حين استقرّ الطيف قليلاً، انحنى جوليوس ليُمعن النّظر فيه. بدا الطيف كأنه مُتألّف من ضوء أبيض خالص، لكنّه ضمَّ في جوفه نواة ذهبية صغيرة وكثيفة عند التدقيق. ولم تشبه القوة التي استمدّها منه أي شيء رآه من أي طيف قط.
سأل أخيراً: "لمَ هو مختلف إلى هذا الحدّ؟"
أجاب آرلين: "لست متأكّدين تماماً. حسب ما يمكننا استنطاقه، إنه طيف فريد للغاية وُلِد في ظروف فريدة بالمثل. لكنّ هذا تحديداً هو سبب رغبة السيّد يوشو فيه من أجل ابنته."
"أحقاً يريد المجامرة بابنته ليرتبط بطيف شديد التقلّب هكذا؟"
أكّد والتر: "نعم، فهو يرى أن الأمر في غاية الأهمية."
عبس جوليوس، فقد كانت ثمة مشكلة أخرى تُقلِقه.
"إلى أي مدى يمتلك الوعي؟ وإن كان كذلك، فلمَ تحتجزونه كرهينة؟ أشعر أن شخصاً مرتبطاً بطيف رياح بدوره ينبغي أن يُدرك أهمية الحرية."
وجّه ذلك الجزء الأخير نحو آرلين. لم يكن جوليوس يعلم كيف تُجرى عمليات بيع الأخشاب والأطياف وتبادلها، لكنّ بمعرفته بما فعله مع دراسل، لم يستطع تصوّر بيع طيف واعٍ آخر مثل العبد. لم يبدو الأمر صحيحاً. لقد اشترى دراسل شتلةً، وبمانا الخاصّ به أزهرَهُ ببطء ليصبح ما عليه اليوم. لم يكن هناك أي بيع أو شراء له. مع ذلك، لم يبدو آرلين مُنزعجاً من سؤاله. أومأ كأنه توقّع أمراً كهذا.
"نعم، عادة لا نتاجر بمثل هذه الأشياء. لكننا لا نملك أدنى فكرة عن مدى وعيه؛ فنحن نفترض أنه ليس كثيراً بالنظر إلى حالته الحالية. ومع ذلك، فالأطياف بطبيعتها كائنات حُرّة للغاية، وأنا أعتبر التقاط الأطياف وبيعها شبيهاً بالعبودية. لكن في حالة هذا الطيف، لا يستطيع العودة إلى عالم الأطياف، كما أنه لا ينجو دون دعم مستمرّ منّا."
ضَيَّق جوليوس عينيه.
"ماذا تعني بذلك؟"
"لا بدّ أن ذلك يرجع إلى طبيعته الخاصة، لكنّه لسبب ما غير مستقرّ للغاية ويحتاج إلى مساعدة خارجية لمنعه من الانفجار بسبب الكميات الهائلة من مانا الضوء والرياح. كنّا نفعل ذلك حتى الآن بمساعدة بعض العناصر المسحورة مثل تلك الجرة السابقة، ولكن كما يمكنك أن ترى، فهي لا تعمل بشكل مثالي."
"لكنك ما زلت تريد لتلك الفتاة أن ترتبط به؟"
بدا على آرلين تعبير مُعقّد والتفت نحو والتر طلباً للمساعدة.
علّق والتر: "أخبره فحسب، من الأفضل أن يعرف إن كان سيعاوننا."
"أخبرني بماذا؟"
أطلق آرلين تنهدة حزينة.
"لا تُسرّب هذه المعلومات، لكنّ ابنة السيّد يوشو وُلِدت بلعنة نادرة، لعنة تمنعها من استخدام مانا الرياح والضوء لديها بالطريقة التي ينبغي أن تستطيع بها عادةً. تقول الشائعات إن هذا أدى إلى نتيجة مؤسفة تمثلت في تراكم مانا الخاصة بها بمرور الوقت وتسميم قنوات المانا لديها ببطء وإلى حدّ ما جسدها ذاته."
تراجع جوليوس إلى الوراء وفرك ذقنه. هذا يغير الأمور قليلاً.
"وعندما سماع أنكم وجدتم طيفاً يملك مانا الضوء والرياح معاً..."
أكمل آرلين عنه: "تواصل وعرض مالاً وفيرأ لتسليمه إليه."
"وهو يؤمن أن الارتباط بهذا الطيف سيساعد ابنته؟"
"نعم، يبدو معتقداً أن هذا سيُعالج حالتها أو يساعدها على الاستقرار."
سأل جوليوس: "هل يعلم بمدى تقلّب الطيف؟"
بدا عبوس وجهي الرجلين إجابة عن ذلك، فوضع كفّه على وجهه.
"أشعر أن هذا أمر مهمّ يُذكَر للرجل. شيء على غرار 'أوه بالمناسبة، الطيف الذي تطلب الارتباط بابنتك خطير بعض الشيء ويمكن أن ينفجر في أي لحظة بسبب مشكلات الاستقرار الخاصة به'. أنت تعلم، شيئاً كهذا."
تدخل والتر.
"كنّا نأمل في إيجاد حلّ لتلك المشكلة قبل تسليمه. لقد ذهبنا بالفعل إلى ثلاثة أشخاص مُنفصلين مُتخصصين في الأطياف، لكنهم لم يتمكنوا من مساعدتنا. لقد أوصى جَميعهم إما بأن ندعه يتدهور من تلقاء نفسه أو نبيعه لهم ليتمكنوا من إجراء تجارب عليه."
"حسناً، لكنني ما زلت لا أفهم لمَ لا يمكنكم قول ذلك ببساطة للسيّد يوشو."
ضحك والتر.
"من الواضح أنك لا تعرف شيئاً عن كايتو يوشو. إنه أحد أهم أعضاء عشيرة يوشو، إحدى العشيرات الحاكمة في غولدمير، ولا يأتي في النفوذ إلا بعد طائفة المِجلَة الذهبية. كما أنهم دقيقون للغاية بشأن الوعود والشرف. وقد وعدتُ السيّد يوشو بأنني أستطيع إحضار الطيف له ولابنته. وأودّ حقاً الاحتفاظ برأسي."
لم يدرِ جوليوس أكان والتر خائفاً من عشيرة يوشو أم جشعاً حقاً لتمام الصفقة. وممّا رآه من كيفية تعامل والتر مع القرويين، لم يكن ليتوقع شيئاً كهذا من الرجل. بدا القرار الصحيح واضحاً. كان عليهما إخبار السيّد يوشو بهذا الطيف والمشكلات المُقترنة به. يمكن للرجل معرفة ما يجب فعله بعد ذلك. ربما كان هذا أمراً يخصّ التجار ولا يفهمه جوليوس، لكنّه بدا واضحاً تماماً أمامه.
قال بهدوء في النهاية: "أشعر أن الصدق هو الخيار الأفضل أحياناً."
بدا أنهما يفهمان ذلك أيضاً، فهما لم يتجادلا معه حتى. بل أدارا وجهيهما فحسب، وشفاههما مضمومة بإحكام. أخذ آرلين وقته في الكلام أخيراً.
"أنا أفهم من أين تأتي. لكنّ من الممكن أن يساعد الارتباط كلاً منهما متبادلاً في حلّ مشكلاتهما. ألا يمكنك على الأقل محاولة التواصل مع هذا الطيف؟ حسب ما تخبرني به نيميس، لقد مُنِحتَ البركة، وهذه ليست شيئاً شائعاً للغاية حتى بين الأشخاص الذين يملكون أطيافهم الخاصة."
تنهد جوليوس ولم يرَ سبباً لرفض ذلك. لقد وافق بالفعل، وما زال يريد بعض المعلومات حول القبو الحجري من دونهما. كان مهتماً للغاية بالتحقق منه، حتى بدون طلب كوين منه ذلك. يمكنه ربّما الحصول على معلومات من نقابة المغامرين، لكنّ ثمة احتمالاً كبيراً ألا تكون المعلومات مفصلة مثل تلك الخاصة بالمنظمات الأخرى. خاصة وأنه لم يكن عضواً عالي النفوذ في النقابة. ربما احتفظوا بتلك المعلومات لكبار الشخصيات لديهم.
خطا خطوة نحو الطيف المحبوس الذي كان لا يزال يحاول بيأس التحرر من قبضة آرلين. ما زال عاجزاً عن تصديق كمية الطاقة التي كان يطلقها. كان هناك سبب وجيه لقولهم إن هذا الطيف على وشك الانهيار على نفسه. حتى بحواسه، بدا على بُعد بوصة من الانفجار الداخلي. مدّ يده وأرسل برفق نبضة من المشاعر، محاولاً إقامة رابطة. مُزِّقت هذه الرابطة فوراً إلى أشلاء. بدا الأمر وكأن الطيف شعر تقريباً بأن هذا هجوم فدمره قبل أن يتمكن من بلوغه.
لم يثبط ذلك عزم جوليوس؛ بل قارب هذه المسألة كما لو كانت قطة برية. كان عليه الحفاظ على هدوئه والتحلي بالصبر. حاول مرة أخرى، وكانت كل مشاعره هادئة ودافئة. بل استخدم مفهوم التوازن الجديد لديه للمساعدة. بدا أن هذا يعمل بشكل أفضل قليلاً؛ فلم يتم تدميره فوراً، ولكن مع ذلك، تمزقت الرابطة.
قال لوالتر وآرلين دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات للوراء: "اتركانا."
كانت عيناه تركزان تماماً على هذا الطيف الذي كان لا يزال يسرب مانا الضوء والرياح بجنون.
قال آرلين وهو يُجعّد أنفه: "أتتركك؟ أنا السبب الوحيد الذي جعله لا يحاول قتل حتى الآن."
أوضح ببساطة: "إنه يشنّ هجمات لأنك ما زلت تثبته مكانه. لن يثق بي أبداً بما يكفي لتأسيس رابطة تواصل إن لم تدعه يتنفس."
تردد آرلين لبرهة.
قال جوليوس بثقة: "لا تقلق بشأني. يمكنني حماية نفسي."
مع أن الطيف كان قوياً، إلا أنه كان من المستوى الرابع وقوياً بحق. ستاج الطيف لفعل أكثر قليلاً مما أظهره لإيذائه حقاً. أنشأ جوليوس حاجزاً حول نفسه حتى. أبطأ سرعة إنشائه وارتكب بعض الأخطاء المتعمدة، لكن الحاجز ظل متيناً للغاية. على الرغم من تراجعه، إلا أنهما تفاجآ بالحاجز. لم يدرِ لمَ؛ فلم يكن شيئاً مبهراً إلى هذا الحدّ. لكنه تجاهل نظراتهما وتابع محاولة مدّ اليد بمشاعره كما فعل مع دراسل وسيرافين.
بدا أن الحاجز يُخفّف الكثير من مخاوفهما، وبعد محادثة خافتة، تقبلا طلبه. نهضا وخرجا ببطء من العربة، تاركَيْن جوليوس وحده مع الطيف. أطلق النطاق الطيف تدريجياً، واُضطر جوليوس لصدّ شعاع كثيف من المانا قادم مباشرة نحو وجهه. تصدى حاجزه للهجوم بسهولة، وحاول التواصل مرة أخرى. لَطَمَهُ الطيف إلى الجانب بعدوانية، واستهدف انفجار قوي آخر وجهه. صدّ ذلك أيضاً، وأرسل برفق هالة مهدئة في الجو.
لو حدث هذا قبل بضعة أشهر، لما تمكن من فعل ذلك. لكانت هالته المدمرة ستطغى على أي شيء يفعله. لكن مع مفهوم الصفاء المحترق لديه، أصبح الأمر أسهل بكثير. استمر الطيف في محاولة مهاجمته. لكن ذلك لم يُزعجه؛ بل استقرّ جالساً على مقعده، محدّقاً بهدوء في الطيف العدواني. كان الطائر الأبيض الصغير يتعب ببطء، وهناك حقاً حقق نجاحاً أكبر عندما مدّ يده بمشاعره. لم يُصدّق حتى أن الطيف الصغير قصد قبول الرابطة.
انتفض الطيف من التدفق المفاجئ للمشاعر وألقى برمح آخر من المانا على وجهه. ومع ذلك، بدا هذه المرة متردداً أكثر بكثير. مدّ محارة أخرى من مشاعره برفق. لكنه حصل على مساعدة هذه المرة. ظهر دراسل فوق كتفيه. كان في شكله الكروي، لكنّ حضوره الدافئ والمطمئن صنع فرقاً فورياً. تجمد الطيف عما كان يفعله وبدا وكأنه يشعر... بالحذر. لا، لم يكن الحذر الكلمة الصحيحة. التوتر كان الوصف الأنسب.
ألقى جوليوس نظرة على دراسل بتعبير معقد. تذكر أن سيرافين كان لها رد فعل مشابه عندما دخلت في عقد معه. قائلة شيئاً عن أن دراسل مخيف. مع أن جوليوس لم يرد لهذا الطيف أن يشعر بهذه الطريقة، إلا أن ذلك عاد بفائدة تهدئته. وبدلاً من التخبط بطريقة خارجة عن السطرة، صار يطفو في الهواء بصمت الآن. اغتنم هذه الفرصة لمدّ رابطة مرة أخرى. ومما لم يكن مفاجئاً، لُطِمَت جانباً مجدداً. رغم أنها لم تتبع بهجوم هذه المرة، وهو تحسن.
ومع ذلك، لم يبدُ هذا جيداً ما يكفي بالنسبة لدراسل. طفا أورب الضوء الأخضر الصغير نحو الطائر الأبيض ببطء، نابضاً بشكل غير منتظم. تلقى جوليوس إحساساً بأن دراسل كان يقول شيئاً لطيف الضوء والرياح. ومما زاد الدهشة، بدا وك أنه كان يستمع إليه. كان رأسه منخفضاً بينما كان دراسل يوبخه. أنهى دراسل ما أراد قوله أخيراً ومنح جوليوس إبهاماً للأعلى فعلياً صُنع من جزء من مانا الحياة.
فضولاً لمعرفة ما قاله دراسل لهذا الطيف، مدّ جوليوس محارة أخرى، ولمفاجأته، قبلها. كانت الرابطة مرهقة في أفضل الأحوال، لكنه لم يُلطَم بعيداً، وهو تحسن. استُقبِل بفيض من المشاعر. كانت مفعمة بالخوف والأذى والارتباك. لم يكن الطيف متطوراً بوضوح مثل دراسل أو سيرافين، لكنه كان قريباً جداً. حصل على انطباع بأنه كان يثق به، ولكن فقط لأن دراسل أخبره بذلك. لم يحاول فعل أي شيء بالطيف؛
بل واصل إرسال مشاعر مهدئة إليه فحسب. وكان دراسل هناك أيضاً، كضوء للعزاء للطيف الخائف لولا ذلك. والآن بعد أن أصبح متصلاً بالطيف، استطاع استشعار مدى صعوبة محاولته الحفاظ على السيطرة على مانا الخاص به. لم يكن الأمر وكأنه أراد الخروج عن السطرة، لكن على الرغم من جهوده، استمر المانا في الهياج. كانت هناك طاقة أكبر من أن يتعامل معها جسده، ولم يكن لديه أي فكرة عن كيفية إصلاح ذلك.
حاول جوليوس مدّ يد العون؛ سيطر على بعض المانا، لكن الأمر كان صعباً. لم يكن يستخدم سحر الرياح أو الضوء، وبالتالي لم يكن يفهم كيف يعملان. أقصى ما استطاع فعله هو إبقاؤه معلبأ وتعطيله قبل أن ينفجر إلى الخارج. لحسن الحظ، استطاع تهدئة المانا ببطء ومساعدة الطيف على إبقائه محتواء. كانت هناك أخبار سيرة أيضاً. فكلما قضى وقتاً أطول مع الطيف، أصبح أكثر ارتياحاً لوجوده. لا بدّ أن والتر وشارلين ظنا أن الصمت وغياب المانا المُلقى حولهما علامة جيدة أيضاً، لأنهما عادا ليجدا الطيف جالساً بلطف في حضن جوليوس.
قال آرلين بدهشة، كأنه لم يتوقع أبداً أن يُنجز جوليوس ذلك حقاً: "أوه، لقد فعلتها فعلاً!"