قال ثوريك متذمراً: "أنت فاشل في هذا".
"أجل، لماذا ظننتُ أنني بحاجة إلى معلّم؟"
رفع القزم خنجر جوليوس وهو يتأمله بنقد وقال: "ظننتُ أن لديك بعض الخبرة على الأقل. أراهن أن بإجدي إيجاد يتيم عشوائي مبتور نصف أصابعه في زقاق قذر ليصنع شيئاً أفضل من هذه القطعة من الخردة".
"لم أسبق لي صنع النصال قط".
"هذا ليس نصلاً. هذا... هذا كومة بائسة من المعدن المهدور".
هزّ جوليوس كتفيه. لم يكن ثوريك مخطئاً تماماً؛ فقد كان سلاحاً مخزياً. سيكون أكثر فعالية كقذيفة صلبة بدلاً من محاولة القطع به. ومع ذلك، تعلّم الكثير. رغم أن ثوريك كان قزماً سليط اللسان وقحاً، إلا أنه كان وافياً بعهده وساعد جوليوس في تعلم بعض الأمور. أشار عليه بنقطة واحدة تمثلت في اعتماده المفرط على سحر النار. كان ذلك يعني اعتماده على لهيبه عالي الحرارة لتشكيل المعدن بدلاً من استخدام يديه.
تعرّض لانتقادات أيضاً لاستخدامه قدراً مفرطاً من هالة طاقته في التلاعب بالمعدن.
يبدو أن استخدام الكثير من هالته الخاصة "يفسد"
المعدن ويصعب تشبعه بخصائص أخرى. كان التقليل من الأخطاء ولمس التفاصيل الدقيقة أمراً جيداً، لكنه بدا سيئاً كوسيلة أساسية لصنع نصل مدبب. ذكر أيضاً أن هالة جوليوس المدمرة تآكلت مع العديد من صفات المعدن الجيدة، مما جعله أكثر هشاشة وتقويضاً لسلامته العامة. مع ذلك، تفاجأ جوليوس حين ناوله القزم مطرقة. كانت مطرقة ضخمة حقاً؛ إذ بلغ حجم رأس المطرقة تقريباً حجم رأسه. لم يكن يتوقع أن يستخدم قزم بحجم ثوريك أداة كهذه.
مرّ الوقت سريعاً. وقبل أن يدري، تلقى إشعاراً يفيد بأن الاختبار سيبدأ رسمياً في غضون أقل من ثلاثين دقيقة. تمنى لو استمر في التعلم مع ثوريك، لكنه شعّر بأن ذلك لن يكون ممكناً. بغض النظر عن ذلك، جعل كل ثانية تحتسب. استوعب كل إهانات ثوريك وفهم ما كان القزم يحاول إخباره به بشأن عمله حتى الثانية الأخيرة. تمكن من صنع خنجر آخر قبل نفاد الوقت أخيراً. كان فخوراً بهذا الخنجر تماماً، والتقطه ثوريك من الطاولة ليفحصه.
تمتم القزم: "لا يزال قطعة قذرة قبيحة"، لكن جوليوس لم يسمع -بشكل مثير للدهشة- أي إهانات تخص جودة النصل ذاته.
وهو ما يعني أيضاً أن الرجل لم يره سيئاً للغاية.
"كيف هو؟"
لم يُجب ثوريك بل اكتفى بإصدار همهمة.
ضغط بعينين مفعمتين بالأمل: "بكم تقيمن من عشرة؟"
"ثلاثة".
قد تبدو الثلاثة منخفضة، لكن حين طرح جوليوس السؤال ذاته عن سكينه الأخير، لم يردّ القزم بل رمى الخنجر عبر الغرفة ليصطدم ببوثقة صهر ويعاد تدويرها. لم يحظَ بفرصة محاولة تطويع سحر النصل بعد، وهو أمر شعر براحة أكبر تجاهه. اعتمد أسلوبه على إرادته القوية والمفاهيم العديدة التي استمد منها إلهامه. لم يظن أنه سيحصل على تلك الفرصة أيضاً. انتهت فترة القبول. سيبدأ اختبار الطابق الخامس الآن...
قرأ جوليوس الرسالة وشعر فجأة بتدفّق مفاجئ للمانا من جميع جهات المدينة. كانت قوية لدرجة جعته يشعر بها عبر تعاويذ متجر ثوريك. الهدف: هزيمة أكبر عدد ممكن من وحوش الرعب السوداء في غضون ساعة. ستتنافس ضد مشاركين آخرين في الاختبار. سيتقدم أصحاب المراكز الأولى إلى الطابق التالي. وحوش الرعب السوداء؟ لم يُعجب جوليوس وقع الاسم، وخرج راكضاً من المتجر مطلقاً [إدراك مكاني مطلَق]
على شكل نطاق واسع. سمعهم قبل أن يستشعرهم. ملأت الصرخات الحادة الشوارع، وتلتها أصوات صرخات المواطنين مباشرة. دفع نفسه عبر الشوارع بسرعة فائقة. أحاطت به قشرة مصنوعة من [مجال الإرادة المحطمة]، واضطر لتفادي حشد القوم القصير، فكانوا جميعاً يفرون من شيء ما. لكنهم كانوا كثر لدرجة دفعته لاتخاذ قرار بالتحليق صعوداً فوق الحشد، متجهاً حيث استشعر أكبر قدر من الفوضى. حين وصل، رأى أخيراً شكل تلك الوحوش السوداء المرعبة.
وكان الاسم وصفاً دقيقاً ومخيفاً. كان يتوقع شيئاً يشبه الغولمانات السابقة، لا هذا. كانت الغولمانات مرعبة بطريقة قوية ومتينة. لكن هذه المخلوقات بدت كأنها خرجت لتوها من بعد مظلم. كانت بشرتها سوداء كالزجاج البركاني، لكن على عكس الغولمانات، كانت بشرتها تنساب كالزيت. ومع ذلك بدت صلبة بوضوح إن كانت الهجمات المرتدة عنها مؤشراً. إضافة إلى ذلك، كانت هالتاها مخيفة بحق. لم يسبق له مواجهة هالبت بمثل هذا القدر الخالص من الخوف والرعب ينبعث منها.
كانت بحجم الغولمانات تقريباً لكنها تضرب بسرعة الأفاعي. رأى العديد من الأقزام يندفعون لمواجهة هذه المخلوقات، لكنهم لم يكونوا ندّاً لها. وحين اقتربوا بما يكفي، تجمدوا في أماكنهم بفعل الهالات القوية وحدها. حتى اولئك الذين استطاعوا المقاومة تحطمت دروعهم على يد هذه المخلوقات. انشطرت الفؤوس إلى نصفين حين اصطدمت بالبشرة الشبيهة بالسائل، وباتت حتى تفجيرات المانا عديمة الجدوى.
كان الأمر أشبه بالغولمانات من الاختبارات السابقة. رأى أحدا الأقزام يُختطف بواسطة أحد تلك الوحوش السوداء. وبدل تحطيم القزم على الأرض كما توقع جوليوس، رأى فكوكاً مرعبة تتشكل على وجه الوحش، فطبق بقوة على القزم، قاصماً إياه ودرعه إلى نصفين. كانت صرخات المدينة مصمة للآذان، وكاد يغرق في الرعب المطلق المنبعث من هذه المخلوقات، متضاعفاً مع خوف الناس أنفسهم. اضطر لإغلاق حواسه الهالتية لتجنب التعرض للقصف والعمى بفعل تلك الهالات.
لمح وحش رعب أسود آخر يظهر على يساره، ورأى أنه يحدق بمجموعة من الأقزام المتخفين في زقاق خلفي. تراجعوا حتى استندوا إلى الجدار، صارخين بذعر. بدا أن المخلوق يستمتع بصراخهم وخوفهم. تحرك جسد جوليوس قبل أن يتخذ عقله القرار حتى. ظهر أمام المخلوق، مسدداً قبضة صاروخية نحو وجهه، مفجراً طاقته الحركية المتراكمة. كان الأمر شبيهأ بضرب تلك الغولمانات الأقوى. أحدث بعض الضرر، لكنه لم يكن كافياً لإيقافه.
استدار المخلوق نحوه وأطلق صرخة مدوية في وجهه تماماً. امتلك نوعاً من مهارات تعتمد على الصوت، وشعر بدماغه يهتز داخل رأسه. كان هناك تأثير خبيث أيضاً على عقله، لكنه سحقه بإرادة مطلقة. بل أمسك برأس وحش الرعب الأسود، وجذبه إلى مستوى وجهه، ونطحه بقوة مباشرة نحو تاجه. سُرّ العنصر المرتبط بالروح المضطربة بوجوده في قتال وأطلق موجة قوية من اللهب مباشرة في وجه المخلوق. عمل هذا بشكل جيد، وبشكل مثير للدهشة.
لم يحاول استخدام أي من نيرانه الخام ضد الغولمانات من قبل، افتراضاً بأنها لن تجدي نفعاً. لكن بدا أنه كان مخطئاً، واستطاع الشعور بنيرانه المدمرة تحرق أحشاء المخلوق. أطلق الأخير صرخة أعلى مباشرة في وجهه، واستطاع الشعور بأذنيه تنزفان. ألقى نظرة جانبية ورأى أن الأقزام القريبين لم يتعاملوا مع الأمر بذات الكفاءة التي أظهرها. كانوا على الأرض يمسكون رؤوسهم بألم.
عرف أن هؤلاء الأقزام حقيقيون "تقنياً"، لكنه لم يشعر بالصواب في التصرف كأنهم غير موجودين أو معاملتهم كأشياء استهلاكية.
أكانوا كذلك؟ ربما. لكنهم بداوا متألمين بالتأكيد الآن، ولم يعجبه ذلك. أمسك بالمخلوق ودفع الاثنين معاً عبر الشارع إلى حيث لم يستشعر وجود أي أقزام. أرسل دفعة سريعة من مانا الحياة قبل مغادرته، مما ساعد أولئك الناس على التعافي من إصاباتهم. اصطدم الأثنان بمبنى، ودفع بمرفقه مباشرة نحو حُنجرته. حاولت أطرافه الشبيهة بالوحش تمزيق ذراعيه. كانت قوية جداً حقاً، وصارع للسيطرة عليها.
لكنه لم يكن بحاجة لذراعيه أيضاً. أطلق زئيراً ونطحه مرة أخرى بينما استمر بإرسال المزيد من النيران مباشرة أسفل فمه المفتوح. ثم شرع في تسديد ضربات ركبة مشحونة بالطاقة الحركية مباشرة نحو جسد المخلوق. لم تكن الهجمات الجسدية فعالة بالقدر ذاته، لكنها ظلت مجدية، ومع حجم القوة التي أرسلها مع كل ضربة، تراكم الضرر سريعاً. لم يكن بمقدوره سوى الصراخ في وجهه بينما واصل ضربه. وبينما كان يمزق هذا المخلوق، أنشأ في الوقت ذاته نسخة أصغر من بنيته المحسنة فوق كتفه.
حين أصبح المخلوق هامداً تقريباً وشبه ميت، دكّ بيده داخل حلقه وفجّر كرة ملأها بنيرانه المدمرة. مزّق الانفجار يده، لكنه تجاهل الإصابة ودون الالتفات، أرسل رمح المانا المضغوط بكثافة والمُجهّز مسبقاً نحو وحش الرعب الأسود الذي حاول التسلل خلفه. أطاح البناء بالمخلوق إلى الوراء، محدثاً فجوة في منتصف عظمه الصدري. لم تكن بقوة القذيفة التي صنعها سابقاً، لكنها لم تتطلب ذلك القدر من الوقت او التركيز، ولا حتى تقريباً.
ولم تستهلك الكثير من المانا كذلك، وهو ما يعد ميزة دائماً. ومع ترهل المخلوق للخرج، انطلق نحوه، متجمعاً بالطاقة الحركية مع كل خطوة. وحين وصله، انحنى تحت تأرجح طائش وسدد ساقه مباشرة نحو الفجوة التي صنعها بالهجمة الأخيرة. ومع تضرر درعه القوي بشكل غير طبيعي مسبقاً، أحدثت ضربته ضرراً أكبر بكثير من محاولاته الأخرى. أُجبر على التراجع تفادياً حين كاد طرفه الحاد يخترق صدره، لكنه أنجز ما أراده.
ظهرت شقوق رفيعة في جميع أنحاء جسده، واستطاع جوليوس الشعور بنوع من المهارة تحاول إصلاحها. لكنها كانت أبطأ من أن تمنحه وقتاً للتعافي. عاد هجوماً، منكباً بكتفيه مع رمح آخر من المانا يُنسج إلى الوجود فوق كتفه. صرخ، وحاول الهجوم ذاته القائم على الصوت والعقل إلحاق الضذ به، لكنه تجاهله تماماً كالسابق. كان عقله أشبه بقلعة فولاذية. سيكون نزع جلده عن عظامه أسهل من اختراق ذلك المكان، ليس حين يكون مستعداً له.
حتى هالة رعبه لم تستطع كسب شبر واحد من الأرض. لطمت هالته المدمرة وروح محاولته تلك جانبأ وكأنها طفل مشاكس. انحنى تحت عدة هجمات منه وأطاح بساقيه من تحته. وقرر إنفاق بعض المانا، ففعّل [ضربة الفراغ]، وهي مهارة قلما استخدمها لتكلفتها. علاوة على ذلك، لم يكن بحاجة إليها عادة بصراحة. كانت معظم مهاراته الأخرى كافية للتعامل مع أغلب التهديدات. لكن نظراً لمتانة هذه الأشياء، سيوفر على الأرجح وقتاً ومانا إن اختار استخدامها الآن بدلاً من وقت لاحق.
بينما كان سطحه شديد المتانة، اخترقت مهارة الفراغ تحته. وتبين أن [ضربة الفراغ] هي المهارة المثالية للاستخدام ضد هذه المخلوقات، وشعر بشيء داخل صدره ينفجر. أطلق المخلوق صرخة مصمة، لكنه سدد قبضته في وجهه مرة أخرى، مسكتاً إياه للأبد. ألقى نظرة ولاحظ عدم وجود وحوش رعب سوداء أخرى في الجوار القريب. مع ذلك، استطاع سماع المزيد من القتال في البعث، وبعد إرسال نبضة شفاء إلى شابة كانت منكمشة في زاوية تمسك رأسها بألم، انطلق صوب الضجيج.