راودت جوليوس شكوك حيال أمر واحد. أعليه محاولة إخبار كايتو بما جرى؟ أم عليه محاولة الاختفاء؟ من جهة، لم يكن خائفاً من سيليستينا أو عائلتها. لكن تفادي هذا النوع من الدراما يبدو خياراً محبباً. أوه، صحيح، على ذكر ذلك. لقد تذكر سبب وقع اسم عائلتها المألوف في أذنه. يعود الأمر إلى دراسته مع إحدى بنات آل كرومويل. كانت هيلين كرومويل إحدى طالبات دفعته الأكثر تميزاً. وربما أكثرهن تميزاً، مع صعوبة الجزم بذلك نظراً لعدم نيله شرف معاينة قدراتها الحقيقية.
علم أن بقية طلاب دفعته يؤمنون بكونها الأقوى في صفهم، لكنه جهل الحقيقة. احتمل الأمر وجود متخفين بقوتهم مثله. مع ذلك، آمن بولوش جوشوا بكونها الأقوى أيضاً. ذكرا موهبتها في مناسبات عدة مؤكدين تصدرها للمدرسة خلال عام أو عامين دون شك. من جهة أخرى، فاجأه قليلاً تورط عائلتها مع الحلف. بدت ذكرياته الضئيلة عن هيلين إيجابية حقاً. ظهرت بمظهر المجتهدة وصاحبة الجدية. رغم احتمالية براءتها الكاملة من كل هذا وشغلها بما يخصها وحدها.
واحتمل عدم اهتمام فرع عائلتها بالعمل مع الحلف، على غرار عائلة سيلين. قرر في النهاية عدم التسلل إلى عشيرة يوشو في الوقت الحالي. رفض الكشف عن نفسه الآن مفضلاً التوجه إلى القبو الأسود على أي حال. وأمل أيضاً في تسبب استخدام التصريح الممنوح له من كايتو بإدراك الرجل أن جوليوس على قيد الحياة. لم يظن بمعرفة أحد بهذا التصريح سوى كايتو. أو هكذا لمح باحتفاظه بالسيطرة الكاملة على أمر مماثل دون إخباره لأي من أعضاء العشيرة الآخرين.
ومع شدة رغبته في لكم سيليستينا بوجهها جراء زرعها لتلك القطعة في صدره، ربما عليه إرجاء الأمر لوقت أتم. أما سيلين، فقد تواصلت مسبقاً مع عمها وأخبرته بما جرى. وتمكنت من الكلام لانتفاء تهديد القتل المحدق. وصل عمها بالفعل بحسب قولها. وفي المقابل، لم يتبحر جوليوس في رغبته بالبقاء. وبناءً على ما لمحته، بدا عمها مهم وملتحقاً بقطفة الصفصاف الأخضر. ربما يتحدث إلى الرجل فور استكشافه للقبو.
لكنه أراد في الراهن إبقاء مسافة آمنة عن صراعات القطفات. ورغم ذلك، قد يتوجب عليه مخاطبة عمها على أي حال إن أراد الاستفسار عن تيزوكو صهباء وأمور أخرى تخص الدليل الذي ناله. استغرق الأمر بعض الوقت، لكنه نجح أخيراً في الإفلات من سيلين قبل وصول عمها. اقتصر طلبها الوحيد على إبدائه وعداً بالعودة في مستقبل الأيام، والتلويح لها عند تلاقيهما في القبو. رغم جهلها باحتمالية سماح عمها لها بالذهاب بعد اتضاح ما جرى.
يُفتترض افتتاح القبو خلال أيام معدودة تزامناً مع المحاق، مما يمنحه متسعاً من الوقت لاستكشاف المزيد من المدينة. حزن قليلاً لفقدان خاتم التخزين، لكنه لم يقلق كثيراً. أولاً، يصعب للغاية فتحه قهراً بجهدها الفردي. ثانياً، احتفظ بكافة الأشياء ذات القيمة داخل فضائه الببعادي. لن تضره بضع قطع ذهبية وبعض الكنوز العشوائية كثيراً. مع احتمالية اضطراره للتسوق لتعويض نفاذ بعض هذه الأغراض.
على سبيل المثال، خزن مطبخه المحمول داخل الخاتم إضافة إلى الحمام. ورغب في إيجاد بدائل لتلك الأشياء. وقد يحتاج إلى اقتناء خاتم تخزين جديد أيضاً. بل يبدو الأمر أكثر إثارة للريبة إن لاحظ الناس خلوه التام من أي جهاز تخزين. امتلك الجميع تقريباً جهازا مثبتا في مكان ما بأجسادهم. وغالباً على هيئة خاتم. لذا قضى اليومين التاليين متجولاً في أنحاء المدينة لاستطلاع معالمها. وحرص أيضاً على ارتياد أكبر قدر ممكن من المطاعم أو أكشاك الطعام.
كان الطعام هنا في غولدمير رائعاً. وناهز مستوى هيستون، مع تنوع جميل حقاً. لكنه لم يملك الشجاعة لتجربة بعض الأصناف المخيفة. إذ لم يتقبل فكرة أيلولة تناول حشرات مسخية بحجم كلب كبير إلى معدته. واغتنم هذا الوقت أيضاً لتخزين كل ما استطابه. لم يتبق سوى يومين على افتتاح القبو، وأثناء جولاته الاستكشافية، عثر على متجر مثير للاهتمام قد يظفر فيه ببعض مطالبه. لم يماثل المتاجر التقليدية بأي شكل.
وبدا مهملاً بعض الشيء في الواقع، لكن هذا لم يمنعه من تثمين بعض المعروضات في واجهة العرض. أدرك بعينيه الهاويتين جودة صنع المنتجات واتقان سحرها على حد سواء. وحال الزجاج الواقي دون تمعنه الأفضل بحواسه الأثيرية، لكنه استشعَر شعوراً طيباً تجاه هذا المتجر. تقدم نحو المنضدة وقرع الجرس. وبعد هنيهة، أبصر شاباً يخرج من مؤخرة المتجر ممسكاً بقضيب معدني ذهبي براق. اكتسى وجهه بالسخام والشحم، لكن يداه كانتا نقيتين بشكل غريب.
نظيفتان تماماً. عابث الش شاب القضيب بيد، وضغط بيده الأخرى على نظارته المرتكزة على أنفه، محدقاً في جوليوس بنظرة يشوبها ضيق طفيف.
سأل بابتسامة هي الأكثر اصطناعاً مما رآه جوليوس منذ مدة: "نعم؟ أيمكنني مساعدتك؟"
لكن جوليوس لم يتراجع وأجاب بابتسامة: "كنت أمل في شراء خاتم تخزين جديد. أتصادف وبيعها هنا؟"
بدا الرجل غير مكترث ومستاء تماماً: "خاتم تخزين، أتقول ذلك؟"
"حسناً."
"أتيت متجري لابتياع خاتم تخزين؟"
انبعث الشك منه بوضوح.
"لماذا؟ أيمثل ذلك أمراً سيئاً؟"
عقد صاحب المتجر الشاب حاجبيه قائلاً: "لماذا لا تذهب إلى أي من المتاجر الأخرى التي مررت بها في طريقك إلى هنا؟ يبيع كل واحد منها خواتم التخزين."
قطب جوليوس أنفه وهز كتفيه: "كانت المتاجر الأخرى مزدحمة للغاية، وبدت جودة بضائعكم جيدة جداً."
لوح الرجل مستبعداً إياه: "انظر، لا أعرف من أرسلك، لكني لست مهتماً بما تبيعه، لذا تفضل بالرحيل."
فتح جوليوس فمه ثم أغلقه، شائراً بحيرة بالغة.
وتلاشى صوته تدريجياً: "أنا لا أبيع شيئاً. أنا من يفترض به الشراء..."
راوده شعور بوجود سوء فهم في مكان ما. ولحسن الحظ، أبصر شخصاً آخر يخرج من الخلف. كانت شابة في نفس عمر الرجل تقريباً. شدت شعرها إلى الخلف على هيئة ذيل حصان وارتسمت على وجهها ملامح حازمة.
سألت: "ما الدائر هنا يا ويكسلي؟"
هز الرجل رأسه: "لا شيء يا عزيزتي. إنه مجرد واحد آخر من أولئك."
تفحّست جوليوس ناظرة إليه من أعلى لأسفل.
وألقت ملاحظة: "أمتأكد أنت؟ يبدو صغيراً جداً على مصاحبة أولئك القوم."
"لا أدري ما يجري، لكني لست مع أحد. أود شراء بعض الأغراض فحسب."
"يقول إنه يريد شراء خاتم تخزين."
أدار جوليوس عينيه بملل قائلاً: "إنه يريد ذلك بالفعل."
سألت المرأة بتعجب: "خاتم تخزين؟"
أدار الرجل عينيه مجيباً: "أليس كذلك؟ أمر مريب، أليس كذلك؟ كان يجدر به إيجاد عذر أفضل من هذا على الأقل."
مع ذلك، حدقت المرأة في الرجل الذي حسبه جوليوس زوجها ثم عادت ببصرها إلى جوليوس.
فسألته فجأة: "أي نوع من خواتم التخزين كنت تبتغي الحصول عليه؟"
"المعذرة؟"
"أعني، أي نوع من خواتم التخزين تبحث عنه؟ أتعير اهتماماً أكبر للأمان أم للمساحة؟ وإن أردت المساحة، فكم تبتغي منها؟ أتهتم بأمور أخرى، كسحر الحفظ؟ أم تبحث عن شيء يتيح لك إخراج الأغراض بسرعة ويسر أكبر؟ على سبيل المثال، يحمل العديد من المحاربين أسلحة داخل خواتم تمكنهم من سحب أسلحتهم فوراً من الخاتم. وهناك مسألة التكلفة أيضاً. ما هي ميزانيتك؟"
أمطرت المرأة جوليوس بأسئلة متتالية سريعة.
"انتظري يا عزيزتي، ألكل هذا التصديق—"
"اهدأ، لقد بالغت في ارتيابك مؤخراً. لقد أخفت ذلك الزوجين بالفعل. إنه مجرد طفل، وإن أراد خاتماً تخزينياً، فلا مانع يمنعنا من بيعه إياه."
حدقت بزوجها بغضب لثوانٍ عدة قبل أن تلتفت نحو جوليوس بملامح أكثر ودية.
واعتذرت له قائلة: "عذراً منه. نواجه مشكلات مع أطراف أخرى، وشكل ذلك إلهاءً وإزعاجاً كبيراً لنا."
هز جوليوس رأسه. مقارنة بهايدن، بدا ويكسلي شديد اللطف.
"لا تقلقي. أنا متفهم."
"شكراً لك، والآن ماذا يمكنني أن أقدم لك؟"
"ممم، أظن أنني أريد خاتماً يكفي لتخزين مساحة تعادل غرفة صغيرة. الأمان أمر مهم، لكن إن تعارض مع حجم المساحة أو التعاويذ الأخرى، فلن يكون أولوية كبرى. أما بالنسبة للتعاويذ، فأود سحر حفظ وسحر يتيح لي إخراج الأغراض بسرعة وبشكل منظم. بصراحة، أود الحصول على خاتم جيد حقاً،"
هكذا شرح الأمر.
حدقت به باهتمام أكبر: "خاتم بهذا الحجم سيكلفك مبلغاً باهظاً بمفرده. أمتأكد من رغبتك بشيء بهذا الكبر؟"
"كم السعر؟"
"يعتمد على الخاتم بالتحديد، لكن شيئاً كهذا سيكلفك مئات القطع الذهبية على الأقل. وهذا دون احتساب التعاويذ الإضافية."
أخفى تكشيرة ألم. وحتى مع إدراكه المشوه للمال، تيقن من فداحة الرقم. ولم يشعر بكذبها أيضاً. تساءل عما إذا كان ذلك الخاتم الذي سلبه من صاحب المستوى الخامس باهظ الثمن إلى هذا الحد حقاً. إن كان الأمر كذلك، فإن سماح إيميل له بالاحتفاظ به كان أكثر سخاءً مما ظن أولاً. امتلك الخاتم الذي ناله من صاحب المستوى الخامس الآخر الذي قضى عليه لتوّه، لكنه رغب في إبقاء ذلك ططي الكتمان الآن.
فضلاً عن رغبته في فتحه لاحقاً إن أمكن. قد يحوي داخله بعض خيوط اللغز حول الحلف.
فسأل: "أهناك سبل لمعاينة أي منها؟ أم تُصنع حسب الطلب؟"
أجابته: "الكثير من بضائعنا يُصنع حسب الطلب، لكننا نمتلك عدة خواتم جاهزة بالفعل،"
ومدت يدها لتلتقط صندوقاً من داخل الخزانة. وما أن فتحته حتى استقبله عشرة خواتم منتظمة داخل بطانة من المخمل الأحمر. وتألق كل منها كأنما صُقل حديثاً.
وأردفت وهي تخرج صندوقاً آخر: "هذه هي أنواعنا الأغلى ثمناً، لكني لا أنصحك بها. أنت في المستوى الرابع، لذا سيُعد شيء كهذا مبالغاً فيه. أقترح أحد هذه."
ولم يكن هذا الصندوق بجمال السابق، وبدت الخواتم أقل قيمة بوضوح من غيرها.
تحرك جوليوس لالتقاط أحد الخواتم ناظراً إليها: "أيمكني؟"
سأل.
"بالتأكيد، تفضل. لكن أحذرك، إن حاولت الفرار بها، فلن تتجاوز الرف الأول."
ضحك قائلاً: "فهمت."
لقد استشعر بالفعل عدد التعاويذ القوية لحظة ولوعه الداخل. لذا مال لتصديقها. أرسل بعض حواسه إلى داخل الخاتم وفوجئ بإمكانية الولوج إليه. رغم إدراكه لوجود نوع من السحر يحيل بينه وبين امتلاك الملكية. لا بد أن هذا شيء أضافه أصحاب المتاجر كإجراء أمان. كان الخاتم بين يديه أحد الأنواع الأرخص، ورغم علمه برخصه، إلا أنه أُصيب بخيبة أمل جراء الحجم الداخلي له. تعادل مساحته مساحة صندوق كبير أساساً.
كان جيداً، لكنه لم يبلغ ما يبحث عنه. وضعه جانباً والتقط أحد الأنواع الأغلى ثمناً. لاحظ توتر كلا صاحبي المتجر فور قيامه بذلك. لكنهما لم يمنعاه. وما إن أسكن حواسه داخل الخاتم حتى أُعجب بالحجم فوراً. ورغم عدم بلوغه مساحة غرفة صغيرة تماماً، إلا أنه فاق سابقه حجماً بمراحل. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل استشعر مناطق تنظيمية واضحة داخل المساحة تتصل بعقله. ابتسم بخفة وهو يدير الخاتم بين كفه.
وانتابه شعور بقرب إنفاقه لمبلغ طائل. لكن ما جدوى امتلاك المال إن لم يُنفق؟