درب التسامي الفصل 690 — السيّد كايتو

اقرأ درب التسامي الفصل 690 — السيّد كايتو باللغة العربية على مانجا تايم.

تمكّن جوليوس من التواصل مع الروح وبدا أنّه يثق به مبدئياً، لكن ظهرت بعض التعقيدات. كانت المشكلة الأولى أنّ الروح لم تبدِ قبولاً وثقةً سوى تجاهه وحده. فعندما اقترب أرلين والتر، عادت الروح إلى جنونها وحاولت رميهما بوابل من طاقة المانا في وجهيهما. أدرك الاثنان سريعاً أنّ وجودهما غير مرغوب فيه ولا فائدة منه، فألقيا بالمسؤولية برمّتها على عاتق جوليوس. أمّا المشكلة الأخرى فتمثّلت في رفض الروح الذهاب لرؤية اللورد يوشو وابنته.

حاول جوليوس مسبقاً شرح الوضع للروح، مخبراً إبيّا أنّها معرّضة لخطر الموت أو الفناء بسبب طاقتها الخاصة. كما حاول توضيح كيف يمكن للرابطة أن تخفّف من حدة الأمر. حتّى إنّه استعان بدراسل ليساعده في ذلك. لكنّ الروح إمّا عجزت عن استيعاب ما يحاول قوله، وإمّا أنّها كانت ترفض الأمر تماماً. أمضى على الأرجح ما يقارب الساعة كاملة وهو يتكلّم ويهدئ الروح، وبعد عناء طويل في إقناعها، وافقت على لقاء الفتاة على الأقل.

غير أنّها وضعت شرطاً لذلك. أرادت أن يرافقها جوليوس. لم يرغب جوليوس البتّة في القبول، مفضلاً الابتعاد عن أمور كهذه. لكنّه أشفق أيضاً على الروح. فحياتها برمّتها مثقلة بالألم وتقف دائماً على حافة التدمير الذاتي. ولعلّه تعاطف مع ذلك الجانب منها. تأثّر قليلاً أيضاً بمظهرها الرائع. فحين لا تكون بصدد محاولة قتل أحد أو قصفه بتدفقات كثيفة من المانا، تبدو مخلوقة صغيرة لطيفة حقاً.

جهل ما إذا كان لها جنس مفضل مثل دراسسل أو سيرافاين، لكنّه خامره شعور بأنّها أنثى. حاول الاستفسار عمّا إذا كانت كذلك، غير أنّها لم تبدِ فهمها لسؤاله. لذا قرر جوليوس ببساطة اعتبارها فتاة لتسسي الأمور. وافق في النهاية على شرطها، لكنّ ذلك كان مرده الأساسي إصرار دراسل وسيرافاين. لم يتفاجأ كثيراً بموقف دراسل؛ فقد بدا أنّ الصغير يعشق مساعدة الآخرين. أمّا سيرافاين فكانت عادةً غير مبالية بمثل هذه الأمور، لذا بدا غريباً بعض الشيء أن تنبري للكلام وتطلب من جوليوس مدّ يد العون.

لعلّ السبب يكمن في كونها روحاً بحاجة إلى المساعدة، أو لتعاطفها مع مشكلة الروح. كانت سيرافاين بدورها روحاً ذات طبيعة مزدوجة. لكنّها ربما لم تختبر أموراً مماثلة بفضل امتلاكها والداً قوياً، حيث تُعلّمت مبكراً كيف تتعامل مع طبيعتها الفريدة. ومن الواضح أنّ هذه الروح لم تظفر بمثل هذه النعم. كانت قدراتها في التلاعب بالمانا قوية بالفطرة، غير أنّ ذلك يعود لكونها روحاً. فوجودها يحمل امتيازات وغرائز معينة.

لكنّ قدرتها على استخدام طاقتها بطرق معقدة وغير بديهية لم تكن بنفس القدر من التطور. على أي حال، قاده ذلك ليجد نفسه مرة أخرى يرافق والتر وأرلين أثناء اقترابهم من عشيرة يوشو. كانت العقار ضخماً حتّى من مسافة بعيدة؛ واستطاع إدراك حجم نفوذ العشيرة الهائل لمجرد النظر إلى مساحتها الشاسعة. كان جوليوس يمسك الجرة السحرية بكلتا يديه. والمدهش أنّها لم تبدِ امتعاضاً من الجرة نفسها؛

فقد أدّت دورها بامتياز في مساعدتها على احتواء طاقتها ذاتياً. لكنّها أصرّت على أن يحملها هو وحده. وبدت وكأنّها لا تزال تضمر ضغينة تجاه والتر وأرلين. بدا أيضاً أنّ العشيرة كانت تنتظر قدومهم. فقيدوا بسرعة إلى داخل القصر بواسطة مجموعة من الحراس الصغار وبمواكبة أحد أتباع العشيرة. حظيت الجرة التي بين ذراعي جوليوس بنظرات فضولية كثيرة، لكنّ الأمر وقف عند هذا الحد. استغل هذا الوقت لفحص العشيرة بتأنٍّ أكبر.

مرّوا بجانب مجموعة من الأطفال الذين كانوا يتدربون مع رجل طاعن في السن، مؤدين بعض حركات السيف. تفاوتت أعمار الأطفال بين الخامسة وعمره هو. وإمّا أنّ هؤلاء الأطفال الأكبر سناً لم يختاروا الذهاب إلى طائفة، أو ربما لم يُسمح لهم بذلك. لم يكن يعلم حقاً كيف تسير الأمور في كورفوس. رأى جوليوس أيضاً عدداً من العاملين يتراكضون لقضاء الحورات والمهام الأخرى. وبحسب ما تبين له، كانت العشيرة مدارة بعناية فائقة، ولم يشعر بوجود أي هالات غريبة في الأرجاء.

بدا الجميع راضين. ولمح قليلاً من الأشخاص يراقبونهم عن بُعد. كانت المسافة بعيدة للغاية، على حدود إدراكه، لكنّه استشعر نظراتهم وهي تقتفي أثر الثلاثة. رغم وجودهم داخل مقر العشيرة، كان الاحتياط أمراً متوقعاً. وطالما أنّهما لا يقومان بأي تحركات ضده، فلا مبالاة منه. لم يُقتادا إلى غرفة أو مكتب. والمثير للاهتمام أنّهما سيقا إلى حديقة كبيرة. وكانت حديقة فاتنة بحق. تحيط بها سياجات ضخمة تتألق بطاقة الحياة وتُعتنى بها بعناية فائقة لتبدو على هيئة مخلوقات أسطورية مختلفة.

أخذ نفساً عميقاً وسمح لأمواج طاقة الحياة القوية والناعمة بالتغلغل في بشرته. بدت الأشجار فريدة تماماً أيضاً؛ فقد بدت عدة منها وكأنّها مصنوعة من الفضة الخالصة، وتتلألأ سطوحها تحت أشعة الشمس، إلى جانب النباتات الملونة المنتشرة في كل مكان بالحديقة. كانت حواسه الخاصة بالمانا تعمل بطاقتها القصوى وهو يتعقب مصادر المانا المتنوعة. لم يكن خبيراً بالأعشاب أو ما شابه، لكنّه استطاع تمييز أنّ كل شيء في هذه الحديقة تقريباً عبارة عن كنز طبيعي ثمين.

كاد يقسم أنّه رأى شيئاً يشبه توت اللهب الساطع الذي تناوله قبل مغادرة طائفة شمس المحرق. كان بلون مختلف، أخضر هذه المرة بدلاً من اللون القرمزي لذاك الذي أكله، لكنّ الشعور المنبعث منه كان متشابهاً. استحال وجود كنز توافقي ثمين مكشوفاً هكذا للعيان، أليس كذلك؟ سأل نفسه. أُخرج من أفكاره عندما صدمه أرلين بكتفه. يبدو أنّ مرافقهما قال شيئاً ما، لكنّه فاته تماماً بسبب استغراقه في تأمل الحديقة.

لحسن الحظ، لم يُزعج ذلك الرجل المرافق بل أثار تسليته فيما يبدو. بعد وقت قصير، دخلوا باحة صغيرة مكشوفة تضم مظلة مرتفعة مطلة على الحديقة. جلس تحت هذه المظلة رجل مسن يبدو في منتصف الأربعينات من عمره. كانت لحيته مقلمة بعناية وتخللتها شعيرات رمادية قليلة، ويرتدي رداءً أسود بسيطاً. أمسك بكتاب في إحدى يديه، وبفنجان شاي في الأخرى.

قال مرافقهم بانحناءة مهذبة: "اللورد كايتو، السيد والتر وأرلين قد وصولوا".

رفع اللورد كايتو نظره عن كتابه، ووضع شايه جانباً، وأومأ برأسه.

"شكراً لك يا رينيل. سأكمل من هنا".

انحنى رينيل مجدداً وانسحب مسرعاً ليترك الأربعة بمفردهم. ولم يكن الصوت الوحيد طوال الدقيقة التالية سوى حفيف الأوراق والأغصان الهادئ. بدا اللورد كايتو هادئاً، مكتفياً بتأملهم. غاب أي شعور بالعداء، غير أنّ جوليوس لاحظ استقرار نظرات الرجل عليه لعدة ثوانٍ طويلة قبل أن ينقل بصره إلى الجرة الحتحمل الروح، ليعود في النهاية فيرمق والتر.

"أنت والتر غيل، على ما أظن؟"

"نعم، يا سيدي يوشو".

"نادني كايتو حين نكون هنا. فقد يغدو الأمر مربكاً بعض الشيء حين يحمل أغلب أفراد عائلتي الاسم ذاته"، قال الرجل المسن بتنهيدة متعبة، وكأنّه شرح هذا الأمر ذاته لا يُحصى من المرات في الماضي.

"مفهوم، اللورد كايتو"، قال والتر بانحناءة مؤدبة.

هزّ كايتو يوشو رأسه، مستسلماً فيما يبدو لسلوك والتر الرسمي.

"هل تقرّب بأي صلة إلى عائلة غيل؟"

كشّر والتر بملامحه قليلاً للغاية.

"صلة قرابة بعيدة، لكنّني لم أعد أتحدث معهم".

أومأ كايتو يوشو برأسه وكأنّه توقع ذلك تماماً. وبدا أيضاً مدركاً أنّ الموضوع حساس فكتفى بالإيماء قبل أن ينتقل لما يلي.

"أهذه هي الروح التي طلبتها؟"

سأل مشيراً إلى الجرة التي بين يدي جوليوس.

أومأ والتر برأسه، "إنّها هي".

مدّ كايتو يديه باتجاه جوليوس والجرة، وبدت نواياه واضحة جلية. انحنى جوليوس بعمق، حريصاً على أن يبدو في أقصى درجات التهذيب.

"أعتذر يا لورد كايتو، لكنّي وعدت الروح بأن أتحقق بنفسي ممّا إذا كان الشخص الذي سيرتبط بها مناسباً. وفي هذه الحالة، سيكون ابنتك".

رأى كلّاً من أرلين والتر يتصلبان عند سماع ذلك. لم يسبق أن أخبر أياً منهما بوضوح أنّه سيصل إلى هذا الحد، لكنّه كان عازماً على الوفاة بوعده. وظنّ أيضاً أنّ اللورد كايتو يبدو رجلاً متفهماً، أو هكذا كان يأمل على الأقل. لم يبدِ والتر وأرلين موافقتهما على أساليبه، وشعر بأرلين يقترب ليقف خلفه مباشرة متهرباً بضحكة.

"أنا آسف يا لورد كايتو. لقد استأجرنا الصبي للمساعدة بشأن الروح، لكنّه لا يتحدث باسمها ولا نيابة عنّا"، قال أرلين بإصرار.

بدا والتر منزعجاً بعض الشيء أيضاً من تصرفات جوليوس، واستشعر دفع الرجل الخفيف لظهره بدهاء. مع ذلك، صمد جوليوس بثبات. والتقى بصره مباشرة بعيني كايتو، ليُعلم الرجل أنّه جادّ فيما يقول. ورغم كون الرجل نفسه في المرتبة الخامسة، إلا أنّه بدا متعاملاً مع جوليوس بجدية تامة. ولم يكلف نفسه عناء الالتفات لأي من الرجلين الآخرين. بل اكتفى بإبعادهما بتلويحة من يده.

"لا بأس"، قال لهما والتفت إلى جوليوس.

"أنا أتفهم منطلقك. لكنّني اشتريت هذه الروح مسبقاً لابنتي. ولذا أنا بحاجة للتحقق من أنّها البضاعة الأصلية بالفعل قبل أن أقدمها لها".

انكمش جوليوس متألماً.

"هذه مشكلة أخرى كنت أرغب في إخبارك بها".

"مشكلة؟"

بدا كايتو أكثر حذراً بكثير حين ذكر ذلك.

"نعم، يبدو أن الروح شديدة التقلب. فمن دون مساعدة مستمرة، ستنفجر حتماً لا محالة. وأخشى ألّا تشكل رابطة صالحة لابنتك"، قال جوليوس بصدق.

أحس بالرجلين اللذين خلفه وهما يرمقانه بنظرات حارقة على ظهره، لكنّه لم يكترث. كان حريّاً بهما أن يكونا أكثر صدقاً مع اللورد كايتو منذ البداية.

"أهكذا؟"

سأل الرجل المسن بنظرة متسائلة نحو التاجرين. بدا والتر وكأنّه أعد عذراً مسبقاً، بيد أن كايتو قطع عليه الطريق بذراع محذرة، ثم أعاد نظره إلى جوليوس بابتسامة أكثر دفئاً.

"أنا على دراية بهذا الاحتمال مسبقاً. وغالباً ما يُلاحظ أنّ الأرواح ذات الطاقات المزدوجة مخلوقات غير مستقرة. لكن أشكرك لكونك صريحاً وواضحاً معي"، قال ناظراً إلى الرجلين الآخرين.

"لا أتوقع عادةً من التجار أن يعترفوا بحرية بعيوب بضاعتهم عند بيعها لأحدهم. لا غضاضة في الأمر تجاههما، لكنّه عمل تجاري في نهاية المطاف. ومع ذلك، أنا أقدر صراحتك. ما اسمك؟"

"جوليوس".

"جوليوس، أليس كذلك؟"

ردد الرجل الاسم على لسانه وكأنّه أمر مثير للاهتمام.

"إن كنت تصر على إقرار مدى ملاءمة ابنتي بنفسي، فلا مانع لدي. وأفترض أنك نجحت في تهدئة هذه الروح، وأنّ بينكما علاقة إيجابية؟"

هزّ جوليوس كتفيه.

"لست متأكداً. لم ألتقِ بها سوى الليلة الماضية. فهي تمتلك إدراكاً غريزياً لوضعها الخاص وتبدو مستعدة لاستكشاف خيارات للبقاء، لكنّني لا أستطيع الجزم بأنّنا أصدقاء".

"حقيقة أنّها تثق بك لتقييم شريك محتمل تكفي وحدها"، قال كايتو بابتسامة خفيفة.

انطوى كلام الرجل على شيء من الصحة. رغم أنّه لم يذكر أنّ السبب الأساسي في قبولها لمساعدته يعود لدراسل لا له هو. وضع الرجل المسن كتابه على الطاولة ونهض واقفاً.

"تعال معي، من الأفضل أن نشرع في الأمر مباشرة".

انحنى جوليوس برأسه وتحرك ليتبع الرجل. همّ والتر وأرلين بالحركة لمتابعتهما أيضاً، لكنّ اللورد كايتو أدار رأسه للوراء وحدق بهما بلا مبالاة.

"ليس أنتما. يمكنكما الانصراف"، قال بنبرة طرد، وأخرج كيساً من خاتم تخزينه رامياً إياه نحو والتر.

"يحتوي هذا على كل ما اتفقنا عليه. وإن وجدتموه غير مرضٍ، فيمكنكم التواصل مع رينيل أو أي فرد آخر من عشيرتي".

أمسك والتر الكيس بوجه متجهم، وبدا كأنّه لا يدري كيف يتعامل مع هذا الطرد. ومع ذلك، ظهرت على محياه ملامح ارتياح خفيف. وكأنّه مسرور لإعفائه من المهمة. أخذ الكيس وبرفقة أرلين، سارعا بالعودة من حيث أتييا. وفي المقابل، رأى جوليوس أن كايتو بانتظاره ليلحق به متغلغلاً في أعماق العقار. ولعدم رؤيته خيارات أخرى كثيرة، هزّ كتفيه وتبع خطاه. فقد انتابه الفضول لرؤية الفتاة والسبب الكامن وراء كل هذا.