ضحك يوليوس خفيفاً وحك رأسه.
قال موضحاً، وهو يلقي نظرة خفية على بعض القوافل الأخرى المتجمعة للرحيل: "بصراحة، كنت أراقب عملاءك والآخرين المنضمين إلى مجموعتك. حسب ما تبين لي، بدا أنهم أشخاص منضبطون وأصحاب أخلاق حسنة. وبدا أيضاً أنهم مألوفون لديك، لذا استنتجت أنه يمكن الوثوق بك، أو على الأقل أكثر من غيرك".
ثم أتم قائلاً: "لاحظت أن الكثير من القوافل الأخرى لا تضم أشخاصاً بمثل هذه الأخلاق في مجموعاتها".
تلك كانت الحقيقة أيضاً. كان هناك عدد كبير بشكل مفاجئ من القوافل التي يضم تشكيلها أشخاصاً أشعث الأبدان. ليسوا أشعث فحسب، بل استشفّ من هالاتهم أن نواياهم لم تكن بالنقاوة المطلوبة. شك يوليوس في أن ينضم هؤلاء إلى القوافل لمجرد مهاجمتها لاحقاً، لكنه إن أراد السفر مع جماعة لفترة، فأراد التأكد من صلاحهم. بدا التجهّم على وجه التاجر وهو يستوعب كلمات يوليوس.
"أهذا كل شيء؟"
حك يوليوس رأسه مجدداً.
"وبدت عرباتكم أكثر راحة بقليل من بعض العربات الأخرى".
انتزع هذا منه ضحكة خفيفة.
"الراحة لها ثمنها بالطبع".
"لا بأس، يمكنني الدفع. أهذه موافقة إذن؟"
طبق التاجر شفتيه قبل أن يلتفت فجأة.
ونادى بصوت عالٍ على رجل كان يتحدث مع شخص على بعد بضع عشرات من الأقدام: "هيا، آرلن! تعال إلى هنا لحظة".
استدار آرلن سامعاً اسمه. لم يكن قصيراً تماماً، لكنه لم يكن طويلاً أيضاً. ارتدى بدلة خضراء داكنة أنيقة تناسقت مع خصلات شعره الخضراء قليلاً. ووضع على حافة أنفه نظارة ذات إطار سلكي. استأذن من محادثه الحالي وخطا نحوهما بملامح فضولية.
"أتطلب شيئاً، والتر؟"
أشار التاجر، الذي تبين أن اسمه والتر، نحو يوليوس.
"يريد الانضمام إلى مجموعتنا. ما رأيك؟"
أمعن آرلن النظر في يوليوس. سرت في عينيه ومضات خافتة من الطاقة السحرية، دلالةً على استخدام مهارة أو تقنية ما. كان يوليوس يتعمد جعل هالاته أقوى بقليل من المعتاد، دون مبالغة تبهر الأعين. أراد الظهور بمظهر سليل ثري لعشيرة تلقى تدريباً، لا أكثر من ذلك. أدرك أن كبح هالاته، أو إظهار هالة ضعيفة عمداً، يبدو أكثر إثارة للشبهات أحياناً. ناهيك عن أنه استبعد نجاح تلك الحيلة مع هذا الرجل.
لم يذكر يوليوس هذا، لكنه كان السبب الآخر لرغبته في الانضمام إلى هذه القافلة. فرغم أن آرلن لم يبدو مبهراً في ظاهره، إلا أنه استطاع تمييز المهرة. كشفت طريقة تحكمه بهالاته وطاقته السحرية عن امتلاكه لمهارة ما. وفوق ذلك، عنى ظهوره بوصفه الرجل الثاني لوالتر تمتعه بكفاءة عالية. حسب تقدير يوليوس، بدا والتر تاجراً ناجحاً. ودلّ على ذلك عدد التعويذات القوية وجودة الحراس سوى آرلن.
و "ما اسمك؟"
سأل آرلن بينما لا تزال عيناه تتوهجان بالطاقة.
أجاب مبتسماً: "يوليوس".
"أتنتمي لأي عشيرة أو طائفة؟"
"ليس في الوقت الحالي".
"أمجرم أنت؟"
هز يوليوس كتفيه.
"لا أظن ذلك".
بدا أن هذا قد أسلّى آرلن قليلاً.
"أستتسبب لنا بأي مشاكل إذا سمحنا لك بمرافقَتِنا؟"
هز يوليوس رأسه.
"لا يا سيدي".
حدق فيه آرلن بضعة لحظات إضافية قبل أن يومئ لوالتر.
"أظن أنه مناسب".
قرع والتر ذقنه، كأنه لم يقتنع تماماً.
لكنه أومأ برأسه في النهاية وقال ليوليوس: "نتوجه إلى غولدمير، لكننا سنقوم بعدة توقفات على طول الطريق في بلدات ومدن مختلفة. أيلائمك هذا؟"
"نجل، يناسبني تماماً".
قال والتر بابتسامة دافئة: "حسن إذن، اذهب ورافق جينين هناك".
تتبع يوليوس إشارة الرجل ولمح المرأة التي كانت تنظم باقي أفراد القافلة. شكر الرجلين قبل أن يتوجه إليها ويعرفها بنفسه. بدت مترددة بعض الشيء، لكنها أصبحت ودودة للغاية فور إخباره لها بموافقة آرلن ووالتر. دفع لها الرسوم. كلفه الأمر نحو عشر قطع ذهبية، وتيقن تقريباً من أن المبلغ يتجاوز بكثير ما دفعته المجموعات الأخرى. أو ربما كان يتعرض لعملية نصب، لكنه لم يقلق نظراً لوجود كومة حرفية من البلاتين والذهب في مساحة تخزينه.
ولكي نكون منصفين، فقد كان الأمر يستحق عناءه. تذكر عند دخوله العربة إحدى عربات القطارات الفاخرة. اتسعت مساحتها الداخلية وسارت صفوف عديدة من المقاعد على جانبي النوافذ. أدرك أن العربات المعحوزة بهذه الطريقة باهظة الثمن للغاية، لذا بدأ السعر يكتسب منطقية. بل إن أحد أفراد طاقم القافلة عرض عليه بعض الوجبات الخفيفة المجانية. شيئاً لم يكن لينويه بالرفض. أخذ وقته لفحص بقية ركاب المقطورة ميدانياً.
لمس وجود زوجين شابين قربه بدا الثراء واضحاً عليهما. وجلست عائلة مكونة من أربعة أفراد بالقرب من المؤخرة. راح الطفلان يلعبان بنوع من الألعاب بينما تابعهما الأبوان بابتسامات مسرورة. جلست امرأة شابّة جذابة بشكل قطريّ منه. وبدت وكأنها نبيلة بكل ما تحمل الكلمة من معاني. الفستان، والمجوهرات، والهالة المتباعدة قليلاً المحيطة بها. لكنه لاحظ أيضاً امتلاكها لعدة أغراض بالغة القوة على جسدها.
أغراض جعلت اكتشاف هالتها أمراً شديد الصعوبة تطلب الكثير من تركيزه. ومع ذلك، لم يحصل إلا على القليل من المعلومات. بل التقط نفحات خفيفة لشيء مشرق وحيوي، أشبه بشم رائحة حديقة مزهرة. لفت انتباهه ركاب آخرون. رجل طاعن في السن يرتدي رداءً باهظ الثمن. ثم شاب آخر، أكبر سناً بقليل من يوليوس، لكنه بدا متوتراً بعض الشيء. كان يتلفت في العربة باستمرار ويلوي الخاتم حول إصبعه بقلق طفيف.
مثّل الشخص الوحيد الذي لاحظ يوليوس شذوذه عن المكان. فلم يرتدِ ملابس فاخرة ولم تظهر عليه علامات الثراء، ورغم ذلك وجد نفسه هناك. حتى يوليوس ارتدى بعض الملابس الأنيقة. مما يناسب شخصاً يتظاهر بأنه سليل ثري. لم يستوثق يوليوس من أمر الشاب في البداية، لكن بعد أن اقتربت جينين وتحدثت إليه بمحبة، اتضح جلياً وجود أمر آخر. ربما كان مجرد صديق للعائلة يحظى برحلة مجانية أو ما شابه.
لم يشكل الأمر هجماً بالنسبة إليه في النهاية، لذا استقر في مقعده، مسترخياً بارتياح على المقعد الوثير. بل شعر بنفسه يغفو بعد أن بدأت العربة بالتحرك مبتعدة عن مدينة شمس المحرقة، تاركةً وراءها طائفة شمس المحرقة.
* * *
وجهة نظر آرلن راقب الشاب وهو يبتعد. ورغم أن أياً من مهاراته لم تنبهه لوجود أي شيء مريب، إلا أنه لم يستطع منع شعوره بغرابة ما تحيط به. ولا بد أن والتر شعر بمثل ذلك أيضاً، وإلا لما استدعاه ليناقشه دونه. جمعت بينه وبين والتر صداقة امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً رغم اختلاف شخصيتيهما التام. كان آرلن ابن لعائلة مزارعة فقيرة بالكاد تكفي أطفالها وهرب مع أول فرصة سنحت له. بينما كان والتر الابن المنبوذ لعائلة تجارية ناجحة.
ولم يحب والتر الحديث عنهم كثيراً، بل إن جزءاً من دوافعه لتأسيس شركته الخاصة تمثل في إثبات خطأ عائلته. انضمان إلى قاعة خارقي السحاب في نفس الفترة الزمنية تقريباً، وغادرا القاعة معاً قبل عقد من الزمن عندما أراد والتر تأسيس مجموعته التجارية الخاصة. وسارت الأمور بشكل رائع حقاً حتى الآن. شكلت قاعة خارقي السحاب مكاناً ممتازاً للتعلم وشق طريقهم عبر الطبقات، لكن غياب الحرية أزعجهما معاً.
منحتهم شركة سماء نيمبوس الحرية التي تاجا إليها بيأس. وحققت نجاحاً باهراً في السنوات الأخيرة. وبفضل ذلك، تمكن آرلن أخيراً من التقدم إلى الطبقة الخامسة، ولم يكن والتر بعيداً عنه. رغم اعتماد صديقه كلياً على الكنوز. لم يكن الأمر بالخطير نظراً لعدم تخطيط والتر لتجاوز الطبقة الخامسة. فهجر معظم الناس تلك الفكرة؛ مدركين أن بلوغ الطبقة السادسة ليس سوى أضغاث أحلام. لكن آرلن استمر بالاستمتاع بفكرة وإمكانية العبور إلى ذلك العالم المهيب.
أحب والتر مضايقته بهذا الخصوص، لكنه آمن حقاً بامتلاكه لفرصة حقيقية. مهما صغرت.
سأل فور ابتعاد الشاب بمسافة كافية: "أتعتقد أنه يخفي شيئاً؟"
هز والتر كتفيه.
"على الأرجح، لكن الجميع يخفون شيئاً ما".
سخر آرلن. كان ذلك صحيحاً تماماً. يمتلك كل فرد أسراره، وجزء من العمل كتاجر يكمن في إدراك متى يجب عدم الفضول.
"فلماذا تسمح له بالانضمام إذن؟"
قهقه والتر وأخرج غليوناً. أشعله وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يعرضه على آرلن. تقبل الأخير الغليون وأخذ نفساً عميقاً وخاصاً به. نفث والتر سحابة دخان، محركاً معها بعض طاقة الرياح لتسبح مخلوقات صغيرة تشبه التنانين في الهواء.
وأردف قبل أن يلتقط الغليون من آرلن ويأخذ نفساً آخر: "لأنه مهتم. ماذا؟ أتشعر بالقغق من تسببه بالمشاكل؟"
أرسلت نيميس، روح الرياح الخاصة به، هبوب ريح بعثرت الدخان في سماء الصباح. لم تحب التدخين قط وحاولت دائماً دفع آرلن للإقلاع عنه. هز آرلن رأسه.
وأجاب: "لا، يبدو شاباً لطيفاً".
حسب تقديره، لم يبدو الشاب من النوع الذي يفتعل المشاكل. واشتبه في قدوم يوليوس من عشيرة أو طائفة، رغم إظهار يوليوس لتردد طفيف عند سؤاله عنه سابقاً. ودلت طريقته في التعامل مع هالاته على تلقيه تدريباً متقدماً. ناهيك عن امتلاكه للمال الكافي لتحمل تكاليف هذه القافلة. لكنها كانت النقطة الوحيدة، ولن تكون المرة الأولى التي يشهد فيها آرلن مثل هذا الأمر.
سألها: "ما رأيك يا نيميس؟"
عادةً ما امتلكت حاسة ممتازة تجاه البشر. تلقى نسيمًا خفيفاً مليئاً بمشاعر دافئة وإيجابية كرد.
ونقل إلى والتر: "تبدو وكأنها معجبة به".
لكنه تفاجأ قليلاً في قرارة نفسه. لم تحب نيميس الجميع؛ فقد اتسمت بطبع متقلب، وهي سمة شائعة لدى أرواح الرياح. لذا اعتبر تكوينها انطباعاً جيداً عن الفتى علامةً إيجابية. صفق والتر بيديه وأبعد الغليون.
"أرأيت؟ لا داعي للقلق. ولا سبب لرفض أموال سهلة. وإن انتهى به المطاف بافتعال المشاكل، فسنتعامل مع الأمر حينها".
"وماذا لو كانت تلك العشيرة أو الطائفة تلاحقه؟"
تنهد والتر.
"حينها سنتعامل مع الأمر. تأكد من جاهزية كل شيء. هذه الشحنة القادمة مهمة. ينبغي تسليمها إلى اللورد يوشو في أسرع وقت ممكن. يريدها قبل عيد ميلاد ابنته، وعلينا إتمام تسليماتنا الأخرى قبل ذلك".
سأل آرلن بفضول: "أتحققت من وجود أجزاء مشاكل إضافية في المناطق المحيطة؟"
هز والتر كتفيه.
"يبدو أن طائفة شمس المحرقة قد هدأت، لكن مصادري تخبرني بوقوع حدث ضخم هناك خلال مهرجان الانقلاب".
حك آرلن رقبته.
"نأمل ألا يدفعهم ذلك لتشديد الإجراءات الأمنية كما فعلوا قبل بضعة أشهر. لا أود التعامل مع شيء كهذا مجدداً".
"هذا ما يحدث حين تفقد طائفة بهذا القوة هذا العدد من التلاميذ الداخليين. وأنا في الواقع مفاجئ لعدم تفاقم الأمور أكثر من ذلك. لاغتنم طوائف أخرى الفرصة لقمع أي شائعات بالقوة. أَتذكر ما حدث مع طائفة البوصلة اليشمية قبل بضعة أعوام؟"
كشر آرلن.
"لا تذكرني".
تورطت طائفة البوصلة اليشمية قبل بضعة أعوام في وضع محرج للغاية ضم عدداً من شيوخها والعديد من تلاميذها. وباعتبار طائفة البوصلة اليشمية طائفة من الطبقة المتوسطة العليا، فقد أرادوا ثني الناس عن الحديث السيء عنهم. ونتج عن ذلك حملة إبادة استمرت عدة أشهر لأعداء الطائفة وكل من تحدث عنها بسوء. تحول الأمر بطبيعة الحال إلى مشكلة أكبر، وتحالفت عدة طوائف لمحاربتهم. ومات عشرات الآلاف، لتتحطم طائفة البوصلة اليشمية في النهاية وتتجزأ بقاياها لتُوزّع بين الطوائف المتبقية.
أما عن شركة سماء نيمبوس، فقد حالفهم سوء الحظ وتورطوا في كامل الموقف. ولحسن الحظ، خرجوا منها بأقل الخسائر الممكنة. همّ والتر بقول شيء آخر حين ركضت جينين نحوهما مخبرة إياهما بجهوزية كل شيء. أطلق الاثنان تنهيدة واستعدا للرحيل. على ألا يصطدما بأي مشاكل هذه المرة وأن يُتما مهمة اللورد يوشو دون أي عقبات.