بلغ قناعات عديدة بعد مضي ساعتين على صعوده الطابق الخامس. أولاً، يعرف الأقزام كيف يأكلون حقاً. لم يعلم إن كان الطعام هنا حقيقياً، لكنه بدا حقيقياً تماماً. لم تشهد براعم ذوقه مثل هذا الغمر والتحفيز من قبل. لم يكن الطعام فاخراً بأي حال. كان طعاماً متواضعاً وغير متكلف، غير أن هذا لم ينفِ لكونه لذيذاً. حتى طبق اللحم المطهي المريب بدا لذيذاً بشكل مثير للسخرية. كثرت البهارات والقوامات المثيرة للدرجة التي جعلته يفقد صوابه.
زار أكثر من عشرة أماكن مختلفة للحصول على الطعام. جرب حتى شيئاً بدا كجرذ عملاق على عود، ولكنه تفوق بطريقة ما على بعض الأماكن الفاخرة التي زارها في العاصمة. اكتشف أيضاً أنهم شاربو خمر نهمون. امتلك الجميع، وأعني الجميع، نوعاً من المشروبات الكحولية. رأى حتى ما بدا لطفل رضيع يحمل كوب جعة بينما حشات بقية عائلته أفواهها وروت ظمأها بجعة تخصها. مع ذلك، والحق يقال، لم يدر إن كان ذلك طفلاً رضيعاً حقاً.
كاد يقسم أنه لمح بعض شعر الوجه على وجه الصغير. تلقى نظرات كاحلة غير ودية من أقزام آخرين، وظن أن السبب يرجع لكونه البشري الوحيد المرئي أكثر من أي دافع آخر. لكن المثير للطرف أن النظرات بدأت تخف بعدما رأوه يلتهم طبقاً تلو الآخر. بدا أن حتى الأقزام العبوسين يقدرون من يمتلك شهية صحية. شارك حتى في شرب بعض الكحول. لم يؤثر فيه ذلك كثيراً حقاً. جعله أيضه ومهارات شفائه منيعاً ضد السموم تقريباً، وتضمن ذلك الكحول.
رغم أنه لا بد كان شراباً قوياً لأنه شعر ببعض الترجح حين وقف. حتى بعد كل ذلك، تبقّت لديه عشر ساعات حتى تبدأ المحاكمة. ولم يكن هذا كل شيء أيضاً. عجز عن مغادرة مقاطعة المدينة التي تواجد فيها. كلما حاول المغادرة، صده الحاجز ذاته الخاص بالطوابق السابقة.
سأل الحاجز: "لماذا لا أستطيع المغادرة؟"
ولم يتلق رداء، ويا للمفاجأة. حاول حتى الانتقال الآني متجاوزاً إياه، وقد نجح الأمر. لدقيقة أو دقيقتين، قبل أن يشعر بأنه ينتقل آنياً مجدداً ليجد نفسه حيث كان. أدرك أنه يُطالب بالانتظار أساساً، فقرر الاسترخاء والتركيز على أمور أخرى. ظن أولاً أن هذا وقت رائع لتحسين مهاراته الحرفية. طالما سمع أشجاراً عن كون الأقزام حرفيين مذهلين، ولذا فكر أنه قد يجد شخصاً في المدينة ليساعده.
للأسف، كان القول أسهل بكثير من الفعل. ما تعلمه أيضاً عن الأقزام كان عنادهم الذي لا يلين وفخرهم بصنعتهم. دخل ما لا يقل عن خمسة عشر دعكاً حرفياً في الساعات الثلاث التالية، ولم يبدُ ولا واحد منهم مستعداً لتعليمه. في الواقع، طرده الجميع جسدياً باستثناء اثنين. وكان سبب عدم قيام أحد هذين الاثنين بالأمر عينه عائداً ببساطة لعدم امتلاكه لأي ساقين. جرّ جوليوس خطاه متثاقلاً على الطريق مططئ الرأس بعد رفضه الأخير.
حين رفع رأسه، أدرك فجأة أن السماء بدت تماماً كما كانت قبل عدة ساعات. ليس هذا فحسب، بل ظلت متاجر كثيرة مفتوحة، وهو أمر غريب لوقت متأخر كهذا. إما أن الأقزام يمارسون تجارتهم متأخراً، أو أن شيئاً آخر يدور. ولكي يكون صادقاً، كان يميل إلى الاحتمال الأخير. شعر بالإحباط إزاء إخفاقاته، فتوجه نحو أحد المتاجر القليلة في المقاطعة المسموح له بدخولها. كان يحتفظ بهذا المتجر الأخير للنهاية، جزئياً لكونه نصف متجر فقط.
بدت واجهة المتجر بأكملها وكأنها نجت لتوها من هجوم بقنبلة حارقة. رغم أنه أدرك لدى الفحص الدقيق أن النوافذ، رغم اتساخها وتغطيتها بالسخام، لم تكن مكسورة. في الواقع، كانت جميع التعاويذ في مكانها. شعر بقدر أكبر من التفاؤل، ففتح الباب واضطر فوراً للانحناء خلف رف عندما أُلقيت مفتاح ربطة اتجاه رأسه.
"اخرج!"
أطل جوليوس برأسه بحذر من فوق الرف ورأى قزماً مترنحاً يلتف حول المنضدة وبيده مفتاح ربطة آخر. ارتدى القزم مئزراً محترقاً وسراويل ملطخة.
قال ملوحاً بلطف: "مرحباً".
توقف القزم واختار ألا يلقي السلاح الخطير عليه.
سأل الرجل بسكر: "ماذا تريد أيها الصبي الصغير؟"
قال جوليوس بأفضل تقمص لديه لرجل مبيعات: "أردت أن أسال إن كنت تصادف إعطاء دروس في الحرفة. أنا حرفي طموح وأرغب في التعلم من الأفضل".
سأل الرجل باستهزاء: "الأفضل؟"
"نجل، الأفضل".
"كم شخصاً آخر قصدت قبلي؟"
أجاب جوليوس فوراً: "خامسة عشرة".
تأوه القزم: "حسناً، أنت صادق على الأقل".
سأل جوليوس بحماس: "إذن هذا يعني أنك ستوافق؟"
قال القزم: "تباً لا. اخرج من هنا"، وقرر هذه المرة حقاً أن يلقي مفتاح الربطة عليه.
رغم أن المفتاح أخطأ جوليوس بدرجة جعلته لا يظن أنه استهدفه أصلاً، بل ببساطة أن القزم لم يعد يرغب في الإمساك به. أو ربما كان سكانه شديداً لدرجة أن دقة تصويبه كانت سيئة إلى هذا الحد. لاحظ جوليوس أنه حين اصطدم مفتاح الربطة بخزانة زجاجية مجاورة، لم يكسر شيئاً. بدت الخزانة متينة للغاية رغم تغطيتها بطبقة كاملة من التراب والغبار.
سأل جوليوس بينما ترنح الرجل عائداً إلى منضدته: "ماذا لو دفعت لك؟"
"قلت اغرب عن وجهي أيها المشاكس".
تجاهل جوليوس إهانة الرجل ولحقه باتجاه الخلف.
"هيا، لا بد أن هناك شيئاً تريده. أمتلك الكثير من الأغراض الرائعة حقاً التي قد ترغب في فحصها".
لم يستطع القزم إلا الانتعاش حين سماع هذا. لاحظ جوليوس ومضة اهتمام صغيرة في هالته. لكنها أُخمدت سريعاً.
"لا تعني لا".
عّرض جوليوس وهو يخرج صندوق طعامه من مساحة روحه: "ولكن ماذا عن شيء يصنع ألذ طعام ويشفيك؟"
لم يكلف القزم نفسه عناء النظر والتقط بدلاً من ذلك كوب جعة. حاول الشرب منه، لكن قطرتين فقط من الجعة تسللتا منه، فتذمر القزم بانزعاج قبل أن يرتطم بالكوب فوق المنضدة عدة مرات بإحباط. ظن جوليوس أن الكوب سينكسر، لكنه شعر حينها بنبض مانا يصدر منه، ولدهشته، شعر بشيء يملأ الكوب. بتأوه أكثر خفوتاً، أفرغ القزم كوب الجعة الممتلئ الآن في فمه، وكرع الكوب بأكمله بجرعة واحدة، ممسحاً الرغوة عن لحيته حين انتهى.
سأل ملقياً نظرة عليه: "ما زلت هنا؟"
"نقل"، أومأ جوليوس بتعبير فضولي تجاه هذا الكوب الخاص به.
أكان يمتلئ بجعة من مساحة منفصلة، وهل كان يُنقل بسحر مكاني؟ أم كان يخلق الجعة بشكل مستقل؟
"لدي عرض لك إذن".
خطا جوليوس خطوة أقرب بحماس.
"نعم؟"
"قلت إنك تريد مني مساعدتك في تعلم الحرفة، أليس كذلك؟"
أومأ جوليوس بحرارة.
"إذن ما رايك بهذا؟ تقطع ذراعيك الاثنتين وإحدى ساقيك، وسأعلمك".
عبس جوليوس وتراجع إلى الخلف، وإن لم يكن مقززاً أو مهاناً؛ بل كان مرتبكاً بالأحرى.
سأل وهو يتقي عينيه: "لماذا ساق واحدة فقط؟"
قال القزم بضحكة حادة كأن نكتته أمتعته كثيراً: "لأنني ما زلت بحاجة لأن تغادر من هنا بعد ذلك، ولست على استعداد لجر مؤخرتك الطويلة وحدي".
قال جوليوس بابتسامة مشرقة: "صفقة".
"هاها، صفقة!"
انحنى القزم وضحك. ابتسم جوليوس.
"حسناً، إذن متى نبدأ؟"
رفع القزم رأسه بحدة، وقد امتلأتا عيناه السكرانتا بالحيرة.
"بأي هراء تحرك شفتيك؟"
"قلت إن لدينا صفقة. الآن، هل تكترث لساق معينة أو تحتاجها؟"
"هاه؟"
أوضح جوليوس: "أقصد، أتريد ساقي اليمنى أم اليسرى؟"
"أنتم البشر مجانون تباً لكم. اغرب عن وجهي الآن، أنت تضيع وقتي".
هز جوليوس رأسه، ودون أدنى تردد، صنع شفرة حادة من المانا وبتر ذراعه اليسرى من الكتف صعوداً. هوى الطرف على الأرض، وتجمع الدم في قاعه مباشرة. حدق في القزم المذهول وابتسم.
وقال: "لقد عقدنا صفقة"، وسرعان ما تحكم بالشفرة ليزيل ذراعه الأخرى.
سقط الطرف على الأرض بجوار الطرف الآخر مباشرة.
وقال جوليوس وهو يزيل ساقه اليسرى: "وأرجو أن تكون من النوع الذي يفي بصفقاته".
لم يوضح الرجل رغبته بشأن أي طرف، لذا اتخذ قراراً تنفيذياً. بدا القزم مذهولاً ومقززاً في آن واحد.
سأل وهو يحدق في كومة الأطراف المقطوعة: "ما اللعنة الخطيرة بك؟"
هتف مقززاً: "لم أكن أعني حقاً أن تقطعها أيها اللقيط الصغير المجنون!"
"لماذا كنت لتعرض مثل هذه الشروط إذن؟"
"لأنني أردت منك أن تغادر. لم أظن أنك ستفعل وتقطعها حقاً".
"أه. حسناً، أظن أن الأوان قد فات على ذلك. وأفترض أن هذا يعني أنه يتوجب عليك الالتزام بنهايتك من الاتفاق الآن"، قال جوليوس مؤمئاً لنفسه بيقين.
بدا أن آلاف الأفكار تدور في ذن القزم، لكنه لا بد اتخذ قراراً في النهاية وسرعان ما كرع كوكباً آخر ممتلئاً من الجعة في حلقه.
"حسناً، أيها المهووس. سأعلمك، فقط توقف عن قطع أطرافك، حسناً؟"
قال ملقياً نظرة مقززة على الأطراف النازفة، لكنه انحنى بعد ذلك ليلتقطها.
"تعال إلى الطاولة واستلق الآن. إذا كنا سريعاً بما فيه الكفاية، يمكننا إعادة ربطها قبل فوات الأوان نأمل ذلك".
هز جوليوس رأسه.
"لا تقلق بشأن هذا"، مطمئناً الرجل وسرعان ما استخدم مهارة شفائه، تاركاً سحر الشفاء يسري عبر أطرافه، وفي دفقة من النيران الحمراء، تجددت أطرافه قريباً خلال ثوان معدودة.
مع ذلك، وبدلاً من الإعجاب أو الدهشة، نظر إليه القزم بما بدا أول تعبير صاحٍ يراه جوليوس منه حتى الآن.
"ما أنت؟"
قلب جوليوس عينيه.
"فظ".
"أهل أنت وحش متطور؟ نوع من المتصيدين المستنيرين؟"
سأل طارحاً يديه في الهواء: "يا للهول السماوات، أشفائي لنفسي مخيف إلى هذه الدرجة؟"
قال القزم مقطباً أنفه باشمئزاز: "لم أرَ سوى وحوش أو مسوخ تشفى هكذا".
قال جوليوس مبتسماً: "شكراً لك!"
قد يبدو الأمر إهانة للبعض، لكنه اعتبره نوعاً من الإطراء. فقد كان يحاول تقليد طائر الفينيق، واسم مهارته كان [تجسد الفينيق] بعد كل شيء.
"أنت شخص غريب".
رغم أن جوليوس لاحظ أنه لم يعد يبدو مقززاً. بل كان ينظر إليه بتعبير أكثر فضولاً عوضاً عن ذلك.
"لكنك ما زلت ستعلمني، أليس كذلك؟"
تمتم القزم: "بالتأكيد، سأعلمك. أنا قلق بشأن ما ستفعله بنفسك إن لم أعلّمك".
"رائع! ما اسمك بالمناسبة؟ اسمي جوليوس"، قال محتنياً انحناءة طفيفة.
أجاب الرجل على مضض: "إنه توريك".
سأل جوليوس بابتسامة متلهفة: "حسناً يا توريك، بماذا تريد أن نبدأ أولاً؟"
قال توريك بعبوس: "أول أمر ستشرع فيه هو تنظيف ذلك الدم هناك قبل أن يلطخ الخشب".
تطلع جوليوس حول المتجر المحطم لكنه لم يأتِ على ذكر شيء. لم ير ضرورة في تلك اللحظة لمقارنة الدم بحالة الأرضية الملطخة والكريهة أصلاً. بل التزم الصمت وانحنى لتنظيف فوضاه. لقد وجد شخصاً يعلمه أخيراً، ولم يكن ليخرب الأمر.