أنهى جوليوس حصة الأستاذ هاشين وكان غارقاً في التعب. امتنع طوال اليوم عن استخدام [تجدد العنقاء الزائف]، أراد أن يرى إلى أي مدى يمكنه دفع جسده قبل أن ينفد طاقته. بدأ يشعر بألم حصة التدريب البدني، وكانت الدقائق العشر الأخيرة من حصة المبارزة بالسيف قتالاً مضنياً. أدرك جوليوس، الآن بعد أن توقف عن استخدام [تجدد العنقاء الزائف], أن لياقته البدنية كانت متردية للغاية. لم يكن قادراً على مجاراة المتصيدين إلا بفضل [تجدد العنقاء الزائف]
ومهارته السابقة في الشفاء، وإلا لكان قد سقط من شدة الإرهاق خلال الأيام الأولى. كانت تلك نقطة يعزم تماماً على إصلاحها. وهذا هو السبب تحديداً في أنه لم يعالج نفسه ليعيدها إلى كامل عافيتها. مع ذلك، شعر بأنه قادر على علاج نفسه الآن بعد أن اقترب من بلوغه حده الأقصى. أخذ نفساً عميقاً ووجد مكاناً منعزلاً لا يقربه أحد، ثم فَعّل [تجدد العنقاء الزائف]. أطلق جوليوس زفرة ارتياح طويلة وهو يشعر بطاقة الحياة والنار تتدفقان في جسده.
تغطى جلده بوهج ناري دافئ بينما كانت المهارة تُداوي عضلاته وتُزيل تعبه وإهاقه الذهني من ذلك اليوم. استعاد عافيته تماماً في غضون ثوانٍ معدودة. وتلاشى التيبس والثقل اللذان أثقلا أطرافه وجعلا تلويح السيف أمراً عسيراً. جعله ذلك يقدر مهارته حق القدر. كانت مهارة رائعة حقاً، ولعلها أقوى مهارات بأسرها. بيد أن هذا كان السبب ذاته الذي دفعه إلى التوقف عن الاعتماد عليها بشكل مفرط.
أحس بأنه يطور عادات سيئة لاعتماده على مهارة شفاء فائقة القوة يلجأ إليها متى شاء. فكان يتصرف أحياناً بتهور أو حماقة لعلمه اليقيني بأنه يستطيع إعادة جسده إلى كمال صحته حتى لو خسر ذراعاً أو تعرض لإصابة حرجة. وكانت لياقته المتردية مثالاً صارخاً على نقطة ضعف تسببت فيها مهارته. فلم يضطر قط إلى دفع نفسه حتى حافة الإنهيار إلا حين تنفد طاقة الحياة منه بالكامل، وإذا وصل الأمر إلى ذلك الحد، يكن ميتاً بالفعل عملياً.
حتى في مواجهة المتصيدين، مهما اشتدت الأمور قسوة أحياناً، لا يتذكر أنه شعَرَ بتعب يمنعه من الاستمرار. لذا، عقد العزم على ضرورة تحسين لياقته. لأنه أيقن أن كلما زادت قدرته على التحمل، قلّت طاقة الحياة التي يضطر إلى استهلاكها للحفاظ على جاهزيته القتالية. وسيكون بوسعه توجيه تلك الطاقة لشفاء إصاباته أو إنقاذ حياته. امتلك مخزوناً ضخماً من الطاقة، ولذا كان يغفل أحياناً عن كمية ما يستهلكه منها.
لكنه حين يلتفت إلى الوراء، يرى أنه كان مسرفاً بشكل استثنائي. لقد استهلك ما يقارب نصف طاقة حياته لمنع نفسه من الشعور بالتعب. وهو أمر يمكنه إصلاحه بسهولة ببعض الوقت والصبر. صار مستعداً لحصته التالية بعد أن زال عنه التعب المميت. لعل القتال بالأيدي مع غابرييل هو الحصة الأكثر إثارة لترقبه. فقد تكشفت له بالفعل صورة واضحة عما يقدمه غابرييل عن قرب. شعر جوليوس بأنه سيتعلم منه الكثير من الأمور بالغة الأهمية.
كانت مبارزة السيف لطيفة وكل شيء، لكن جوليوس لا يستخدم السيف حقاً. قد يفعل ذلك مستقبلاً، ولهذا السبب تلقى تدريباً عليه، لكن جوليوس في نهاية المطاف يحب حقاً شعور تسديد الضربات بقبضتي يديه. كان هناك شيء مرضٍ للغاية في تهشيم مفاصل أصابعك في وجه وحش أو الاقتراب بوضوح شديد، وأنت تعلم أن خطوة واحدة خاطئة قد تودي بحياتك. حين تقاتل خاوي اليدين، لا يوجد سيف أو رمح تختبئ خلفه.
لا يوجد سلاح يمنحك أفضلية المدى، بل أنت وخصمك فحسب. ستجري الحصة في مرفق التدريب الرئيسي الذي يستخدمه أغلب الطلاب الأكبر سناً. وهو المكان الذي تُعقد فيه أيضاً معظم الحصص الأكبر حجمًا. لم يعلم جوليوس عدد المقاعد المتاحة لهذه الحصة، لكنه لن يندهش إن كان عدد الحاضرين هنا أكبر من أي حصة أخرى له. دهش جوليوس حين دخل المرفق لمدى اختلاف مظهره عن المباني الأخرى التي ارتيادها اليوم.
كل شيء بدا أكبر حجماً، الغرف، والمساحة، والمعدات، وحتى الأبواب كانت أضخم. لاحظ جوليوس وجود ما يقرب من خمسين طالباً هناك بالفعل، رغم أن الوقت كان مبكراً بنحو عشر إلى خمس عشرة دقيقة قبل بدء الحصة. كان معظم الطلاب من زملائه الأكبر سناً. ولم يرى سوى حفنة من طلاب السنة الأولى واقفين في الغرفة الواسعة الفسيحة. لقد رأى الفتاة ذات الشعر الأحمر والفتى الطويل اللذين كانا معه في حصة التدريب البدني.
كانا يبرزان بزي السنة الأولى وهالتهما من المستوى الثاني. ومع ذلك، لمح جوليوس أيضاً هيئة إدغار الضخمة واقفة على جانب الغرفة. وإلى جواره تقف أوبري وتلي بشكل مفاجئ. علم أن أوبري ذهبت للتسجيل في الصباح بعد أن فعل هو وإدغار ذلك، لكنه لا يتذكر أن تلي ذكرت رغبتها في التسجيل أيضاً. أدرك من بعض الإشارات أن تلي تمتلك تقاربًا ذهنيًا، لكنه لم يعلم قط أنها مهتمة بالقتال بالأيدي.
لم يكن جوليوس وحده من لاحظها، فقد رأته تلي بدورها وربتت على أكف أرفاقها لتعلمهم بوجوده. شق جوليوس طريقه إليهم، مناوراً وسط حشد الطلاب. ابتسم إدغار وهو يمد يده ليمنح جوليوس تربيتة قوية على ظهره فور وصوله إليهم.
سألت تلي بحماس: "إذن كيف كان يومك الأول؟"
ابتسم جوليوس لحماسها وأجاب: "كان أقل صخباً بكثير مما توقعت".
ردت عليه أوبري: "نعم، معظم أيام الدراسة الأولى تقضى في استماع الطلاب لحديث الأساتذة طوال الوقت. قد يكون ذلك مُملاً حقاً أحياناً".
أخبرها جوليوس: "لم يكن البتة ذلك النوع من الإثارة التي توقعتها. رغم أنني أحببت الأستاذ توما والأستاذ رو والأستاذ هاشين".
سألت أوبري: "وليست الأستاذة ستيوارت و... من كان أستاذ التدريب البدني خاصتكم مجدداً؟"
أضاف إدغار: "أعتقد أنه قال إنه الأستاذ إدواردز، وإن لم تخنّي الذاكرة فقد كان أستاذاً مساعداً في العام الماضي".
"أجل، هكذا كان، الأستاذ إدواردز. لماذا لم يعجبك أمرهم؟"
سألت أوبري.
أجاب جوليوس: "لم يكن الأستاذ إدواردز سيئاً، لكنه لم يبد لي كأستاذ يرغب حقاً في التواجد هناك. ولم تكن الأستاذة ستيوارت سيئة هي الأخرى، لكنني ببساطة لم أوافقها الرأي في فلسفتها".
سألته تلي: "في أي شيء لم توافقها؟"
أخبرها جوليوس: "لم يعجبني كيف شرحت التحكم بالطاقة بأسلوب صارم ومُهيكل، وبدت التمارين التي أرادت من الفصل تطبيقها مملة بعض الشيء".
"وه, ظننت أنك قد تعجب بها. لقد ساعدتني كثيراً في التحكم بطاقتي الخاصة. لا أملك موهبة كبيرة في [التحكم بالطاقة]، لكنها ساعدتني في إيجاد طريقة لاستخدامها بثبات طالما واصلت التدرب".
قال إدغار ذلك.
أوضح جوليوس: "أجل، لم أظن أن طرقها خاطئة أو ما شابه، لكن بالنسبة لشخص مثلي يفضل الأساليب الأكثر مرونة، لا تبدو تلك ملائمة لي".
أدرك جوليوس أن أساليبها كانت تنطوي على ميزات حقيقية، لكنها بدت شديدة الاختلاف عن طرقه الخاصة.
سأله إدغار: "على أي حال، ألم تقل إن لديك الأستاذ توما؟"
استفسر جوليوس: "أجل، هل تعرفونه أيها الشباب؟"
قفزت تلي بحماس قائلة: "بالطبع! إنه أحد أقدم الأساتذة تدريساً في غولدنكريست. وهو أيضاً في مستوى رابع قوي حقاً، والسبب الوحيد لعدم بلوغه المستوى الخامس منذ عقود هو تعرضه لإصابة منعته من التقدم. لكن الغالبية السظمى في الحرم الجامعي تتفق على أنه أحد أفضل الأساتذة. وهو يدرس لطلاب السنة الأولى حصرياً تقريباً، لكنه يدرس شيئاً مختلفاً في كل عام".
أخبره إدغار: "إنه بارع للغاية أيضاً في التحكم بالهالة وقد يكون هو من يدرسكم حصة التحكم بالهالة".
لم يكتشف جوليوس بعد هوية أستاذ التحكم بالهالة الخاص به، فبخلاف حصصه الأخرى، منحوه مكان الغرفة فقط دون اسم من يقوم بتدريسها.
قال جوليوس: "آمل ذلك"، ثم التفت نحو تلي.
"توقعت تواجد الاثنين الآخرين هنا، لكنني تفاجأت برؤيتكِ هنا أيضاً".
نظرت تلي إلى أسفل وقالت: "أجل، سجلت أنا وأوبري معاً بعد أن قضت ساعات وهي تحاول إقناعي. لقد سجلت لكني أخبرتها أنني لم أقرر بعد ما إذا كنت سأحضر أم لا. ولم تقنعني نهائياً إلا بعد أن أخبرني البقّة أن تعلم كيفية الدفاع عن النفس إذا اقترب أحدهم سيكون فكرة سدية".
كانت تلك فكرة جديرة بالتقدير برأي جوليوس. فمستخدمو التقارب الذهني يُستَخدمون عادةً في أدوار إسناد، أو يتحولون في حالات نادرة إلى سحرة عقل هجوميين. ويعني ذلك ضعفهم المعتاد في القتال القريب، لكن تعلم الدفاع عن النفس قد ينقذ حياة تلي ذات يوم. قد تعجز عن هزيمة أعدائها بقبضتيها العاريتين، لكنها قد تنجح في الصمود طويلاً إلى أن يأتي من ينقذها.
قال لها جوليوس: "إن كان رأيي يهمكِ في شيء، فأنا أرى أنها فكرة عظيمة أيضاً".
علقت أوبري: "أليس كذلك؟ تلي قوية حقاً طالما احتفظت بمسافتها، لكن بمجرد أن يقترب أحدهم تصبح أضعف من كعكة تُرِكَت في غرفة المعيشة المشتركة".
كاد إدغار يضيف شيئاً آخر، لكن قبل أن يفعل، لمح جوليوس غابرييل —أو الأستاذ كيلر— يظهر بصحبة مجموعة كبيرة من الأساتذة المساعدين الذين يتبعونه كصغار البط. لم يكن جوليوس منتبهًا لعدد الطلاب الذين وفدوا بعده لانشغاله بالحديث مع الآخرين، لكنه صُدم الآن حين ألقى نظرة ورأى ما يقرب من مئة طالب محشورين داخل الصالة الرياضية الواسعة. بدا الأستاذ كيلر تماماً كما يتذكره جوليوس.
فقد شق هيئته الضخمة والمهيبة طريقها داخل الصالة الرياضية، ملقياً نظرة فاحصة على الطلاب. التقت نظراته بنظرات جوليوس لثانية واحدة، وأقسم جوليوس أن الرجل قد ابتسم باتجاهه، لكن تعذر التأكد من ذلك. وقف الأستاذ كيلر أمام الطلاب، شامخاً فوق رؤوسهم.
"أريد منكم جميعاً الانقسام إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى مخصصة لمن يملكون خبرة قليلة أو معدومة في القتال بالأيدي. والمجموعة الثانية لمن يمتلكون بعض الخبرة وينتمون إلى المستوى المتوسط. أما المجموعة الأخيرة فهي لمن يعتقدون أنهم في مستوى متقدم. اختاروا بعناية، وسنمر عليكم للتحقق وتغيير مجموعتكم إن ارتأينا ذلك".
كان صوته عميقاً ومجلجلاً بالقدر نفسه الذي تذكره جوليوس. وكانت لديه طريقة تأمر الناس بطاعة ما يقوله بحذافيره. ولهذا لم يفاجأ جوليوس حين رأى كل طالب يسارع بالانضمام إلى المجموعة التي ظن أنه ينتمي إليها. اتجه إدغار وأوبري نحو المجموعة المتقدمة دون أن يفاجئ ذلك تلي أو جوليوس. أما تلي وجوليوس فقد توجها إلى مجموعة المبتدئين. لم يعتقد جوليوس أنه ينتمي حقاً إلى هذه المجموعة، لكنه فعل ذلك لعدة أسباب.
كان السبب الرئيس هو رغبته في البقاء مع تلي. فقد بدت غير مرتاحة بوضوح لوجودها هنا وخوضها تجربة القتال بالأيدي، وقد قدمت الكثير لأجله من قبل، لذا آمن بأن هذا أقل ما يمكنه فعله من أجلها. فور استقرار الجميع في مجموعاتهم، وزع المساعدون أساور فضية على الجميع. سيشرعون في النزالات فوراً. تحدثت حصصه الأخرى عن الدخول التدريجي في الإيقاع قبل بدء النزالات، لكن الأمر لم يكن كذلك مع الأستاذ كيلر.
لقد رمى الجميع، سواء أكانوا مبتدئين أم لا، في المياه العميقة مباشرة. ومن لم يكن لديه شريك، اختير له شريك. كان المساعدون يتجولون لمراقبة الأوضاع وتدوين الملاحظات على قطع ورقية. كما قدموا المساعدة للطلاب الذين واجهوا مشكلات علنية. لحسن الحظ، كان تلي وجوليوس شريكين لبعضهما البعض، واكتفيا طوال الدقائق القليلة الأولى باختبار أحدهما للآخر بحذر من أجل الإحماء.