درب التسامي الفصل 684 — جوهر العالم

اقرأ درب التسامي الفصل 684 — جوهر العالم باللغة العربية على مانجا تايم.

كان مذهلاً حجم الأثر الذي يمكن أن يتركه مفهوم واحد فيه. اكتسب السكينة المشتعلة فغمرته فوراً طمأنينة هادئة وثقة لم يعهدهما من قبل. لم يكن متكلفاً بأي حال لكنه أدرك أنه كان حاد الطبع على الدوام. يتوقع الأسوأ في كل لحظة. لم يرغب في القول إن روحه كانت فاقدة للتوازن تماماً لكن مع ما آلت إليه بعض قدراته من نزعة تدميرية وطاغية كان هذا التغيير موضع ترحيب كبير. بالنظر إلى الوراء كانت روحه معلقة باستمرار على حافة جرف ولم يبقَ عليها من السقوط في الهاوية سوى إرادته وعناده.

غير أن هذا المفهوم الجديد أصلح الأمور. وازن الجوانب المدمرة والهادمة في روحه على نحو لم يدرك أنه بحاجة إليه إلا بعد أن ناله. بينما كان يسترخي ويستعيد عافيته طوال الشهور القليلة الماضية لم يعش سلاماً حقيقياً حقاً. ظل هناك دائماً جزء منه متوتر أو قلق بشأن أمر ما. كما عجز عن الاسترخاء حقاً لأن هالته الخاصة كانت تحاول التهامه بلا توقف. لكن ذلك الضغط تبدد فجأة. ولأول مرة منذ وقت طويل لم يشعر بأنه مضطر لترويض هالته.

مفهوم التوازن الجديد تكفل بذلك نيابة عنه. مانحاً إياه فرصة لتذوق بعض السلام. صار العالم أكثر إشراقاً وبهجة فجأة. حتى الهواء بدا أكثر حيوية. تلألأت المانا في حواسه لدرجة جعلت قلبه يثب في مكانه. لا بد أن دراسيل وسيرافين قد شعرا بالتغيير أيضاً فقد ظهرا على كتفيه. وبثاثه دفعات من المشاعر الفضولية.

سألت سيرافين: "أنت بخير؟"

مد يده وفرك رأسيهما الاثنتين.

"لا تقلقا، أنا بخير. أنا بخير حقاً في الواقع"

قالها بضحكة خفيفة وأخذ يشاركها الدفء وشعور السلام الذي يغمره. بدا ذلك مقنعاً أكثر من كلامه وشعر بهما ترتخيان ضاغطتين عليه وهما تستمتعان بسكينة اللحظة. وهكذا جلس وجلس الثلاثة على الأرض معاً لا يفعلون شيئاً سوى تبادل مشاعرهم. بطريقة ما لم يكونا أكثر ارتباطاً قط مما كانا عليه في هذه اللحظة. لكنه انتزع فجأة من هذه اللحظة عندما شعر بشيء ينقر خده. التفت يوليوس برقبته ولمح دراسيل ينحني وينخس وجهه.

تنهد يوليوس عالماً ما يبتغيه الصغير وبسهولة معتادة كوّن كرة كثيفة من المانا وناوله إياها.

قال مطرقاً برأسه: "أقسم أنك صرت أكثر شرهاً من ذي قبل. أتعلم، إن واصلت التطور فلست أدري إن كنت سأملك ما يكفي من المانا لإعالتك".

أطلق دراسيل صفريراً مرحاً غير آبه البتة وبدأ بسرعة يمتص الكرة مستنزفاً كمية هائلة من المانا بسرعة مرعبة. لم ينته الأمر عند هذا الحد. بل نُخس مرة أخرى قريباً من قبل سيرافين هذه المرة.

سأل بصدمة: "ماذا؟ أنت أيضاً؟"

بدا أن شره دراسيل معدٍ وقد أصاب سيرافين به. بدت خجلة للحظة وأدارت وجهها عنه. أطلق تنهيدة أخرى لكنه أخرج صندوق طعامه فوراً. كان الدجاج المهروس على الغلاف يلمع ببريق خفيف بفعل الكرة الحمراء التي ما زالت تحوم في الأفق. أخرج شطيرة من داخله وناولها إياها. تلقتها بابتسامة عريضة. إذ قرر المضي للنهاية أخرج غطاسه أيضاً ولّفه حول كتفيه حريصاً على أن يكونا على اتصال به أيضاً.

سري مفعول الغطاء فوراً وشعر بدفعات كبيرة من الامتنان والسعادة تغمرهما منهما. إذ لم يرى سبباً لعدم مشاركتهما أخرج بسكويت سكر وبدأ يقضمه إلى جوارهما. ولما امتلأت بطونهما عاد الثلاثة للاستمتاع بهذه اللحظة الهادئة.

* * *

تسنى لهما قضاء وقت لا بأس به معاً. أكثر مما توقع ولكن هيهات، حان وقت الرحيل فطُردا قسراً من ساحات الانقلاب الشمسي ليظهرا مرة أخرى في الفناء نفسه الذي كانا فيه من قبل. عند عودته رأى أن للجميع ردود فعل متباينة. بعضهم كان ملقى على الأرض يلاهث طلباً للهواء. وبعضهم بدا منزعجاً ومحزوناً بسبب ما حدث لهم. وبدو كأنهم مجرد حائرين. لكن كانت هناك قلة قليلة تبدو في غاية السعادة.

خمن أن هؤلاء هم من استغلوا هذه الفرصة بالفعل. في الواقع استطاع أن يلمس شحنة طفيفة في الأجواء. تساءل عما إذا كان الجميع قد نجحوا في الحصول على مفهوم أو نوع من المهارات الجديدة. كان الناس يناقشون ما خبروه مع أصدقائهم بالفعل لكن الأمر لم يدوم طويلاً إذ جرى اقتيادهم خارج الفناء على عجل. لم يدرك سبب الاستعجال لكنه حين لمح كاساندرا انتابه قليل من القلق. لم تبدو مريضة ظاهرياً أو مصابة لكنه لم يستطع استشعار الحضور الثقيل نفسه حولها.

كان ذلك بحد ذاته علامة مقلقة. لم تكن وحدها فقد بدا العديد من الشيوخ شاحبين ومتعبين. تساءل عما فعلوه لخلق مثل هذا الفضاء وبات جلياً أن ثمة ثمناً كان طسوجاً دفعه. كم كان حجم الثمن فلم يكن يعلم. حين عاد إلى جناح شمس النار وجد نفسه يتأمل فوراً في الحديقة بينما كانت نيران الجناح تحيط به من كل جانب. لكن الأمر بدا مختلفاً للغاية هذه المرة. لم تزعجه النيران على الإطلاق. ركز على مفهوم التوازن الجديد فكأن النيران لم تعد موجودة.

استطاع الجلوس براحة وسط النيران بينما كانت تساعد في تنقية جسده. ليس وأن جسده كان بحاجة ماسة للتنقية. لكن هذه النيران ساعدته أيضاً على زراعة سلطته ونواته. وفقاً لذلك بدأ يلاحظ بعض التغييرات على نواته بالفعل. كان وصف جسد العنقاء المدمر يشير إلى أنه غير مثالي وكان يحاول تحسينه. زرعه بغية تحسينه. ولكن هيهات واجه الكثير من الصعوبات. سيما بعد تجربة موته. أبطأ ذلك تقدمه كثيراً.

ولم يبدأ بملاحظة بعض التغييرات إلا الآن وهو يشعر بتحسن. فأولاً نمت النواه بداخله قليلاً جداً. ولاحظ أنها كانت تدور أسرع قليلاً أيضاً. وعلى الرغم من أن المنظر بدا عادياً لكنه سرّ بوجود تغير ما. مكث في المستوى الرابع لفترة معتبرة وشعر بأنه تأقلم مع التغيير. لا تزال مهارته في السلطة بحاجة لبعض العمل لكنه اعتقد أن الأوان قد آن تقريباً لبدء التقدم عبر المستوى الرابع. وبدء عملية اكتساب مجال.

أطلق ضحكة خفيفة عندما أدرك أنه في غضون دقائق معدودة من هذا التأمل أنجز لنواته ما يفوق شهر كامل من التأمل في الماضي. لم يعلم إن كان هذا مجرد ثمرة لمفهومه الجديد أم مزيجاً من عدة عوامل أخرى لكنه لم يكن بصدد التذمر. واصل التأمل إلى أن شعر باحتراد أحدهم يدخل الجناح. تعرف على هيئة كاساندرا فوراً ونهض لتحيتها. وحين دخل غرفة المعيشة رأى أنها قد طرحت نفسها بالفعل على أقرب أريكة وهي ترتشف ما بدا أنه جرعة من المانا قادرة على تفجير مبنى ضخم.

سأل بقلق: "أنت بخير؟"

أوهت: "لا، لكني سأكون كذلك خلال أيام معدودة. إنها مجرد صداع جهنمي".

"ألهذا الحد كان ما فعلتموه عسيراً؟"

"أتقصد خلق بيئة قسراً تحاكي تأثيرات جرعة إشراق متقدمة لكل من يدخلها؟"

فرك رأسه بحرج.

"نعم؟"

حدقت به ببلاهة.

"لا، لقد كان سهلاً للغاية"

قالتها بسخرية. أومأ مبركاً تفاهة سؤاله. وكاعتذار عرض عليها بعض بقايا طعام الليلة الماضية فتناولتها منه بسرور. ثم رمى الغطاء فوقها. كانت بحاجة إليه أكثر منه في تلك اللحظة. بعد أن شبعت بدت أفضل قليلاً فنازلته شيئاً ما. كان شارة صغيرة من نوع ما إلى جانب قطعة ورقية. صُنعت الشارة من معدن أسود وتوسطتها شمس ذهبية حمراء في المقدمة.

سأل بفضول: "ما هذا؟"

"تلك الشارة شيء يمكنك ارتداؤه كلما احتجت إلى أي مساعدة أو موارد من أي حليف لطائفة الشمس المشتعلة. أرهِا لأي شيخ أو تنفيذي وسيتمكنون من التعرف عليها. أما الشيء الآخر فهو خريطة وقد رُمزت لتتوافق مع توقيع هالته لكن إياك أن تفقدها. إنها باهظة الثمن وبها مواقع العديد من المواقع المهمة والشقوق إن أردت استكشافها. لست مجبراً على استخدامها إن لم ترغب. أدرك أنك قد تشعر ببعض الاستياء تجاه الطائفة ومي بي في الوقت الحالي لكني أعدك أنني لم أكن أتوقع أن تؤول الأمور إلى هذا الحد"

قالت باعتذار. تمتم متفكراً وأومأ لها.

"لا بأس. أظن أنني كنت ساذجاً للغاية حين توقعت أنه يمكنني القدوم وفعل ما يحلو لي. مع ذلك خرجت ببعض الأمور الجيدة من هنا وبعض المهارات الرائعة. ذلك الشيء الأخير لم يكن متوقعاً لكنه مقدر".

"كان أقل ما يمكننا فعله".

ابتسم برقة ورفع الشارة أمام وجهه.

"على أي حال، أهذه الشقوق شيء يمكنني استخدامه دون الحاجة لاستئذان أحد؟"

"معظمها، تلك الخاضعة لسيطرة طائفة أخرى، معلَمة. لكن هنالك وفرة من الشقوق واسعة النطاق التي تعجز الطوائف عن فرض سيطرة حصرية عليها. فهي إما باهظة التكلفة، أو يتنافس عليها عدد كبير من الطوائف مما يمنع أي طرف من حيازة حقوق حصرية عليها".

سأل بنظرة عارفة: "أيعني هذا أن الوقت قد حان لكي أغادر؟"

"ألم تكن أنت الراغب في الرحيل؟"

هز كتفيه.

"أنا لا أتذمر لكن لدي بضع أمور أرغب في تدبرها قبل مغادرتي".

"كنز توافقك؟"

أومأ.

"أجل، أريد استهلاكه قبل رحيلي إن كان ذلك مسموحاً".

ابتسمت.

"امكث قدر ما تشاء. أنت تستحق أكثر من ذلك بكثير. من جهة أخرى أردت سؤالك عما حدث داخل ساحات الانقلاب الشمسي. لقد اختفيت لفترة. أحدث شيء ما؟"

هز كتفيه وكان صادقاً.

"عُلقت في فضاء منفصل".

"فضاء منفصل؟ ماذا تقصد؟"

اعتدلت في جلستتها قليلاً حين سمعت ذلك.

"نعم، عُلقت هناك رفقة ما بدا أنه شمس حمراء في الأفق. لست متأكداً حقاً مما كان عليه لكنه ساعدني كثيراً. نلت مفهوماً جديداً بفضله".

اتسعت عيناها قليلاً.

"قلت إنك رأيت شمس حمراء؟ أيمكنك وصفها لي؟"

لم يرَ سبباً للرفض فأخبرها عن الشمس الحمراء وما لاحظه بشأنها. ذاكراً شعور الطمأنينة والتحكم والتوازن. كانت تنقر بقدمها غارقة في التفكير. بدا واضحاً أنه رأى ما لم يكن مفترضاً له رؤيته.

قالت له أخيراً: "لعلك رأيت النواة".

ردد بفضول: "النواة؟"

"نعم، مع لست متأكدة من كيفية حدوث ذلك. لم نتمكن من الوصول إلى النواة واضطررنا للجوء إلى وسائل أخرى لبلوغ العالم".

عبس.

"انتظري، ألم تقولي إنك وبقية الشيوخ خلقتم ساحات الانقلاب الشمسي مؤخراً؟"

أوضحت متوقفة للحظة لتحدق به بحدة: "لقد كذبنا. لا تخبر أحداً سواه، لكن ساحات الانقلاب الشمسي هي نسخة معادة توظيفها لعالم أقدم أنشأه مؤسس طائفتنا منذ زمن بعيد. تلك الشمس الحمراء التي رأيتها كانت على الأرجح نواة العالم وهي التي تمنح وجوده طاقته".

"مهما فعلت، إياك أن تعيد هذا على مسامع أحد. ولا تدع روحة بشرية تعلم بقدرتك على الوصول إلى هذا الفضاء. لا أود حتى معرفة كيف فعلت ذلك. أنا واثقة أن الأمر مرتبط بمفهوم الفضاء الخاص بك، لكن احفظه سراً، أفاهم؟"

أومأ يوليوس ببطء.

"أكل هذا القدر من الأهمية؟"

سخرت.

"نعم، والناس كائنات طماعة، حتى شيوخ هذه الطائفة. لا شي أحب إلى قلوبهم من نيل فرصة الوصول إلى العالم واستخدامه لمآربهم الخاصة".

فرك يوليوس رقبته. لم يكن يخطط لذلك، لكنه شعر بأن شيئاً ما قد صدر عنه مجدداً لم يكن ينبغي له فعله.