حاول الحفاظ على انفتاح ذهنه، وحاول فعلاً، لكنه لم يطق المادة أبداً. درّست العكس تماماً للطريقة التي يستخدم بها طاقة المانا. حيث كان هو أكثر بديهية في استخدامه، كانت هي منظمة وجامدة. أفضل طريقة تمكنه من وصف الأمر كانت مقارنته برمي كرة بيسبول نحو هدف على الجدار. مثلاً، عندما رمى جوليوس كرة بيسبول، لم يكن مضطراً لحساب المسافة بدقة ولا الزاوية المثلى لرميها لتستقر في منتصف الهدف.
بل استطاع بالفطرة معرفة مدى قوة رميته وكمية التقوس التي يحتاجها لتصيب الهدف. جاء الأمر من خبرة رمي الكرة مراراً عبر مسافات مختلفة طوال حياته. كانت البروفيسورة ستيوارت تدرس الصف كيفية إيجاد مسافة الهدف بدقة، ومقدار الطاقة التي تحتاجها لرميها بزاوية محددة لتحقيق الشيء نفسه. بدا الأمر معقداً وغير ضروري لشيء بهذه البساطة. لو كان عليه فعل ذلك في معركته مع القزم، لحطمه القزم حتى حوله إلى عجينة قبل أن يبدأ حتى في تكوين بنية.
صحيح أن طريقتها قد تكون الأكثر دقة تقنياً، لكن جوليوس لم يصدق أنها عملية إلى هذا الحد. قد تتمكن من استخدام قدر معين من التعاويذ بمستوى عالٍ من البراعة، لكنك ستجد صعوبة أو شبه استحالة في تغيير تعويذة أثناء الحركة. ربما كان جوليوس ظالماً وقاسياً أكثر من اللازم. كان الدرس الأول في نهاية المطاف. كان عليه منحها فرصة. من جهة أخرى، رأى ترستان في ذلك الصف. كان في الخلف مع النبلاء الآخرين ولم يلتفت نحوه ولو لمرة واحدة.
حرص جوليوس على توخي الحذر، لكنه لم يكن قلقاً بالقدر نفسه الذي شعره عند رؤية ترستان لأول مرة. كان درس جوليوس التالي هو الارتقاء بالمراتب. يمكن للمرء تخمين ذلك من الاسم، لكن إن لم يكن واضحاً، فهو درس يناقش كيفية عمل التقدم عبر المراتب. كان ذلك الدرس أكثر إمتاعاً. درّسه البروفيسور يوما وكان رجلاً طيباً للغاية. شرح للصف أنهم سيمضون وقتاً طويلاً في التأمل ومحاولة التقدم خلال فترة هذا الدرس.
عندما دخل جوليوس في البداية، تفاجأ برؤية الصف منظماً في نصفه الأول بمكاتب وغرفة دراسة تقليدية، وفي النصف الآخر وسائد وكراسي لينة للتأمل. كان البروفيسور يوما جالساً فوق مكتبه متصالب الساقين. كان رجلاً مسناً، حتى بالنسبة لشخص في مرتبة عالية. راقب من مكتبه الطلاب وهم يتوافدون ويجدون مقاعدهم. وما إن جلس الطالب الأخير حتى نزول عن مكتبه وبدأ يتجول في الغرفة. رغم كبر سنه، راقبه جوليوس وهو يتحرك بخفة تشهد على شخص كان مقاتلاً خبيراً في أيام شباته.
كانت قدماه خفيفتين، تكادان تنزلقان على الألواح الخشبية للأرضية، وكل استدارة منه كانت دقيقة ومجتهدة. كان يصعب شرح الأمر، لكنه بعث بنوع مختلف من الحضور. كان البروفيسور إدواردز هو النمط المخيف الذي أطلق هالته بلا قيود ليضغط على طلابه. وكانت البروفيسورة ستيوارت من النوع الصارم وبدت هالتها محتدمة لكنها باردة وحازمة. أما البروفيسور يوما، فكانت له هالة لطيفة كالماء. كانت قوية، واعتقد جوليوس أن هذا الرجل في المرتبة الرابعة على الأقل، لكنها كانت منضبطة للغاية، تشبه هالة ديسلان.
كان حضوره كلما لامس طالباً آخر يبدو كشعاع شمس دافئ ومريح. لم يجبر الطلاب على الخوف منه أو احترامه. مع ذلك، كانت حركاته وطريقة حديثه هي ما استهوى انتباه الطلاب. اتسم البروفيسور يوما برزانة افتقدها الأساتذة الآخرون. جعل البقية يبدون وكأنهم يحاولون إبهار الطلاب، بينما لم يظهر البروفيسور يوما بمثل هذه الصورة. أراد الطلاب احترامه من تلقاء أنفسهم. حتى طريقة حديثه إلى الطلاب كانت عفوية وشخصية تشبه ما يسمعه المرء من جده.
في النصف الأول من الدرس، تحدث عما يمكنهم توقع فعله خلال العام، شأنه شأن الأساتذة الآخرين. لكن جوليوس استخدم [الادراك المكاني] ليستشعر ما حوله، ويقيس ردود فعل الطلاب الآخرين، وتفاجأ بأن كل واحد منهم، بل وحتى النبلاء، كانوا يتعلقون بكل كلمة يلفظها. قال البروفيسور يوما إن هذا الدرس يركز على ايصالهم إلى المرتبة الثانية. يعني ذلك أن معظم الوقت سيمضون في التأمل أو طرح الأسئلة حول تقدمهم المستقبلي.
تحدث البروفيسور يوما عن التقدم إلى المرتبة الثانية قليلاً، لكنه ذكر حتى هو أنه ليس هناك الكثير ليقال. كانت المرتبة الثانية مرتبة بسيطة للغاية لتحقيقها. كل ما تطلبه الأمر بعض الوقت والجهد للتقدم. طالما كنت قادراً على تشبّع جسدك بالمانا من جوهرك، ستتمكن من التقدم بسهولة. تذكر جوليوس أن إدووين ولوكاس قالا الشيء نفسه. في المرتبة الثالثة وحدها بدأت الحاجة لتلبية المزيد من المتطلبات.
تطرق البروفيسور يوما أيضاً إلى بعض جوانب التقدم إلى المرتبة الثالثة. ذكر أن المهارات كانت عاملاً مهماً للتقدم. زاد التقدم من حجم روح المرء، لكن للتقدم إلى المرتبة الثالثة، احتاج المرء إلى تحسين جودة روحه، وبدو أن تطور المهارات كان وسيلة جيدة للقيام بذلك. كان الإجماع العام هو الحاجة لامتلاك ثلاث مهارات نادرة على الأقل للتقدم إلى المرتبة الثالثة. وبدون ذلك، يجد معظم الناس أنفسهم عاجزين عن التقدم أو قد يعلقون في المرتبة الثالثة بقية حياتهم.
في غولدنكريست، تدرب الطلاب على رفع جميع مهاراتهم أو معظمها إلى الرتبة النادرة قبل محاولة التقدم. كلما كانت جودة روحك أفضل، كان تقدمك أفضل. لا يعني ذلك أن تطور المهارات كان الوسيلة الوحيدة لتحسين جودة روحك. يمكن لأمور مثل التجارب المؤثرة أن تزيد من جودة روحك أيضاً. بل كانت هناك كنوز مرغوبة بشدة قادرة على تحسين الروح بشكل كبير. شرح البروفيسور يوما لجوليوس عن التقدم في نصف ساعة أكثر مما كان جوليوس ليحققه لو أمضى كل يوم لمدة أسبوع يبحث في المكتبة بمفرده.
ربما عثر على بعض الكتب التي تناولت الأمر، لكن البروفيسور يوما استطاع وصفه ببساطة شديدة جعلت جوليوس والصف بأكمله يفهمونه بسهولة. في بقية الدرس، جعل البروفيسور يوما الطلاب يحاولون البدء في التركيز على تشبّع المانا من جوهرهم في جميع أرجاء أجسادهم، مع عرض تقنيات تسرع هذا التقدم. بعد ذلك، وعند انتهاء الدرس، أبقى البروفيسور يوما مجموعة من الطلاب، وكان جوليوس مدرجاً في هذه المجموعة.
ما إن غادر بقية الطلاب، جلس فوق مكتبه وتحدث إلى الطلاب البقيّة: "طلبت منكم أنتم الستة عشر البقاء إما لأنكم تقدمتم بالفعل إلى المرتبة الثانية أو لأنكم في الخطوة الأخيرة. أما بالنسبة لمن حققوا المرتبة الثانية بالفعل، فهنيئاً لكم فهو إنجاز كبير. لن يتغير الكثير من أجلكم، سيبقى هذا الدرس درساً تركزون فيه على التقدم، لكن في المرتبة الثالثة الآن. وأما بالنسبة لمن هم على وشك الوصول، فأنتم أحرار في التقدم متى ما كنتم مستعدين. فالبلوغ إلى المرتبة الثانية واكتساب جسد التقارب قد يكونان فوضويين نوعاً ما، لذا إن رغبتم في الاختراق، أنصحكم بإخباري أو إخبار موظف آخر ليدلكم على غرفة مخصصة حصرياً للتقدم إلى المرتبة الثانية".
استذكر جوليوس تجربته في الوادي عندما حصل على [التعزيز الحركي]. إن كان التقدم إلى المرتبة الثانية شبيهآ بذلك، فهو يفهم لماذا ظن الناس أنه فوضوي. ما زالت لديه مخلفات في شقوقه الخاصة بعد أسابيع، ولم يستطع فركها عن نفسه أخيراً إلا بعد استحمامه الأول في هيستون. بعد تلك المحادثة السريعة، شق جوليوس طريقه إلى درسه الإلزامي الأخير في اليوم. كان القتال التطبيقي هو الأخير قبل حصصه الاختيارية.
اختلف عن البقية، فبدل حصة مدتها ساعة، استمر لساعتين. كان أيضاً الدرس الذي توقع تعلم الكثير فيه. قال إدغار إن القتال التطبيقي كان على الأرجح الدرس المفضلة للجميع، لا سيما الطلاب المهتمين بالقتال. في ذلك الدرس، سيتعلمون تكتيكات وتقنيات خاصة بالقتال، إلى جانب فرص للقتال الحقيقي. وقع صف القتال التطبيقي في مبنى كبير يشبه ذلك الذي أدى فيه امتحانه العملي للقبول. كانت قاعة رياضية واسعة مقسمة إلى أقسام.
كان البروفيسور رووي هو أستاذ المادة وبدا قصيراً بشكل مفاجئ. لم يكن طوله يتجاوز خمسة أقدام ونصف. لم يبدو كمقاتل أو خطير البتة. مع ذلك، لم يدع جوليوس ذلك يخدعه. من بين كل أستاذ قابله حتى الآن، شعر غابرييل والبروفيسور يوما وحدهما بالقرب من هالة هذا الرجل من حيث القوة. اشتبه جوليوس في أن البروفيسور إدواردز كان في المرتبة الثالثة العليا، والبروفيسورة ستيوارت في المرتبة الرابعة الدنيا إلى الوسطى، وغابرييل والبروفيسور يوما نحو قمة المرتبة الرابعة.
يعني ذلك أن هذا الرجل القصير وغير المخيف كان أكبر بكثير مما يبدو عليه. رغم ذلك، لم يتمكن جوليوس من استشعار هالة الرجل إلا بفضل مهارته. كانت مهارة [تمكين الإرادة] التي يتعلمها مهارة رائعة. لم تقتصر على تمكينه جسدياً فحسب، بل عملت بكفاءة عالية عندما استخدم [الإدراك المكاني] أيضاً. أصبح جوليوس أكثر حساسية تجاه الهالات عندما فعل كلتا المهارات في وقت واحد. لم يعن ذلك تعزيز مهارة إدراك عنده، كلا، لم يكن ذلك ممكناً بعد.
لكنها منحته طريقة أخرى لتوسيع إدراكه. مثلاً، في وقت سابق مع البروفيسور يوما، لم يعتقد جوليوس أنه كان قادراً حتى على لمس نفحة من هالته. كانت منضبطة مثل هالة ديسلان. بفضل مهارته الجديدة وحدها استطاع معرفة أن البروفيسور يوما كان بهذه القوة. بدا الأمر وكأن المهارة قد عززت قدراته على استشعار الهالات وكأنه ينظر عبر تلسكوب شديد الوضوح بدل منظار مزدوج قذر ومكسور. لم يكن ذلك هو الشيء الوحيد أيضاً.
صباح اليوم خلال لقائه العابر بليام، تفاجأ بمدى إخفاء مشاعره الجيد بواسطة مسبار ليام. حتى مع تدريبه رفقة ديسلان، لم يكن هناك سبيل ليتمكن من إبعاد ليام. التفسير المعقول الوحيد هو أن [تمكين الإرادة] قد ساعده في تحصين هالته وعقله ضد الاختراق. امتلك البروفيسور رووي تحكماً مشابهاً لهالته، لكن الأمر بدا لجوليوس كأنه يرى دب غريزلي يحاول الاختباء تحت بطانية. قد لا يرى جوليوس بوضوح، لكنه استطاع تمييز الحجم والشكل العام، مما سهل تخمين مدى قوته.
لم يعن ذلك أن الطلاب الآخرين امتلكوا قدرته. على عكس البروفيسور يوما، لم يمتلك البروفيسور رووي الرزانة والهدوء اللذين أسرا طلابه. بدلاً من ذلك، بدا البروفيسور رووي كشخص أبله، يركض بجنون قبل الدرس، ويبتسم كصبي صغير. لا شيء مما يطلب الاحترام من مجموعة مراهقين. لهذا لم يتفاجأ جوليوس عندما رأى العديد من النبلاء يبدأون سوء السلوك على الفور. مرت بضع دقائق فقط على مقدمة البروفيسور رووي حتى بدأت مجموعة صاخبة من الطلاب تتحدث بصوت عالٍ نسبياً فيما بينها.
لاحظ جوليوس بدء انزعاج العديد من الطلاب الآخرين من وقاحة المجموعة. أصبحوا أصواتاً أعلى فأخذوا يقهقهون كفتيات صغيرات بين أنفسهم. راقب جوليوس البروفيسور رووي وهو يوشك على بلوغ نهاية صبره.