تبين أن إنفاق الكثير من المال يجعل الشابة ودودة للغاية نحوه. بقي الشاب حذراً، لكنه صار أكثر تهذيباً بدرجة ملحوظة. اختار جوليوس في النهاية خاتماً بالغ البساطة وباهظ الثمن. كان غالباً أغلى الخواتم جميعاً، لكنه أزهى من أن يُفرط فيه. فخاتم التخزين كان أحد الأمور القليلة التي يستعملها دائماً على أي حال. صحيح أنه يملك حيزه البعدي، لكن كانت هناك حدود واضحة لسعته. كان الحيز صغيراً جداً في الوقت الحالي، وأراد خيارات تخزين إضافية إلى أن يجد سبلاً أخرى لتوسيعه.
أخبرته كاساندرا أن تحسين روحه هو السبيل المضمون الوحيد. ومن الواضح أنه سيتطور طردياً مع تقدمه ووصوله المرتقب إلى المستوى الخامس. وهناك عديد من الكنوز الخاصة التي قد يحصل عليها في المستقبل لتزيد مساحته أيضاً. لكنه أراد مكاناً آخر يضع فيه أغراضه في الوقت الراهن. وبدا الأمر مريباً للغاية إن لم يمتلك خاتم تخزين. فهو ليس تاجراً أو شخصاً يملك مهارة مخزون، لذا سيساعده خاتم التخزين على إخفاء تخزينه البعدي.
وبذكر الخاتم، فقد كان شريطاً فضياً بسيطاً. وتوسطته جوهرة سوداء فريدة. وتوزعت كمية مذهلة من النقوش على الطبقة الداخلية حيث يلتقي جلده والخاتم. ولم يكن يعلم حتى بوجود إمكانية لصنع مثل هذه النقوش الدقيقة دون أن تتداخل فيما بينها. لابد وأنها نوع من المهارات التي يتعلمها الصناع أو ما شابه. توجد كل تلك التعاويذ التي تحدثوا عنها من قبل، وعلاوة عليها، تمتع هذا الخاتم بتأثير نقل عن بعد.
لذا طالما بقي الخاتم على مسافة أميال قليلة، فسيكون قادراً على استرجاعه متى شاء. دفع المال ثمناً له، ولم يتمكن من ربطه بهالته ودمه إلا بعد ذلك. نظر إثر ذلك إلى الأشياء الأخرى المنتشرة في المتجر.
سألته المرأة التي عرف أن اسمها ماريل: "أتبحث عن شيء محدد؟".
صارت أكثر دفئاً وترحيباً بعد أن سلّمها ذلك المبلغ الطائل. وظنت على الأرجح أنه طفل لأبوين ثريين وبإمكانها انتزاع المزيد من المال منه. لم تكن مخطئة تماماً، لكن عوضاً عن الأبوين الثريين، امتلك صديقة ثرية منحته من المال ما لا يعرف كيف يتصرف به.
سأل جوليوس مشيراً إلى غرض صغير على شكل هرم مسدس الأضلاع يستقر داخل أحد العواض: "ما هذا؟".
كان شفافاً لكنه حمل مسحة برتقالية خفيفة عند القمة تماماً.
"هذا غرض خاص صنعه زوجي، ويكسلي. هدفه الأساسي هو العمل حاجزاً محمولاً، لكنه أكثر فاعلية بكثير من معظم الحواجز المحولة. يجب أن يكون قادراً على صد جميع هجمات المستوى الخامس تقريباً طالما زُوِّد بطاقة كافية. وعلاوة على هذا، يمتلك عدة وظائف أخرى، تشمل مصفوفة تبديد تحجب أي بصمات مانا في الداخل، فضلاً عن أي هالات قد تكشف موقع المرء. ومصفوفة صوت أساسية تتيح لك سماع الأصوات، بينما يمنع أي صوت من داخل الحاجز من التسرب".
سأل جوليوس: "إذن سيكون ممتازاً لحماية معسكر في الليل؟".
أومأت برأسها.
"تلك هي غايته الرئيسية نوعاً ما، لكن يمكن استعماله بطرق شتى. كما يتميز بحجم قابل للضبط، وهو ما يزيد أو يقلل مانا الوقود المطلوبة وفقاً لحاجتك".
أومأ جوليوس مبتسماً.
"إذن بكم؟".
تجهمت متألمة.
"هذا النوع من الأغراض فريد ونادر نوعاً ما. لذا فسعره ليس بالذهب القياسي، بل يتطلب شكلاً من أشكال المقايضة".
"مقايضة ماذا؟".
"مواد نادرة بالقدر نفسه، أو كنوزاً، أو نوى وحوش قوية".
راودت جوليوس رغبة في إخراج كل هذه المواد ليرى إن كانت جيدة بالقدر الكافي، لكنه أدرك أن ذلك سيبدو غريبًا لا محالة. فهو مجرد صاحب مستوى رابع، وقد يبدو إحضار مجموعة من نوى المستوى الخامس أمراً مريباً. بوسعه التصرف كفتى ثري يحوز أكواماً من الذهب من أمه وأبيه، لكن عدة نوى للمستوى الخامس تنبض بالفساد قد تجذب الانتباه أكثر من اللازم. عوضاً عن ذلك، تنفس الصعداء، حزيناً بعض الشيء لأنه لن يتمكن على الأرجح من الحصول على شيء كهذا.
وليس كأنه بحاجة ماسة إليه في الواقع.
سأل عوضاً عن ذلك: "ماذا عن الحمامات ومطبخ محمول؟".
أشرق وجهه فرحاً لدى سماع ذلك وأشارت إليه ليتبعها.
"تعال إلى هنا، لدي الغرض المناسب تماماً في ذهني".
غادر أخيراً وقد خفت كيس نقطه كثيراً. لحسن الحظ، منحته ليلي مالاً أكثر من اللازم، ومع المبلغ الإضافي الذي ناله من صانع المستوى الخامس ذاك سابقاً، صار ثرياً للغاية، لذا لم يكن الأمر سيئاً للغاية. كما حرص على التزود بمزيد من الطعام. كان ذلك في غاية الأهمية. وحين حل يوم المحاق أخيرأً، ظن أنه مستعد بصورة لائقة واتجه نحو القبو بابتسامة متلهفة. استقبله باب صغير مخيب للآمال عند وصوله.
والسبب الوحيد لثقته في أن هذا هو المدخل هو أن الباب بدا مصنوعاً من حجر السج وينضح بهالة خطيرة. وكانت الحشود الغفيرة علامة جيدة أخرى على وجوده في المكان الصحيح. كان معظم المحيطين شباناً في المستوى الرابع من القوة، لكن وُجدت بضع رؤوس عجوز في المستوى الخامس.
ومع أنه قال "عجوز"، إلا أن معظمهم لم يبدوا أكبر من ثلاثين عاماً.
لم يبدُ هؤلاء الكبار هنا لدخول القبو، مع ذلك. اشتبه، استناداً إلى أرديتهم، في أن هؤلاء الأشخاص ممثلون عن شتّى الطوائف والعشائر لمراقبة العملية أو الإشراف عليها. خفض جوليوس رأسه في المقابل ورفع قلنسوته فوق وجهه. فقد اقتبس حيلة من كتاب حركات دراسيل وغطى نفسه بعباءة. نجحت الحيلة بصورة مذهلة. تمكن من شق طريقه طوال المسافة نحو الأمام حتى التقى بمجموعة حراس لم يبدُ عليهم الانتماء إلى أي من الطوائف الأخرى.
بل حملوا على صدورهم رمز مرجل ذهبي. طائفة المرجل الذهبي. علم أنهم حكام غولدمير، لكنها المرة الأولى التي يرى فيها أياًّ من أعضائهم. وفي الحقيقة، أُعجب كثيراً بما رأى. بدا كل حراس هؤلاء أکفاء. فحسب طريقة وقوفهم الواثقة يلوح أنهم ماهرون جداً. وكانت هالاتهم علامة أخرى. فقد ضُبطت جيداً، لكنهم أطلقوا منها ما يكفي لردع أي شخص قد يرغب في إثارة المتاعب. حدق الحارس في المقدمة بكل من اقترب.
وبدا وجهه صارماً، مع ندبة حرق سميكة تعلو وجنته. جعلته هذه السمات، إلى جانب قامته الفارعة، شخصاً مهيباً لمن ينظر إليه. مع ذلك، ظل جوليوس صامداً ومشى نحو الرجل.
سأل بصوت خفيض بينما أبقى رأسه منخفضاً: "أهناك طابور يلزم علي التسجيل فيه؟".
حدق الحارس في جوليوس طوال ثوانٍ طويلة ومحرجة.
سأل الحارس أخيراً: "أتملك شارة دخول؟".
أومأ جوليوس برأسه وناولها إياه بسرعة. تفقد الحارس الشارة سريعاً ومسحها بغرض أخرجه من حيز تخزينه قبل أن يعيدها إلى جوليوس.
"سيفتح القبو خلال ساعة. لك الحرية في الانتظار هنا أو العودة إلى مجموعتك والانتظار هناك".
التفت جوليوس ليحملق في المجموعات الصاخبة ولاحظ نقاشات ومناوشات صغيرة تندلع بالفعل.
"سأبقى هنا إن لم تمانع".
أومأ الحارس ببساطة وتجاهل جوليوس، عائداً لمراقبة كل من حوله. أما جوليوس، فجلس فوق صخرة قريبة من المدخل، وأخرج علبة طعامه وبعض وجبات خفيفة ابتاعها في اليوم السابق. حالفه الحظ اليوم، وضمت علبة طعامه فطائر لحم عديدة. كانت ساخنة لدرجة تصاعد الدخان، وتطاير عبير قشرتها الزبدية في الأجواء. التقط واحدة وقضم منها قضمة. وأطلق أنيناً متفاجئاً حين لامس الطعم لسانه. بدا اللحم طرياً بشكل لا يصدق.
وأضفت القشرة المقرمشة قليلاً طبقة أخرى من القوام. غلبت عليها الدسامة والدفء، مما جعله يرتجف طرباً. بدا اللحم نوعاً من الدواجن. ومع ذلك، يصعب دائماً معرفة نوع اللحم الذي تستخدمه علبة الطعام. ثم غلفت المرقة الثميفة فمه. وتمازجت نكهة اللحم المذاقية والحلاوة الطفيفة ببراعة مع اللحم والقشرة. وهناك نكهة ترابية خفيفة في الخلفية، تذكره بالفطر الأسود. حدق في فطيرة اللحم بنظرة ملؤها العشق.
كان الطعام داخل علبة طعامه لذيذاً على الدوام، مهما يكن نوعه، لكن هذه حتماً إحدى أفضل الوجبات التي وفرتها قط. مع ذلك، لابد وأن العبير تسلل نحو الحراس، لأن جوليوس شعر بنظراتهم تنزاح قليلاً نحوه. ويقسم أنه رأى أحدهم يمسح بعض اللعاب من زاوية فمه. نظر إلى علبة الطعام ولاحظ وجود ثلاث فطائر لحم أخرى بداخلها. تكفي تماماً ليحصل كل حارس على واحدة. أكانت صدفة؟ لقد علم مسبقاً أن علبة الطعام تقدم طعاماً يعتمد على ظروفه.
فمثلاً، إذا احتاج إلى شيء دافئ أو مريح، غالباً ما يحصل على حساء. لكن إن احتاج شيئاً سريعاً، يحصل على شطائر. أكانت تحاول إخباره بشيء؟ تجهم ناظراً إلى فطائر اللحم مجدداً. والشيء الوحيد الذي منعه من عرضها فوراً هو كم كانت فطيرة اللحم لذيذة. لقد أراد الاحتفاظ بها لنفسه ليتمتع بها لاحقاً بطريقة ما. لكنه كان رقيق القلب، وبتنهيدة ثقيلة، وقف واتجه نحو الحراس، وفطائر اللحم في يده.
حاولا التظاهر بأنهما لا ينتبهان، لكنه استطاع استشعار حواسهما وهي تحوم فوق الفطائر.
سألهم: "أترغبون في واحدة يا شباب؟".
نظر الحارسان الآخران إلى الشخص الذي بدا رئيسهما. وبدت تعبيرات الرجاء الطفيف على وجهيهما. ومع ذلك، أسرته رائحة رئيس الحراس كذلك، ومع أنه أخفى حماسته، إلا أنه أومأ لرجاله.
"نعم، لكن بسرعة، أفهِمتم؟".
أدى الحارسان الآخران التحية العسكرية وخطف كل منهما فطيرة لحم من جوليوس بسرعة. وانحنى الاثنان له بعمق حتى كادت أنوفهما تلامس الأرض. أنّا بصوت خفيض اللحظة التي قضما فيها الفطيرة.
سمع أصغرهم يهتف بينما يمسح الفتات عن شفتيه: "يا للهول!".
تمتع قائدهم بقدر أكبر من ضبط النفس، لكنه التقط فطيرة خاصة به على أي حال، وظهرت ومضة صغيرة ومتحمسة في عينيه. وحين قضم قضمة، أطلق أنيناً خافتاً.
"تباً".
قال أحد الحراس بحماسة: "أعلم، أليس كذلك؟ إنها لذيذة للغاية".
كان الطعام حقاً السلاح السري للبشرية، ومجرد الفطائر جعلت الأربعة يبدون كأنهم صاروا أصدقاء مقربين فجأة، بينما جلسا معاً يستمتعان بفطيرتي كل منهما.