غادر كايتو ولورا فتوجّه فوراً للبحث عن والتر وأرلين. لكنّه حين بلغ المكان الذي كانا فيه الليلة الفارطة، لم يجد لهما أثراً. لعن جوليوس. لم يكلفا حتى أنفسهما عناء البقاء، ورحلا دون أن يدفعا له أجر خدماته. أدرك أنّه ما كان عليه قطّ قبول تلك المهمّة. وكان حريّاً به أن يكون أعلم من الوثوق بالتجار. فهم ليسوا سوى... توقّف قبل أن يُمعن في التفكير بالمزيد من السوء. فقد فعل أمراً حسناً في نهاية المطاف.
ساعد فتاةً صنعاء ووالدها. ترك أثراً وأنقذ حياة. سارت الأمور على ما يرام، وشعر بالرضا عن نفسه. ولعلّ هذا كلّ ما يهمّ حقّاً في نهاية اليوم. وظفر بمعلومات قيّمة من كايتو أيضاً. فقد تعلّم الكثير عن موقع الإرث والوضع المحيط به. وحقيقة حصوله على تصريح مجّاني لدخوله تجاوزت كلّ ما كان يطمح إليه. أمسك الجرة السحرية في كفّه قبل أن يرفع كتفيه مستخفّاً ويضعها داخل فضائه البُعْديّ.
كانت ثمينة يقيناً، وبما أنّهما لم يبقيا لإنهاء اتفاقهما، فقد خيّل إليه أنّها تعويض مناسب. ولعلّ هذا كان مسار تفكيرهما أيضاً. إذا عثر يوماً على كنز تقلّبي آخر أو غرض لتخزينه، فستكون هذه الجرة نافعةً لا محالة. لقد خرج رابحاً بشكل أو باآخر. حين عاد إلى النُّزل، جلس في قاعة الطعام وتناول وجبةً شهيّة. كان يخناً بسيطاً مع خبز منزليّ الصنع، لكنّه ظلّ مذهلاً. لم يملك إلّا أن يتساءل عن نوع المهارات التي يمتلكها الطاهي.
يستحيل أن يصنع أحدهم هذا الطعام الاستثنائيّ دون مهارات خاصة. بيد أنّه كان على وشك الفراغ من وعائه وطلب آخر حين اقترب أحدهم من طاولته. رفع نظره فرأى المعالجة الشابة التي كانت في القافلة تسحب مقعداً إلى طاولته. لقد استشعر نظراتها إليه طوال الليل. بل إنّها كانت ترمقه بملء عينها مراراً وتكراراً منذ أن ساعدا أولئك القرويين. غير أنّ هذه الليلة بدت مختلفةً بعض الشيء. علت وجهها تعابير غريبة لم تكن موجودةً من قبل.
فضلاً عن ذلك، لم تفعل شيئاً للاقتراب منه طوال الأيام الماضية. ما سبب هذا التغيير الآن؟ لم تنبس بكلمة حين جلست مقابله. ظلّت ملامحها باردةً وهي تردّ شعرها البنّي الداكن خلف أذنها وتضع يديها في حجرها. لكنّه استشفّ أنّها لم تكن بالهدوء الذي تظهره. كان أريجها يتلألأ بقلق. بدا الأمر خافتاً للغاية، وبالمقاييس العادية، لما لاحظه أحد، لكنّه بالكاد استطاع رصده.
سألها بميل فضوليّ برأسه: "أتسعى لمساعدة في شيء؟"
أفرغت أناملها الواحدة في الأخرى، لكنّ وجهها ظلّ هادئاً تماماً.
فقالت: "اسمي سيلين".
أومأ جوليوس، لكنّه حدّق فيها ببلادة حين لم تتابع.
فألحّ: "حسناً... أهذا كلّ شيء؟"
نظرت إلى خطوط الخشب على الطاولة، وشُدّت حاجباهما بيكاد لا يُرى. وحين لم تجب، قطّب جوليوس جبينه فحسب، ومستشعراً حرج الموقف، نهض، ولم تعد الحلوى تهمّه في شيء. ثمّ شرع في الابتعاد، مغادراً النُّزل دون كلمة أخرى. لعلّه يعثر على متجر لا يزال مفتوحاً ويبيع بعض أطائب الحلوى. فيستطيع جلب القليل منها لكي تجربها سيرافين أيضاً. سمع الفتاة تنادي من خلفه بينما كان جوليوس يوازن بين شيء بارد، كالمثلّجات، وربّما كعكة.
تجاهلها وتابع سيراً، مُسرعاً خطاه قليلاً.
نادته مجدّداً: "هـ-هي! توقّف عن ذلك!"
ظلّ متجاهلاً إيّاها، ومضى بخخطى سريعة.
فصاحت بصوت عالٍ كفاية لتجذب انتباه بعض المحيطين بهم: "توقّف عن تجاهلي. أحتاج إلى التحدث إليك!"
استشعار منها تمسكها بطرف فستانها وانطلاقها في إثره. كانت أسرع ممّا توقّع بكثير، سيّما وأنّها كانت ترتدي فستاناً وحذاءً بكعب عالٍ. التفت بملل حين أدرك أنّه، ما لم يرغب في العدو حقّاً، ستدركه في نهاية المطاف. بدت على وجهها تعابير مظلومة حين أدركته، وقد اشتعلت وجنتاها حمرةً.
فسألت: "لماذا كنت تهرب منّي؟"
سأل ببلادة: "أه؟ أكنتِ تنادينني؟"
قالت بوعيد: "لا تتذاكى، لقد كنت تعلم أنّني أكلمك".
أنكر قائلاً: "لا، لم أكن أعلم".
"كنت تكاد تفرّ هارباً".
قال بصراحة وهو يحدّق في الكعب ذي البوصات الثلاث: "لو اردت الفرار، لَفعلتُ. يستحيل أن تلحق بي وأنت ترتدي ذلك الكعب السخيف".
احتجّت بشراسة: "إنّه ليس سخيفاً، لقد كان باهظ الثمن ومريحاً للغاية. وقد خُصّص خصّيصاً ليتيح الجري عند الحاجة".
تمعّن النظر في الحذاء بحواسه السحرية فأدرك أنّها قد تكون صادقة. كانت هناك تعاويذ خفيّة على الحذاء نفسه، وبدا الأمر كأنّ سحابةً غير مرئية تحيط بالحذاء بأسره. لعلّه كان مخطئاً، ولم يكن غير عمليّ كما ظنّ للوهلة الأولى. هزّ رأسه؛ لقد أخذ يتشتّت.
"حسناً، ماذا تريدين إذن؟"
سألت محبطة: "لماذا رحلت هكذا بغتةً؟"
"عن الطاولة؟"
"نجل".
فقال لها بصراحة: "لأنّك لم تكوني تقولين شيئاً. اكتفيتِ بإخباري باسمك ثم صمتِّ. شعرت بالحرج وعدم الارتياح، لذا غادرت".
طأطأت رأسها فوراً وراحت ترمق الشارع الحجريّ، وما زالت وجنتاها حمراوين.
وتمتمت بصوت خفيض: "كنت أحاول إيجاد طريقة لسؤالك بلياقة".
أجاب وهو يميل للأمام قليلاً: "لا أستطيع سماعك".
قالت وهي ترفع نظرها إليه بملامح قلقة، وما زال أريجها فوضى قلقة: "أردت أن أسالك شيئاً".
"تسأليني ماذا؟"
تمتمت: "أيمكنني رؤيته؟"
عبس جوليوس ونظر إليها بحيرة.
"رؤية من؟"
فقالت هذه المرة بشجاعة أكبر، ناظرةً إليه بعينين يملؤهما الأمل: "روح حياتك".
"تريدين رؤية روحي؟ لماذا؟"
فشرعت تشرح له: "أنا معالجة ومهووسة بأرواح الحياة منذ أن كنت فتاة صغيرة. لذا حين رأيته يساعد أولئك القرويين، رغبت بشدة في مقابلته".
لم تعد متوترةً كالسابق، وكأنّ حملاً قد أزيح عن كاهليها.
سأل جوليوس بارتياب: "لمجرد هذا؟"
أخذت نفساً واستعادت هدوءها قبل أن تومئ بحزم.
"نعم. أنا حسّاسة حقّاً لمانا الحياة واستطعت رؤية أنّه روح حياة مميّزة".
تساءل جوليوس: "انتظري؟ وكيف علمت أنّه ذكر؟"
تغضّنت عيناها.
"يبدو ببساطة كرجل، ألا تعلم؟"
أدرك جوليوس تماماً ما تقصده. فقد راوده الشعور ذاته حين وُلِد دراسิล لأول مرة وعقد عرى الرابطة معه.
فسأل: "أتريدين رؤيته إذن؟"
أشرق وجهها وبدت حيويةً أكثر ممّا رأاها طوال أسبوع السفر هذا. وكان أريجها ينبض بالحماس بالمثل.
"نعم! يسعدني حقّاً أن تعرّفني به".
إن كانت تُمثّل، فهي تؤدي دوراً رائعاً بحقّ. ولم ير سبباً للامتناع أيضاً. فهي تعلم بالفعل بوجود دراسيل، وكان لديه حدس بأنّ دراسيل سيحب هذا الاهتمام. وإذا أخذ بالاعتبار أنّه ساعد لورا للتو، فهو يستحقّ مكافأة. ظهر دراسيل، بهيئة كروية، فوق كفّه بغتةً. أطلقت الفتاة، سيلين، صرخةً خفيفةً وأمسكت وجهها بكلتا يديها حماسةً.
تغزّلت بدراسيل: "أهلاً بك أيّها الصغير! ألسْتَ فتاً صغيراً وسيماً؟"
تبختر دراسيل قِدر ما وسعته هيئته، لكنّ شكله منعه من الاستعراض كثيراً.
سألت بفضول: "ما اسمه؟"
"دراسيل".
ضحكت بخفة.
"يا له من اسم وسيم لروح وسيمة".
حلق دراسيل حول رأسها بضع مرات، نابضاً ببريق وناثراً عليها مانا الحياة، ممّا بدا وكأنّه يغمرها ببهجة عارمة.
سألت جوليوس بعد بضع لحظات من اللهو: "أيمكنني لمسه؟"
فأجاب مشيراً إلى دراسيل: "الأمر يعود إليه".
فهم دراسيل ما تطلبه وتمنّس منها بمحض إرادته. بدا ممتعضاً لإعجابه بها، ممّا جعل جوليوس يشعر بارتياح أكبر. كان قادراً عادةً على تمييز ذوي الطباع الطيبة، وبما أنّ دراسيل لم يكن يبصق في وجهها، فلا بدّ إذن أنّها شخص صالح. بيد أنّ هذا قد يرجع أيضاً إلى الحبات الصغيرة التي أخرجتها من خاتم تخزينها. كانت هذه الحبات مترعةً بمانا الحياة لدرجة جعلته يودّ سؤالها عن مصدرها. بانت جليّاً نظرات دراسيل المشتهاة لتلك الأطايب.
استشعر جوليوس لعابه يسيل بينما كانت تحتضنه بين كفّيها.
سألت: "أيمكنني إطعامه إيّاها؟"
خطا بضع خطوات للأمام، ممّا بدا وكأنّه أدهشها، والتقط إحدى الحبات من يدها.
وسأل: "ما هذه؟"
تلعثمت قليلاً والتفتت نحوه.
"تـ-تُدعى حبات ندى الروح. وتنمو عادةً في طائفتي، وهي جيدة حقّاً في استعادة مانا الحياة للمعالجين وما شابه دون الآثار الجانبية المعتادة لجرعات المانا. وتَعشقها أرواح الحياة حول طائفتنا، وظننت أنّ دراسيل قد يحبها".
تنهّد جوليوس حين رأى دراسيل يلج كفّها بالفعل، وقد عانق أحد المحاليق الخارجة من كرويته إحدى الحبات.
"أجل، أظنّه يحبها حقّاً".
ابتسم بدفء بينما شرعت في إطعام دراسيل تلك الحبات يدوياً. كانت عصارة الحبات تقطر على فستانها الجميل، لكنّها لم تبد مهتمّةً بذلك البتّة. كانت تُطعم دراسيل الحبات بسعادة بابتسامة ساطعة.
سألها بعد دقائق من إطعامه: "يبدو أنّك تحبين الأرواح، فلماذا لا تمتلكين روحاً خاصة بك؟ ألن يساعدك هذا بصفتك معالجة؟"
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها وهي تداعب كروية دراسيل.
"أجل، طالما رغبت بواحدة. لكنّ عائلتي أصرّت على أن أنتظر حتى أزداد قوّة وأعقد رابطة مع واحدة. قالوا إنّني بحاجة لتعلّم كيف أكون معالجة دون الاعتماد على أيّ شخص أو أيّ شيء آخر".
"همم، يبدو هذا كأنه—"
فهتفت بصوت بدا مستاءً بحقّ: "—كقرار أبله".
ردّد بتلقائية: "كقرار أبله".
كانت الملامح الباردة على وجهها تذوب تدريجياً، ومنحته ابتسامة دافئة.
"ما اسمك؟"
أومأ وقال: "جوليوس".
مدّت يدها وقالت: "سيلين، تشرفت بمعرفتك".
باغته دراسيل بمصافحتها أولاً. فقد مدّ الكائن الصغير محلاقاً صغيراً وصافحها بابتهاج. ووحدها تلك اللحظة شهدت دوره.
سأل بفضول: "إذن، إلى أي طائفة قلتِ إنك تنتمين؟"
استقامت بافتخار.
"طائفة الصفصاف النضر".
توقّف وحدق إليها ببلادة حين سمع الاسم المألوف. لقد أجرى بعض التحقيقات البسيطة حول طائفة الصفصاف النضر حين كان يقضي إجازته، ورغم أنّهم لم يعودوا كالعمالقة الذين كانوا عليه في الماضي، إلا أنّهم ما زلوا ضمن العشر طائفات الكبرى. وهذا بحد ذاته يعني الكثير. لكنّه أمر حسن أيضاً. فقد كان ينوي التوجّه إلى طائفتهم وزيارتهم إن أتيح له بعض الوقت. أراد معرفة المزيد عن تقنية تيزوكو والتقاط أشياء أخرى قد تساعده على تجاوز الفصل الثاني من الكتيب.
لعلّها، إن أحسن استغلال الأمور، تخبره ببعض الأشياء عن طائفتها. فقد كانت إحدى الطائفات القليلة التي يثير فضوله شديداً. أمّا الطائفة الأخرى فكانت تلك المرتبطة بتقاربات حركية. إحداها تدعى نظام أهورا المقدّسة. كانوا أشبه بطائفة دينية لا طائفة حقيقية، لكن طبقاً لكاساندرا، فقد ضمّوا بعضاً من أمهر مستخدمي الحركيات في البلاد. وطائفة الجسد الحديدي وطائفة القمم التسع ضمّتا مستخدمي حركيات أيضاً، لكنّهم كانوا أقلّ شيوعاً.
لم يدر كيف حدث الأمر، لكنّه انتهى به المطاف بطريقة ما برفقة سيلين، وتناولا المثلّجات من عربة طعام. وما إن انفتحت حتى أثبتت كونها محادثةً ممتازةً على نحو مدهش، ووجد نفسه يستمتع بصحبتها. حين عادا أخيراً، كان الوقت متأخّراً، فانهار على سريره، تاركاً النوم يأخذه إلى أحضانه.