وجهة نظر كايتو حاول كايتو طوال سنوات إيجاد سيلة لمساعدة ابنته لورا. لم تكن طفلته الوحيدة إذ أنجب أربعة أبناء سواها. لكن لورا كانت ابنته الوحيدة وأمطرها بدلاله منذ ولادتها. واعتادت زوجته أن تنتقده أحياناً لإفراطه في تدليلها، حتى قبل أن يكتتشفا أمر لعنتها. لذا حين علم بإصابتها بللعنة الوعاء المقيد، بذل كل ما في وسعه للعثور على علاج لها. وما كان خبيثاً في هذه الللعنة أنها لا تظهر بالكامل إلا حين تبلغ سن المراهقة وترتقي إلى المرتبة الثانية.
وحينها كانت قد نسجت خيوطها في كل ذرة من كيانها. لم تكن هناك طريقة لإزالة الللعنة دون التسبب بموتها. وهذا ما جعله مضطراً للبحث عن سبل أخرى لمساعدتها. جاب هو وأبناؤه شتى الصدوع واستأجروا عديد الأشخاص للعثور على كنز قد يعينها. بيد أن ذلك لم يكن كافياً. كانت لعنة الوعاء المقيد بحد ذاتها مزعجة، لكنها تظل لعنة يمكن التعايش معها بالصبر والمتابعة الدائمة. فهي تقيد أساساً جزءاً كبيراً من طاقة المانا الخاصة بالمرء وتجعل استهلاك أكثر من حد معين أمراً محالاً.
تكمن المشكلة الحقيقية في حقيقة أن لورا قد ورثت سلالة عشيرة يوشو. السلالة التي جعلت منهم عشيرة شديدة البأس وساعدت في ترسخ مكانتهم كأحد حكام غولدمير. لم تكن سلالة سيلف الشفق شيئاً يرثه الكثير من أفراد عشيرتهم. وحتى إن ورثوه، فإنهم لا ينالون سوى نزر يسير من قوة السلالة الحقيقية، ويتطلب الأمر كنوزاً عديدة وترقيات لإيقاظ كامن قدراتها. وهذه السلالة ذاتها هي ما كان يثير المشاكل.
تطلبت السلالة قدراً وافراً من المانا لتغذية نفسها. ولا يعد ذلك مشكلة للشخص العادي عادة، لكن الأمور تصبح بالغة التعقيد حين يقترن الأمر بلعنة الوعاء المقيد. باختصار، كانت سلالة سيلف الشفق تقتلها ببطء. فحين حُرمت من المانا ومصدر النماء، طفقت تقتات على المصدر الوحيد المتبقي أمامها. لورا نفسها. كانت السلالة كياناً شرهاً يمتص حياة لورا وروحها. وكان رؤيتها في عذاب مستمر يورثه ألماً يفوق كل ما خبره في حياته.
ولم يكن بيده وبيد عائلته سوى الوقوف عاجزين وهم يراقبون كيف تُلتهم ابنتهم على يد النعمة التي حُبيت بها. رغم ذلك، لم يستسلم وظل يحاول بيأس ضخ كل ما عثر عليه من كنوز تتماشى مع عنصري الرياح والضوء في جسدها. وقضى معظم أيامه مستخدماً مانا الضوء والرياح الخاصة به لمحاولة إبطاء تدهور حالتها، لكن ذلك لم يقدم سوى نفع محدود. كانت بحاجة لتغذية سلالتها بمانا تحمل صفتها الخاصة.
فالمصدر الخارجي لا يكفي. لم يحظ كايتو نفسه بنيل السلالة مثل والده. لكن ذلك لم يمنعه من بلوغ المرتبة الخامسة القوية. ولم يكن من أولئك المستضعفين في المرتبة الخامسة كذاك التاجر والتر غيل. بل كان صاحب مرتبة خامسة أصيل بلغها باستحقاقه وجهوده الخاصة. ومع كل ما يملكه من نفوذ وقوة، أخفق مع ذلك في إيجاد سبيل لعلاج ابعته الحبيبة. بيد أنه وقع على كتاب يذكر حالة شاب ولد بإصابة مشابهة، وقد شفي حين ارتبط بروح ملائمة.
وتشير صفحات الكتاب إلى أن الروح، نظراً لارتباطها بالروح، قادرة على العمل بديلًا مقبولاً ومصدراً سليماً للمانا بالنسبة للشاب. لم تكن الظروف مطابقة تماماً، لكنها ظلت إحدى أكثر الخيوط الواعدة التي صادفها. غير أن العثور على روح ضوء ورياح لم يكن بالأمر الهين. فالروح ثنائية العنصر تُعد كائناً نادراً، لكن إيجاد التوليفة الصحيحة كان أشبه بالمستحيل. يضاف إلى ذلك حقيقة أن الأرواح ثنائية العنصر كائنات متقلبة المزاج.
ويهلك الكثير منها قبل بلوغ تمام نموه. سعى خلق كثيرون طوال قرون لإيجاد طريقة تتيح إنجاب أرواح ثنائية العنصر بشكل عملي. وكان كايتو أحدهم. استعان ببعض باحثي العشيرة ليجدوا سيلة لتحقيق ذلك. لكن مسعاهم لم يسفر عن شيء واعد. وأقصى ما أنجزوه كان خلق مسخ يشبه الروح، لكنه للأسف جاء كارثياً واضطروا للإجهاز عليه بعد ثلاثة أيام. كان يفقد الأمل تدريجياً، إلى أن بلغه نبأ عثور شركة تجارية صغيرة على بغيته المنشودة بالضبط.
بادر بالاتصال بهم وأبدى رغبته فوراً. كان السعر باهظاً، لكن العثور على شيء بهذه الندرة للشراء لا يتكرر كثيراً. مع ذلك، كانت هذه أفضل فرصة تسنح له منذ مدة، ولم يكن ليتركها تفلت من بين يديه، مستخدماً نفوذ عائلته الواسع للضغط وإبعاد أي مشترين آخرين. ألقى نظرة جانبية على الشاب الماشي بجواره. لقد تقصى أحوال شركة سكايمبوس بعمق بالغ. ويدرك أن والتر غيل يمتلكها وسبق له الانضمام إلى قاعة خارقي السحاب.
كما يعلم أن الرجل طيب، وإن بدا جشعاً أحياناً. لكن ندر من لا يكون جشعاً من التجار على أي حال. كان يعرف هوية أرلين وكان مستعداً له تمام الاستعداد. وتشير مصادره إلى أن أرلين قد ارتقى حديثاً إلى المرتبة الخامسة، لكنه يختلف عن والتر. إنه صاحب مرتبة خامسة حقيقي لم يعتمد على الكنوز والأصناف الخاصة للترقي. ووحدها هذه الخصلة تستحق قدراً من الاحترام. ومع ذلك، لمש يكن لديه أدنى فكرة عن هوية الشاب الآخر.
لقد ظهر من العدم، وحين رافقهم رينال إلى الحديقة، عاود كايتو تفحص قائمة موظفي سكايمبوس عسى أن يكون قد غفل عن شيء. لكنه لم يجد شيئاً. ولحسن الحظ، جرى تفسير الأمر بأنه نوع من مستشاري مستخدمي الأرواح استأجره والتر. وبدا واضحاً له أن ثمة أموراً أخرى خلف الكواليس، لكن كايتو كان منكباً على الروح أكثر من اهتمامه بعلاقتهما وديناميكيتهما. طالما لن يؤثر ذلك على قدرته في حيازة هذه الروح وإنقاذ ابنته، فلا يهم من أين أتى هذا الفتى.
من جانب آخر، ثمن كايتو صراحة الشاب حين وضح المشكلة المحتملة المتعلقة بالروح. وهو أمر أغفله والتر. لقد رفع ذلك من مكانة الشاب جوليوس في نظره، ولهذا لم يمانع في السماح له بلقاء ابنته لتقييم مدى توافقهما. وبما أن جوليوس كان صادقاً حتى تلك اللحظة، وجد كايتو نفسه متطلعاً لسماع رأيه المهني. فالشخص القادر على التواصل مع كافة أنواع الأرواح يُعد كنزاً ثميناً.
قال بعد هنيهات مترقباً رد فعل جوليوس: "أفترض أنك تملك أرواحاً تخصك؟"
أجاب جوليوس بابتسامة دافئة: "أملك روحين".
لقد أثار هدوء الشاب إعجابه. فمن اللحظة الأولى التي رآه فيها، أدرك أن ثمة ما يميزه. ومن خلال سنوات من مراقبة المواهب الناشئة في العشيرة، اكتسب حساً دقيقاً يميز أصحاب الموهبة الحقيقية. يعتمد الكثير من ذلك على السلوك ومدى شعور المرء بالارتياح أمام شخص أقوى منه. وفي حالة جوليوس، لم يبد أي قلق يذكر إزاء تواجده داخل عشيرة يوشو وانفراده بشخص في المرتبة الخامسة. كان مرتاحاً تماماً ويحمل حضوراً كثيفاً نادراً ما يبلغه أصحاب المرتبة الرابعة.
ومع قوله هذا، كان أشد إعجاباً بتحكمه بهالته. ركز كايتو قليلاً على التلاعب بالهالة والمهارات المرتبطة بها، لذا عرف كيف يميّز مستخدماً ماهراً للهالة حين يراه. كانت مخفية بإتقان، لكن إخفاء ثقلها وكثابتها بدا أمراً بالغ الصعوبة. ويدل ذلك الثقل على قوتها، مع حفاظها على سكون تام. ولم يفلت جزء يسير منها عن سيطرة جوليوس. هالة بالغة النضج، إن اضطر لوصفها. تساءل عما إذا كان جميع مستخدمي الأرواح يتمتعون بمستويات مشابهة من التحكم بالهالة.
ومن المعلوم أن التحكم بالهالة يساعد في التواصل مع الأرواح إلى حد ما، لذا سيعد ذلك منطقياً بلا شك.
أعاد كايتو نظره إلى الأمام، قبل أن يوجه سؤاله أخيراً للفتى: "روحان؟ ما نوعهما إن لم يكن في الأمر إزعاج؟"
ضحك جوليوس وأجاب بمراوغة: "النوع الشره".
شعر كايتو بأن فضوله قد استُثير. فعامة الناس ممن يملكون أرواحاً عادية سيبادرون على الأرجح بتقديم المعلومة بحرية، لكن إخفاء جوليوس للأمر يرجح احتمالية امتلاكه روحاً نادرة تخصه. ورغم ذلك لم يكن ليضغط عليه، فلا داعي لسوء الأدب مع شخص يساعده ويحاول معرفة ما إذا كانت الروح تلائم لورا. ربما كان غيره سيجبر الفتى أو الروح على فعل ما يشاء، بغض النظر عن مجريات هذا اللقاء.
ولو لمجرد كونه الأقوى. لكن كايتو أوعى من ذلك. فالأرواح كائنات متقلبة حتى في أفضل الأوقات. ولا يمكن إجبار شخص على أمر حميم كرابطة الروح. وستكون اللطف والاحترام أداتيه الأفضل في هذا الموقف، لا تبديل مجرى الحديث.
أشار نحو الجرة التي تحوي الروح بداخلها: "أتظن أن الروح ستساعد ابنتي؟"
أخذ جوليوس وقتاً للتفكير ثم هز كتفيه في النهاية: "ليست لدي فكرة".
"لكن لديك فكرة عن الغاية من هذه الروح، أليس كذلك؟"
"أُخبرت أن ابنتك مريلة، لكن هذا كل ما في الأمر حقاً. والحق يقال، لست متأكداً إن كانت هذه الفكرة سديدة. فهذه الروح قوية جداً وشديدة الخطورة".
"أتريد القول إنه سيكون من الصعوبة بمكان على أي شخص التحكم بها، حتى بعد الارتباط بها؟"
"نعم، متطلبات السيطرة ستكون عالية بجنون. وستحتاجون أيضاً إلى قوة إرادة هائلة".
أطلق كايتو تنهيدة ارتياح حقيقية لدى سماع ذلك، ولاحظ أن الأمر أثار حيرة الشاب.
"لحسن الحظ، تملك ابنتي لورا تحكماً استثنائياً بالمانا. وبما أنها لا تستطيع سوى الوصول إلى جزء يسير من مخزون مانا الخاص بها، يتوجب عليها توظيف ما تبقى بأقصى درجات الدقة. كما أن إرادتها الناتجة عن التعايش الدائم مع اللعنة قد ارتفعت إلى مستوى مذهل لمن هن في سنها".
تمتم جوليوس وهو يومئ برأسه: "ممم، إذن ربما توجد فرصة".
كبح كايتو ابتسامة أمل تلجلجت في صدره. لم يرغب في استباق الأمور والتصريح بشيء مبكر، لكنه شعر بشعور طيب حيال ذلك. وأخبره حدسه أن هذا الشاب قادر على إعانته. لم يكن الأمر مخطاطاً له أو ما شابه، لكنه سرّ به على أي حال.
سأل جوليوس فجأة وبدا تردد خفيف يتسرب إلى صطوته، كأنه لا يدري إن كان يحق له طرح مثل هذا السؤال: "إن لم يكن لديك مانع، ما نوع اللعنة التي تعاني منها ابنتك؟"
لم يمانع كايتو، بل ألوى بيده نافياً أي حرج: "لا تقلق، بما أنك ستساعدها، فالأرجح أنني ملزم بتوضيح بعض الأمور".
وهكذا بادر سريعاً إلى إخبار جوليوس بلعنة الوعاء المقيد وكيفية تعارضها مع سلالتها. لم يورد كل التفاصيل، لكنه أراد التأكد من استيعاب جوليوس للمشاكل العامة التي تواجهها والسبب الذي قد يجعل الروح ملائمة لها على الأرجح. واعترافاً بالحق، كان يأمل أيضاً في أن يثير ذلك شيئاً من التعاطف مع لورا ويستميل رأي جوليوس. لم يكن متأكداً تماماً، لكن نظراً لمبادرة التاجرين بتسليم جوليوس روحاً باهظة الثمن عن طيب خاطر، فمن المرجح جداً أنه يملك سلطة القرار بشأن تقديم المساعدة من عدمه.
وحين أنهى حديثه، كانا قد وصلا إلى الجزء الخاص من العقار حيث تقيم لورا وبقية أفراد أسرته. ونظراً لمكانته في العشيرة، مُنح العديد من الامتيازات. وكانت هذه المنطقة الخاصة إحداها. وكما هو متوقع، كانت لورا بانتظاره واقفة في الخارج. فقد علمت بتواصله مع شخص بخصوص روح محتملة تناسب وضعها، وكانت أكثر توتراً من أي شخص آخر. هرعت نحوه وبدت مقطوعة الأنفاس قليلاً حين بلغته.
سألت وبصيص الأمل يزين وجهها: "أهذه هي الروح؟"
أومأ برأسه: "نعم، لكن قبل ذلك، هذا هو جوليوس"، قدمها له ثم التفت إلى الشاب مباشرة مشيراً إليها: "وهذه ابنتي لورا. إنها الشخص الذي أرجو أن تتمكن من الارتباط بالروح".
رأى عيني جوليوس تفحصان لورا، لكن ما استأثر بانتباه كايتو كان طريقة تحرك هالته وبقية حواسه. كانت بالغة الدقة، دون أن تبلغ حداً يمكن تفسيره بسوء أدب.
قال جوليوس بصوت خفيض: "أرى ما تقصده".
"ترى ما تقصده؟"
طفقت لورا تربت على جسدها بارتباك، متسایلة عما رآه فيها.
لم يجبها جوليوس، بل تحول بنظره إليه: "أتملك مكاناً يمكننا إطلاقها فيه؟"
وأشار نحو الروح المحبوسة في الجرة.
أومأ كايتو برأسه وأشار بيده صوب داخل المبنى: "نعم، تفضل باتباعي".
لم تبد ابنته أي انزعاج لتجاهلهما إياها، وابتسامة أمل ترتسم على محياها، تبعتهما بينما كانا يعبران بوابة أخرى.