منظور كايلر. كان عبقريّاً. والجميع يتفقون على ذلك. ظل الأمر كذلك منذ ولادته ببنية الرعد المتضاعفة. تكوينه الخاصّ، مع موهبته ومهارته، جعلاه قويّاً للغاية. لم يكن يعتقد أن هناك من يستطيع منافسته في القوة الخالصة وحجم الضرر. البرق ميلٌ قويّ بطبعه، وحين استطاع توظيفه بهذا القدر، صنع مزيجاً خطيراً. بلغت موهبته حدّ أن طائفة السماوات الرعدية بذلت جهداً خاصّاً لتجنيده وهو في الثانية عشرة من عمره فقط.
لهذا آمن بأن اختبار الإرث سيكون سهلاً عليه. خصوصاً مع وجود أناليا ومايلز إلى جانبه. ينبغي أن يكون الثلاثة أكثر من كافيين لتجاوز اختبارات الطابق. ما أزعجه حقّاً هو اضطراره إلى الانتظار طويلاً للدخول. لولا تأخرهم في الطريق، لكانوا قد أنهوه وعادوا إلى الطائفة بالفعل. لكن الأوامر أوامر، وسيبذل قصارى جهده لإتمام هذا الاختبار. راوده ميل لتطهير هذه الطوابق بمفرده، لكن الطائفة تلقت معلومات أجبرته أساساً على العمل مع الآخرين.
مع ذلك، لم يستطيعوا تقديم الكثير من التفاصيل. فوِعاء الأوبسيديان يملك وسيلة لمنع المشاركين عما بداخلها. رغم بقاء طرق لجمع المعلومات من دونه. بدا أن الاختبار يصبح أسهل بكثير عند تشكيل مجموعات من ثلاثة أشخاص على الأقل. هذا على الأقل ما أشارت إليه بيانات المجموعات التي دخلت وخرجت بمكافآت مقبولة. وكان معروفاً أيضاً أن الوحوش جزء من الاختبارات. وإن لم يُعرف إلى أي مدى.
مع ذلك، شعر كايلر بالحماس لمدّ ساقيه على الأقل. فقد أمضى النصف الأخير من العام منسحقاً بالملل داخل الطائفة، حبيساً لتمرينات التأمل للمساعدة في تنمية والتحكم ببذرة سلطته. كان شراً لا بد منه قبله بصعوبة. لكن مع أمر مثلي هذا، لم يطق صبراً لاختبار نفسه. كان سيّد الأوبسيديان شخصيّة غامضة. حتى بعد موت الرجل، حضر كثيرون من مختلف الطوائف للتحقيق فيما قد يكون تركه خلفه. لكن حقيقة موت الرجل كانت دامغة أيضاً.
وهو ما جعل كايلر يعتقد أن الرجل لم يكن عظيماً إلى ذلك الحد. مع ذلك، كانت رؤية كاسيدي مفاجأة مزعجة بعض الشيء. صحيح أنها قد تكون موهوبة بطريقتها، لكنها شخصيّة سيئة للغاية، فاسدة حتى النخاع. ولم يساعد الأمر في شيء أنها تنتمي إلى جناح السحاب المنساب. زعمت أن وجودها هنا محض مصدافة، لكن بمعرفة كيف تعمل هي وطائفتها، كان احتمال تدخّل الجناح لتعطيل طائفة السماوات الرعدية قائماً.
فمن المعروف جيداً أنهم يستهدفونهم طوال السنوات القليلة الماضية. مع ذلك، لم يتوقع أن يبدأ صعوبة هذا العالم بهذه الشدة. وما إن وطئت رجلاه الفضاء حتى شُلّ تماماً. وبفضل أداة خاصة وعدد من المهارات استطاع تحرير نفسه بما يكفي لرفع درع دفاعي حوله. ورغم ذلك، كان يعاني. بدا أن هذا الاختبار الأول اختبار صمود وإرادة. وتطلب الأمر كل ما يملكه ليدفع نفسه للأمام فحسب. حتى أناليا، ذات الإرادة القوية، كانت تعاني الأمرين.
كانت تجر نفسها وصدرها يعلو ويهبط. بدا مايلز بحال أفضل قليلاً. كان يتعثر، لكنه كان يمشي بشكل طبيعي نوعاً ما. والدوه الأزرق الخافت حول جسده دلّ على امتلاكه نوعاً من المهارة ساعدته في هذا الموقف. جرّب مهاراته الكثيرة المتاحة، لكن أياً منها لم يؤثر على الضغط المطبق عليه. ولم يرغب في التخلف عن الركب، فحشد كايلر المزيد من القوة ليدفع نفسه ويقشعر بجانب مايلز. ولم تكن أناليا بعيدة؛
فقد زحفت نحوهما واستخدمتهما بلا خجل لترفع جسدها.
قالت بجهد: "هذا مقرف".
تمتم كايلر وهو يرفعها حين انزلقت: "يبدو أننا أول من تكيّف على الأقل".
تذمر مايلز: "لستنا كذلك. أحدهم دخل البوابة بالفعل".
"ماذا؟ من؟"
استطاع مايلز أن يقول بإجهاد: "الرجل الذي كان ينتظر قرب المدخل بجانب الحراس. هو من كان يأكل الفطيرة معهم".
فطيرة؟ سأل كايلر نفسه بتشوش. ما علاقة الفطيرة بأي شيء؟
تمتمت أناليا: "لم أره".
وكايلر كذلك. لكن زحام المحيطين كان يمنعه من تفقد الجميع.
"تقول إنه دخل البوابة هناك بالفعل؟"
أومأ مايلز وتذمر حين زلّت قدماه من تحته وكاد ينبطح أرضاً: "نعم، أظنني رأيته يتجه نحو البوابة قبل قليل".
سألت أناليا بصوت متألم: "يمشي؟"
"نعم".
سأل كايلر وهو يئن: "كيف بحق الجحيم كان يمشي في هذا؟"
كان لصوق وجهه بالأرض كافياً بالفعل. أما المشي؟ فهذا جنون. لقد رأى بالفعل عدداً من الأشخاص ينسحبون. لا بد أنهم استسلموا بسبب الألم، مجموعة جبناء.
قال مايلز بضيق: "اسمعا، أيمكننا الحديث عن هذا لاحقاً؟ فلنتوجه إلى البوابة ونأمل أن ينتهي هذا الهراء فور اجتيازها".
لم يبدُ على كايلر ولا أناليا أي اهتمام بجدل هذه الفكرة، وحبا الثلاثة ببطء نحو البوابة. بدا الأمر كأن استغرق عشر سنوات، لكنهم بلغوها في النهاية، وبنظرة أخير إلى المئات من الأجساد الزاحفة خلفهم، تم امتصاصهم بعيداً. وتمنى لو يستطيع القول إن الأمور تحسنت من هناك. لكنها لم تحسَن. الشيء الوحيد الجيد هو بقاؤهم معاً، لكن الاختبار التالي كان أخطُر من سابقه. كانت التماثيل التي واجهوها منيعة تماماً ضد المانا.
لم تشبه أي شيء خبروه من قبل. ولم تكن مهارات تعطيل بسيطة. فالمادة المصنوعة منها جعلت إحداث خدش بدروعها أمراً عسيراً للغاية. وحدها الهجمات الجسديّة الخالصة أحدثت تأثيراً في هذه التماثيل. وبالنسبة لأصحاب ميل البرق، كانت هذه مشكلة. صار كايلر وأناليا عديمي الفائدة لأن معظم قدراتهما تعتمد على التحكم بالمانا لا القوة الجسديّة. وعانى كايلر تحديداً في إحداث أي ضرر. وحتى بعد نصف ساعة من القتال المتواصل، أطاحوا بأقل من عشرة تماثيل.
بالكاد أثر فيها برقه؛ واقتصر دوره على عرقلتها بينما كانت أناليا تجري محاولة تحطيمها بمطرقة شبه مكسورة خبأتها في خاتم تخزينها. ولم يكن مايلز أفضل حالاً بكثير، لكنه أطاح ببعضها بمفرده على الأقل. لحسن الحظّ أنها كانت بطيئة. وإلا لاضطروا إلى الاستسلام قبل بلوغ الطابق الثالث. كره الاعتراف بالأمر، لكن بلا مساعدتهم لربما تورط حقاً. بذل وسعه لئلا يجرح غروره، لكن الفعل أسهل من القول.
وكان من حسن طالعهم أيضاً عدم اشتراط هزيمة جميع التماثيل فعليّاً. وبعد ساعة، رأى الجميع وميض ضوء أعمى، وبينما كانوا يهربون من مجموعة التماثيل البطيئة، لاحظوا أنه يشبه بوابة. ولم يترددوا في القفز داخل هذه البوابة معاً. أي شيء أهون من التعامل مع تلك التماثيل المقاومة للمانا لدقيقة أخرى. ظهروا جميعاً معاً في غرفة مظلمة واستقبلهم إشعار آخر.
سألتهم أناليا: "أم, لا أود حقاً أن أكون أول من يقول هذا, لكن أمتأكدون من رغبتنا في الاستمرار؟"
علت وجهها ملامح تعب انعكست على وجوه البقية. في العادة كان كايلر ليوبخها على جبنها، لكنه كان متعباً أكثر من اللزوم. نفدت مانا حتى فاقت راحته، وبدا تحمله في وضع سيء مماثل.
أعلن مايلز: "أظنني أعرف سبب عجز أي شخص عن اجتياز اختبار الإرث هذا".
قال كايلر وهو يهز رأسه: "لا يمكننا الاستسلام".
تلقت ثقتهم ضربة بالتأكيد، لكن ما بدا واضحاً له كعين الشمس هو أن الانسحاب الآن قرار خاطئ. تردد الاثنان لحظة، لكنهما ما إن رأيا النظرة العنيدة على وجهه حتى قهقهرا معاً.
هزت أناليا رأسها وهي تنهض لتستعد للطابق التالي قائلة: "حسناً، لكن إن متنا، فأنا ألومك".
* * *
منظور يوليوس. رفض خيار المغادرة بوضوح، وحين وصل إلى الطابق الثالث، استقبلته الغرفة ذاتها. فقط ليقابله هذه المرة مرأى التماثيل فوراً. لم تكن هناك صخور، بل كانت التماثيل تحدق به. اهتم بالأمر كثيراً، لكن عوض إهدار المزيد من الوقت، كان يتحرك بالفعل. التفّت طاقة حركية حوله كشرنقة، واصطدمت قبضته بأقرب تمثال بضجة هائلة. لكنه وسع عينيه حين لم يتحطم المخلوق. بل كانت قبضته هي ما انكسر أولاً، رغم حمايتها بحقل طاقته الحركية.
شعر بالعظام تنكسر ولحم يغدو كتلة ممزقة. ذهل لدرجة أن تمثالاً آخر سدد له لكمة في ظهره. طار جسده، وصفعه تمثال آخر في منتصف الهواء. أئنّ حين شعر بشيء آخر ينكسر. وكان تمثال ثالث في منتصف مهاجمته حين تعافى أخيراً، ونجح في استخدام [خطوة الفراغ] للابتعاد. حين ظهر مجدداً، كان في مسافة آمنة. هز رأسه وعالج الإصابة. ما اللعين المختلف في هذه التماثيل؟ لماذا بلغت هذه الصلابة؟ لم تكن هشة من قبل.
لكن التماثيل بدت الآن أصلب بأضعاف. وأحس أيضاً بشيء مختلف في مظهرها. فقد اختفى الطلاء الأسود اللامع، وحلّ محله سطح مطفيّ قليلاً. أكانت هذه تلميحاً؟ لم يعلم، ومن غريزة غلبت التفكير، قذف رمحاً نحو التمثال المطارد له من فوق ظهره. توقع أن يذوب الرمح إلى مانا غير ضارة، لكن لمفاجأته لم يحدث ذلك. اصطدم الرمح بالتمثال، تاركاً حفرة صغيرة على صدره. حدق في يده ثم إلى التمثال. ما الذي يجري؟
توشح بالتشوش، لكنه أرسل رمحاً آخر يحلق صوب التمثال مجدداً. حمل الرمح هذه المرة مانا أكثر قليلاً من ذي قبل. وتشبع أيضاً بعدة طبقات من مفاهيمه وسلطته. صنعت هذه الإضافات فرقاً. اخترق الرمح صدر التمثال كأنه مصنوع من ورق مبلل. ظل يشعر بشيء يقاوم ماناته، لكنه كان ضئيلاً للغاية مقارنة بالسابق لدرجة بدت كلاشيء. وقتها فحسب بدأ يدرك غاية هذه الطوابق. كان الأمر برمته اختباراً ملعوناً.
أولاً، اختبار إرادة وصمود. وثانياً، اختبار لإثبات قدرة المرء على قهر الأعداء دون الاعتماد على المانا. والآن اختبار تقاوم أعداؤه الضرر الجسدي، لكنها عرضة للمانا. فكرة بسيطة، لكن نظراً لمدى إتقان صنع هذه التماثيل، ظلت خطيرة لمن عجز عن فهم غاية الاختبار. مع ذلك، وبما أنه عرف ما يفعله، لم يكبح نفسه وجمع الكثير من المانا. وظهر تاجه أيضاً، يومض ببريق وكأنه يتوسل حقاً كي يوليوس ليستخدم نيرانه المدمرة.
ولم يكن لينكر عليه ذلك، وسرعان ما صار لديه نحو عشرين رمحاً فوق كتفه. كل منها يزيز من الحرارة الهائلة في جوفها. رمى بنفسه في الهواء ليظفر بزاوية أفضل ثم أطلق الرواحح تنفجر نحو التماثيل. دلّ ارتداده للخلف إثر الانفجار على مدى القوة التي بلغها. حرقت الحرارة وجهه، وشقت موجة صادمة أرجاء الغرفة. هجوم مدمّر محا الكثير من التماثيل. حين استقر الغبار، عاين الخراب الذي تسبّب به.
أليس هذا أسهل بقليل من اللزوم؟ فكر في نفسه وهو يتفحص حفرة التماثيل المحطمة.