ضمّ الصندوق قطع أجزاء بشرية بحالة ممتازة. بدت محفوظة بعناية، لكنه اشمأزّ من طبيعتها. وُضعت سيقان وأذرع بشرية فوق بقايا وحوش متفرقة؛ وما زاد الأمر مقتاً كون بعض تلك الأطراف بالغة الصّغر، وكأنها انتُزعت من أطفال. تملّكته حيرة واشمئزاز لم يختبرهما منذ أمد طويل، فاقترب من صندوق آخر. حُجب هذا الآخر عن حواسه أيضاً، فانتزعه فاتحاً إياه. لم تحوِ الصناديق القليلة التالية شيئاً غريباً.
امتأت بمعادن ومواد أخرى. بيد أنه ظلّ حائراً إزاء سبب وجود أجزاء الجسد والدم داخل صندوق. أكانت نوعاً من موارد التجارب؟ أم هواية شخصية لأحدهم؟ جهل الأمر وهمّ بإحراقها جميعاً بمبدأ عامّ، لكنه تدارك قَبْل الإقدام على ذلك، مدركاً أنه لن يبلغ غايتها إن أبادة كل شيء. لذا اكتفى بجمع عدد وافر منها وأودعها حيزه البعدي. أما ما عجز عن حمله، فأحرقَه. صحيح أنهم سلبوه خاتم التخزين، لكنهم غفلوا عن امتلاكه وسائل أخرى للتخزين المكاني.
أحزنَه قليلاً فقدان الخاتم؛ فقد أسدى خدمات جليلة، غير أن تحسّره على خسارة بعض الوجبات الخفيفة وأغراض عشوائية أخرى احتلّ حيّزاً أكبر في نفسه. واحتوى الخاتم أيضاً عدداً لا بأس به من الثياب. مع وجوب الامتنان لحفظ أغلب المقتنيات القيّمة داخل حيزه البعدي. الشكر لسلطان الفراغ على تلك الشظية. لم تبدُ ذات شأن، لكنها لربّما مثلت إحدى أثمن الجوائز التي حازها قط، إن لم يكن لمنفعتها البسيطة.
أحسّ باقتراب عدد كبير من الأشكال نحو المستودع. أكانوا يستجيبون لخديعة سيلين؟ مع ذلك، أدرك انتفاء مبرر البقاء. لم يحصل على الكثير، لكنه تمنّى أن تسعفه هذه الأشياء في إدراك دوافع سيلستينا للسيطرة على عشيرة يوشو. أحاطت بالمستودع حواجز عدّة، لكنها بدت معطلة أو ما شابه. رآها تومض طفيفاً. لربّما كان ذلك من صنع سيلين. لكن تحوطاً للأمور، عبر الحواجز مستخدماً خطوة الفراغ ونجا بأمان.
لم يستشعر حضور سيلستينا في طريقه للخارج أو في أي بقعة من المستودع. لربّما آلت إلى مخدعها لليلها، وهو ما يفسر شعور هايدن بالارتياح لزيارته مبكراً. غير أنه لم يعد إلى النزل. رغم روعة طبق مرقهم الشهي، لم يكن ذلك بالقرار الصائب. عوضاً عن ذلك، انطلق فوراً صوب عشيرة يوشو. فلن يقتصر الأمر على أمانه برفقة كايتو، بل رغب في إحاطة الرجل بما بغته سيلستينا فعله بابنته. من جانب آخر، انتمى هايدن إلى عشيرة يوشو، لذا جهل مدى أمانه هناك.
تيقّن من قدرة كايتو على توفير حماية ما، لكن أتشمل تلك الحماية أسرة الرجل ذاتها؟ تمثلت المعضلة الأخرى في كيفية التسلّل إلى عشيرة يوشو. مثّلت خطوة الفراغ مهارة هائلة أتاحت له تجاوز التعاويذ المضادة للأبعاد، لكنه استبعد إمكانية التحدث بيسر داخل مجمع محصّن. بدأ يشعر بالندم لتورطه. أكان اغتيال سيلستينا وهايدن أيسر؟ ربما. استحال هذا الخيار مغرياً باطراد مع مرور الوقت. تنهّد مذكراً نفسه سريعاً برغبته في استقاء مزيد من المعلومات حول المجلس السري.
وبدت السيدة سيلستينا الأثر الأرجح حتى الآن. إن ظفر بمقرّها، فسيبلغ المبتغى. وكما تبدّى، لم تجهل حكمته شيئاً، إذ وضع علامة طائر النار على هايدن أثناء حصة التدريب اللطيفة التي جمعتهما. انشغل الرجل بصفع جوليوس يميناً ويساراً وبذل قصارى جهده لمساعدته، إلى حدّ غفل معه عن توقيت انغراس العلامة فيه. لم يتوسّم جوليوس كثيراً، وشكّلت الخطوة مخاطرة طفيفة نظراً لبلوغ هايدن المرتبة الخامسة.
رغم ذلك، لاحظ مسبقاً افتقار هايدن للحساسية والوعي اللذين تميزت بهما سيلستينا. لذا إن نوى تجربة الأمر على أحدهم، فسيقع الاختيار على هايدن. لحسن الحظ، أثمرت الجهود، وأحس جوليوس بحضور العلامة حتى بعد فراره. ومن خلال تتبّع العلامة، اكتشف عودة هايدن إلى عقار عشيرة يوشو فور انقضاء زيارته لجوليوس. تحرك بسرعة كذلك، محثّاً الخُطى؛ ولا بد أنه ارتعب حقاً من اكتشاف سيلستينا لعودته إلى المستودع.
بيد أنه وبينما كان جوليوس هائماً في المدينة بلا هدف، تلقى تنبيهاً بتحرك العلامة مجدداً. انتفض من كشك الطعام حيث استمتع بتناول طبق حساء دافئ. لم يكن الحساء الأفضل، لكنه شكّل المأوى الوحيد المفتوح في هذا الوقت من اليوم. وتزامناً مع الوقت، كادت الشمس تشرق فوق الأفق. تسلل الناس ببطء إلى الشوارع متوجهين إلى أعمالهم. أنهى حساءه وقطعة الخبز الأخيرة على عجل قبل اليمّمم شطر وجهة علامة طائر النار.
حين بلغ موقع العلامة أخيرًا، استقبله منزل فسيح في حي سكني. لم يضاهِ حجم قصر عشيرة يوشو، بيد أنه ظلّ منزلاً أنيقاً. انتصب عدة حراس عند البوابات الأمامية، وغطّى حاجز قوي العقار بأسره. أكان هذا مقر إقامة سيلستينا؟ إن صحّ ذلك، فقد حالفه حظ عاثر وسعد بوضع العلامة على هايدن. مكث خارجاً يراقب المبنى لنصف ساعة، ولم يشهد مغادرة هايدن عبر البوابات إلا حينذاك. بدا الرجل في غاية الغضب، حتى إنه تمادى في شتم أحد الحراس ودفع جانباً.
لم يتحرك جوليوس لتعقّب الرجل؛ بل مكث في مكانه وتفحص المنزل. على عكس عشيرة يوشو، افتقر المنزل لذات التحصين. ولا مقارنة البتّة. صحيح وجود حاجزين قويين على الأقل، لكنه لم يستشعر ذات المانا القمعية والتعاويذ التي ألفها في عقار عشيرة يوشو. وتملّكته رغبة أشد في التسلل. بل إنه باشر التخطيط لسبل الدخول. لمح منطقة تقصدها الخادمات وطاقم العمل. بدا المبنى مسكناً لهم. انشغل الجميع بأداء مهامهم وبدوا في عجلة من أمرهم لدرجة أشعرته بسهولة انتحال صفة أحدهم متى ما اجتاز الحاجز والبوابات.
لذا، وبعد تأكده من رسم تصور عامّ لوجهته وطريقة إيابه، شق طريقه ببطء نحو مساكن الخدم، وحين توقّن من خلو المكان من المراقبين، استعمل خطوة الفراغ. استشعار محاولات التعاويذ المضادة للأبعاد صده عن الدخول، لكن مهارة الفراغ أتاحت له العبور مباشرة. غير أنه أحس بتعويذة أخرى تحاول مسحه. عجز عن تجاهل هذه بالمهارة الفراغية فحسب. جهل ما يفعله حيال ذلك، فأوغل في الفراغ مفسحاً المجال أمام تلاشي حضوره برمّته.
وأدرك ضيق وقته. فعند عتمته الحتمية إلى العالم الواقعي، سيتعين عليه التعامل مع كنه ذلك المسح. لربّما تمثلت في نوع من التعاويذ الفاحصة لكل الداخلين ضمن نطاق محدد. ورجح ارتكاز المسح على الهالة، حيث يعجز أصحاب الهالات المصرح لها عن إطلاق أي إنذار. أو لربّما حملوا معهم ما يلعب دور بطاقة تعريف بطريقة ما. كان حريّاً به توقع أمر مماثل، لكن يحسب له افتقاره للاعتياد على أفعال كهذه.
لم ينشأ جاسوساً أو قاتلاً محترفاً، لذا بدت قلّة خبرته مبررة. ولن تفيده تلك الأعذار بشيء. على ألا أنه ظفر بفكرة. أدرك مسبقاً مقدرته على تفادي رصد الهالة عبر محو كافة خيوط هالته. لكنه جهل سريان الأمر ذاته على تعويذة مماثلة. وبغض النظر عن ذلك، غاب البدء عن الخيارات، فشرع سريعاً بالسيطرة على هالته المدمرة. أنشأ فقاعة سميكة وأمعن في ضغطها شيئاً فشيئاً. تطلب الأمر محو حضوره تماماً.
وجب جعله يبدو كعدم وجود أحد قط. وبهذه الطريقة، يعجز الحاجز عن استهداف أو رصد شيء. بلغ الأمر ذروة الصعوبة، سيما مع تصاعد قوة هالته. فكلما ازداد هو وروحه قوة، استحال إخفاء الهالة أصدر صعوبة. لحسن الحظ، مثّلت السكون قَبْل الدمار مهارة بالغة القوة. استشعر عقله يتجاوز الحدود متوسعاً لأقصى مدى ليفعل المستطاع ويساعده على التشبث بالتقنية. وما إن تيقن من عدم تسرب ذرة أو شائبة هالة واحدة، حتى ألغى مهارة الفراغ، ليظهر عند مؤخرة مساكن الخدم.
لارتياحه، مرّ شبك المانا الذي همّ بمسحه وهالته فوقه كأنه غير موجود. حبس أنفاسه متأكداً من خلو ساحته، ولم يطمئن بما يكفي لمتابعة طريقه إلا بعد انعدام أي حركة من الحراس. تسلّل إلى المساكن وظفر بزي يناسبه. لم يعره بقية الخدم وطاقم العمل أي إهتمام. استغرق الجميع في الاستعداد، وما إن ارتدى الزي حتى طالع مرآة. صراحةً، سرّته هيئته تماماً. عدّل بعض ملامحه مستعيناً بعقد نسج الضوء.
صبغ شعره بلون بني صدئ ومنح وجهه ملامح بالغة النعومة. جعل مظهره بريئاً قدر الإمكان، بعيداً كل البعد عن متسلل لمنزل أحدهم. لاحظ رمق بعضهم له بنظرات خاطفة مراراً، لجهلهم به على الأرجح. ورغم عزوه الأمر لكونه وافداً جديداً، غرق الجميع في أشغالهم حدّ إلغاء الاهتمام. شق طريقه ببطء نحو المنزل الرئيسي، وبفضل القليل من الانتقالات الآنية ومهارته المكانية، اتخذ موقعاً داخل غرفة خاويّة تمكنه من تعقب الوافدين والمغادرين من المنزل.
كما تأكد من وجود سيلستينا داخل المنزل. إذ جلست في شرفة مخدعها تحتسي شاي الصباح. انتظر هناك متمنياً حدوث شيء، ولحسن الحظ لم يتأخر أحدهم في طرّق الباب. ظهر رجل مسن بشعر طويل مربوط على هيئة كعكة ومرتدياً بدلة أنيقة. بدا أشبه بكبير خدم. عجز عن كنه ما يدور بينهما من حديث؛ إذ لم تمنحه مهاراته المكانية تلك القدرة، لكن بناءً على وقفة سيلستينا المتصلبة، لم يمثل الرجل خادماً عادياً.
فضلاً عن كونه في المرتبة الرابعة فحسب. أثار هذا العجوز فضول جوليوس بدرجة أكبر. ولهذا تسلل خارج المستودع مقتفياً أثره. ويسّر وجود أعداد غفيرة من الخدم الأمر كذلك. فقد أفلح في الاقتراب بما يكفي لغرس علامة طائر النار في الرجل. بل وارتأى جوليوس تعقّب العجوز عند مغادرته عبر البوابات. أثبت مسبقاً سهولة التسلل إلى المنزل، واثقاً من إمكانية العودة في يوم آخر. بيد أن حدسه وشوشه بأهمية هذا العجوز، أو توفيره لمعلومات قيّمة حول أفعال سيلستينا على الأقل.
لذا واصل تعقب العجوز بأقصى درجات التخفي. وبفضل العلامة، أفلح في حفظ مسافة آمنة ومتابعة خطاه تزامناً. بيد أنهما ولجا جزءاً مهجوراً من المدينة. حيث قلّ عدد المارة، وانحصر المتواجدون بين مشردين أو قطاع طرق. انصب تركيز جوليوس على الرجل ومراقبته لدرجة كادت تحرمه من استشعار النصل الملوّح نحو مؤخرة عنقه.