الباحة مهجورة ومحطمة تماماً. فرّ كل من في المنطقة بأسرى ما يمكنهم. ولم يبق سوى من ملكه الرعب أو من أصيبوا وبقوا عالقين بين الركام. حاول تفاديّهم قدر الإمكان، لكن الباحة كانت مكاناً أفضل بكثير لمقاتلة هذه المخلوقات. لا بد أنها شعرت بانتقاله الفوري بسرعة، فاتجهت نحوه مباشرة دون إخفاء أدنى نية للقتل.
رحّب بالأمر، وبينما كانت تندفع نحوه، حاول ذلك المجال القمعي نفسه سحقه مجددًا. لكنه كان أكثر استعداداً هذه المرة، واستطاع تجاهل معظمه. كانت الهجمة العقلية اللاحقة أكثر خطورة، وأُجبر على تعزيز عقله مرات عديدة. حاول تمزيقها بهالته المدمرة، لكنها لم تكن بالفاعلية التي تمناها. مع ذلك، لم يقف مكتوف الأيدي يدعها تقترب. لقد تعلّم أن يكون مهذباً، لذا شحن جسده بطاقة حركية، وخرج للقائها في منتصف الطريق.
انزلق تحت الأول وقفز ليسدد ركبة في وجه الثاني. حُشيت [ضربة الفراغ] بأكبر قدر من المانا استطاع جمعه في فترة قصيرة. حاول المسخ صده بذراعيه، لكنه انتزعهما بنبضة أخرى من الطاقة الحركية. لم يمنحه فرصة أخرى للتعافي، وتردد صدى زجاج متكسر في أنحاء الباحة عندما شق وجهه نصفين. ألقى رمحاً كان يجهزه فوق كتفه مباشرة نحو عنقه المكشوف. أحدث الانفجار ضرراً أكبر، لكنه ظل حياً للأسف.
أراد الإجهاز عليه، لكنه اضطر للاعتناء بالمسخين الآخرين. كانا يتحركان بسرعة لا بأس بها، لكنهما بدا أبطأ بكثير بالمقارنة مع نمل الرتبة الخامسة وإيريك. الآن وقد امتلك الزخم ولم يعد مضطرا لمواجهة هجمات من عدة جبهات، استطاع الرقص بين تلك الضربات بدقة خارقة. أتاحت له مهاراته المكانية حساب كل حركة من حركاتهم والتفاعل وفقاً لذلك. بعض الضربات الحرّة المفعمة بالطاقة الحركية و[ضربة الفراغ]
أعادتهما إلى الوراء. ألقى أيضاً عدة موجات كثيفة من النيران المدمرة ليمنعهما من التجمهر فوقه. وفي النهاية، وجد ثغرة. اندفع للأمام متلقياً ضربة على جانب وجهه، لكن الأمر تستّر الثمن. انزلق بين المخلوقين السليمين وانقض على المصاب. قفز وأمسك بوجهه. صبّ أكبر قدر ممكن من النيران المدمرة في حلقه مباشرة، بينما حطمه في الوقت ذاته بجمجمته وهالته. لم تكن للمسخ فرصة وتحطم بعد عدة نطحات عنيفة.
وعندما هوت جثته الميتة إلى الأرض، قفز متفادياً طرفاً كاد يغرس في صدره وتوارى خلفهما بالانتقال الفوري. ضربه في صدره بقبضته وبدأ في إطلاق هالته. الآن وقد بقي اثنان منها فقط، شعر بارتياح أكبر بكثير إزاء استخدام هالته للضغط عليهما. إن نقصان خصم واحد يصنع فارقاً كبيراً، وبالتأكيد عجز الإثنان عن الصمود أمام القوة الهائلة التي أنزلها بهما. حطم دفاعاتهما الهُويّة وسحقها بقوة إرادته المتفوقة.
تعطلت هجماتهما العقلية التي كانت تهاجمه بلا توقف، واستطاع دفع مزيد من الطاقة إلى التكوينات فوق كتفه. نبض رمحان بغضب بينما غمرهما بالنيران المدمرة. شحنهما بـ [ضربة الفراغ] أيضاً. لم تكن المهارة تعمل مع تكويناته بالكفاءة ذاتها التي تعمل بها مع قبضاته، لكنها أضافت إلى قدراتهما التدميرية. بدا أنهما أدركا خطورة هذين الرمحين وحاولا الفرار. لكنه لم يكن ليسمح لهما بالإفلات بهذه السهولة.
أسقط طاقته الحركية عليهما بكل أوقية من الإرادة والسلطة استطاع جمعها. تعثرا ساقطين على الأرض وبدوا أبطأ من تفادي الرماح المندفعة نحوهما. ألقيا بأي دفاعات استطاعا حشدها، لكن دون جدوى. اخترقت رماحه كل شيء وغاصت مباشرة في صدريهما قبل أن تنفجر هادرة. تطايرت عدة مبان مجاورة إثر الانفجار. غطى وجهه واقياً إياه من الحطام وقطع السبج المتطايرة باتجاه وجهه. ما إن انقشع الغبار، حتى مشى نحوهما ونخس جسديهما المحطمين بطرف قدمه ليتأكد من مكوتهما ميتين.
عندما اطمأن، أومأ برأسه وتفقد إشعاراته التي تراكمت منذ دخوله هذا العالم.
[الإدراك المكاني المطلق المستوى 24 -> المستوى 25]
[خطوة الفراغ المستوى 22 -> المستوى 23]
[ضربة الفراغ المستوى 19 -> المستوى 21]
[مجال الإرادة المحطمة المستوى 20 -> المستوى 21]
[علامة العنقاء المستوى 7 -> المستوى 8]
[التوازن المتناغم المستوى 7 -> المستوى 8]
كان عدداً لا بأس به من المستويات. لقد توقفت مهاراته الملحمية الأخرى عالية المستوى، لكن ذلك لم يزعجه. فقد كانت بالفعل عند حافة الرتبة الملحمية، ولن يتمكن من تطوييرها على أي حال حتى يحسن قوة روحه. بعد أن انتهى من تفقد الأمور، التفت ناظراً إلى الزقاق الجانبي.
ناداه ببرود: "أراض أنت؟"
للشخص الذي شعر بمراقبته. لقد اختبئا جيداً، لكنه أحس أثناء الانفجار الأخير بفقاعة صغيرة من المانا قادمة من تلك المنطقة، وهو ما أوشى بتخفيه. خرج ثوريك، القزم العابس، من الظلال مبتسماً بابتسامة خبيثة. وكان ذلك الكوب المليء بالجعة في يده اليمنى.
علق الرجل بهدوء غير مبال البتة بالدمار المحيط بهما من كل حدب وصوب، متجرعاً رشفة من ذلك الكوب الذي لا ينفد: "مثير للاهتمام... أتعلم، تلك مهارة إدراك فائقة حقاً ما تملكه".
حدق جوليوس في القزم لكنه تجاهله في هذه اللحظة. بل توجه نحو مبنى قريب شعر فيه بوجود شخص مختبئ، وحطم الجدار الفاصل بينهما. لمح القزم الشاف المرتجف ينظر إليه، بينما كانت ساقه مجزرة والدماء تلطخ وجهه بالكامل. لا بد أن الشاب قد تغوط على نفسه أيضاً، لكن جوليوس لم يعر ذلك أي اهتمام. عوضاً عن ذلك، انحنى وشفى الشاب المصاب. انتفض الشاب عندما اقترب جوليوس، لكنه كان أضعف وأوهن من أن يفر.
في غضون ثوان معدودات، كان جوليوس قد شفى الشاب وساعده حتى في تنظيف نفسه قبل أن يعود أدراجه إلى ثوريك.
سأله ثوريك عندما اقترب: "أترى حقاً من الحكمة تبديد المانا هكذا؟"
رد جوليوس وهو ينحني لتفقد قطع السبج المحطمة: "ومن قال إنه تبديد؟"
حين عجز عن إيجاد أي شيء مثير للاهتمام فيها، التفت حوله وسار نحو النافورة شبه المهدمة. بسط غطاءه على الحجر الملطخ وأخرج بعض الطعام من صندوق طعامه. هز كتفيه عندما رأى أنها مجرد شطائر بسيطة، لا شيء مميز حقاً، لكنه لا يستطيع الحصول على شيء مميز طوال الوقت. مع ذلك، كانت لذيذة كالعادة.
علق ثوريك منضماً إليه وجالساً: "أتعلم حقاً أنهما ليستا حقيقيتين، أليس كذلك؟"
استمر جوليوس في حشر فمه وهز كتفيه.
"وماذا بعد؟"
"ألا يبدو مجدياً إنفاق المانا على شفاء أناس ليسوا حقيقين بينما يمكنك استخدامها لشفاء نفسك أو ادخارها لوقت توارجه فيه المزيد من تلك المسوخ؟"
هز جوليوس كتفيه مجدداً.
"ماذا عنك؟ هل أنت حقيقي أكثر منهم؟"
"أنت تعرف الإجابة مسبقاً."
"أأعرفها؟ يراودني شك، لكن بصراحة، لا أدري كيف تعمل هذه المساحة أو هذا العالم. فكل ما أعلمه أنك قد تكون نزوة من خيالي أو مجرد وهم مثل هؤلاء الأقزام."
"إذن أنت تؤمن حقاً بأنهم أوهام."
التزم جوليوس الصمت وأعاد تركيزه إلى شطيرته الاكثر إثارة للاهتمام. إن كان هذا قد أزعج ثوريك، فلم يظهر الرجل ذلك.
سأل ثوريك بتذمر يمزقه الضيق والفضول: "إذن يظل سؤالي كما هو. لماذا تنقذ الكثيرين منهم بينما لست مضطراً لذلك؟"
أجاب ببرود: "ربما لأنني لا أستمتع برؤية البشر يؤكلون أحياء. ليس بالأمر اللطيف حقاً رؤيته مراراً وتكراراً."
"أتريد معرفة ما أظنه؟"
أرفع جوليوس بصره بتجهم ملول: "في الواقع، لا."
لم يعره ثوريك اهتماماً.
"أظن أنك تحب مساعدتهم. حتى لو علمت أنهم ليسوا حقيقين، أظن أنك تستمتع بشعور شفائهم وإنقاذهم."
"وإن كان هذا صحيحاً؟"
"إذن أجد ذلك السلوك مثيراً للإعجاب حقاً."
سأل جوليوس متنهداً: "لماذا تهتم أصلاً؟"
"لأنك من بين الأشخاص الستة الذين بلغوا هذه الطوابق. أنت الوحيد الذي قرر مساعدتهم. حتى أمثال تلك الفتاة التي قابلتها سابقاً لم تبذل جهداً لمساعدتهم، مفضلة سلامتهم الشخصية. وهم ليسوا استثناءً. من بين عشرات الأشخاص الذين وصلوا إلى هذا الحد، اختارت حفنة صغيرة فقط مساعدة أبنائي. أما البقية فعدوهم شاغلي محاكمة تافهة لا قيمة لهم سوى كونهم طعماً."
أشار جوليوس: "حسناً، هم ليسوا مخطئين تماماً. فبالنسبة لمخلوقات خطيرة كهذه الوحوش السوداء، تعد هذه هي الطريقة المثلى للقضاء عليها."
سخر ثوريك.
"أجل، إنها الطريقة المثلى للقيام بالأمر، لكن هذا لا يعني أن عليّ إعجابها."
هز جوليوس رأسه متنهداً.
"ماذا تريد؟"
قال ثوريك جالساً بجانب جوليوس: "أردت التحدث إليك."
بالكاد لامست ساقاه الأرض، ومَد يده ليقنص شطيرة. لم يمنحه جوليوس ذلك، وسرعان ما لطم يد الرجل بعيداً. مع ذلك، لم يبدو أن ثوريك اهتم، فتجرع رشفة كبيرة من كوبه.
رد بعبوس مزعج: "حسناً، أنا لست مهتماً بالحديث معك."
"ولماذا هذا؟"
أجاب بنظرة داكنة ومحدقة للرجل: "لا يعجبني أن يعبث أحدهم بعقلي، ولا حتى شخص بقوتك."
لقد استغرق وقتاً أطول بكثير ليصل إلى استنتاج أن غضبه وكرهه للمخلوقات كان طبيعياً بنسبة مئة بالمئة. بالطبع وجدهم مقرفين، لكن المشاعر التي اختبرها كانت متطرفة جداً حتى بالنسبة له. ولم يدرك سوى بعد مرور بعض الوقت أن أحدهم كان يفعل شيئاً به عن عمد. وكان واضحاً أن هذا الشخص كان ثوريك. أو بالأحرى، سيعرفه الناس بشكل أفضل بوصفه سيد السبج. لم يحاول ثوريك حتى إنكار أمر العبث بعقله.
ابتسم القزم الخشن بخبث ولوح بكلام جوليوس بعيداً، متصرفاً كأن الأمر ليس بالأمر الجلل.
"أردت معرفة ما أنت قادر عليه. واحتجت إلى تحفيزك بالشكل المناسب. لا يمكنك لومي حقاً على ذلك، أليس كذلك؟"
أجاب بصراحة: "أنا شخص تافه للغاية، إذن أجل، أستطيع."
"مع ذلك، لقد أعطيتك بعض النصائح لصنعتك. أتعلم كم شخصاً يتمنى التعلم على يدي؟"
"أكان ذلك متعمداً؟"
"ماذا؟"
"السيناريو بأكمله حين كنت أجوب المدينة باحثاً عن شخص يعلمني، لأقابل بالرفض من الجميع. ثم بسحر العبارة، أنت الوحيد الذي قبل طلبي."
"في الحقيقة، كنت سأرفضك أنا أيضاً. كنت أريد فقط أن أرى كيف ستتعامل مع الرفض المستمر. لكنك بعد ذلك قطعت أطرافك كمجنون وحسناً... طالما كان لدي جانب لين تجاه الحمقى والأطهار."
أمال جوليوس رأسه بفضول.
"أيهما أنا؟"
"أحدهما لا ينفي الآخر."
"يا لحسن طالعي."
"الخبر السار هو أنك نجحت مع ذلك."
"نجحت؟"
"نعم."
سأل جوليوس: "كيف؟ وما هي المتطلبات السرية؟"
قال ثوريك بكتفين مبالين: "لم تكن هناك أي متطلبات في المقام الأول."
"انتظر، لا توجد متطلبات؟ ماذا عن الإشعار الخاص بقتل أكبر عدد من وحوش السبج؟"
"مجرد هراء. أردت أن أرى كيف يتصرف الناس حين يكون دافعهم الوحيد هو القتل. بينما لا يزال عليك إظهار القوة لقتلهم، فإن الشيء الوحيد الآخر الذي أطلبه هو أن يحاولوا فعلاً إنقاذ بعض البشر. لو استخدمتهم كطعم، فسأقوم بإقصائك تلقائياً. هذا هو السبب الرئيسي وراء عدم نجاح أحد منذ أن وجدت تلك الطوائف الجشعة هذا المكان."
أشار قائلاً: "لكنك قلت إن هناك بعض الأشخاص الذين حاولوا مساعدة الأقزام."
"نعم، لكنهم كانوا أضعف من أن يفعلوا شيئاً حقاً. معظمهم لم يقدر سوى على التخلص من اثنين أو ثلاثة قبل الاستسلام. أما أنت، فقد أظهرت النزاهة والقوة على حد سواء."
"أيعني هذا أنني سأحصل على أي إرث كان في نهاية هذه التجربة؟"
ضحك ثوريك بصخب.
"بحق الجحيم لا. أنت لست مرشحاً صالحاً لوراثة إرثي."
لم يجد جوليوس الأمر مضحكاً بهذا القدر، وعوضاً عن مشاركة القزم الضحكات، حدق فيه ببلادة.