قال الشيخ مالريك متنهداً بثقل: "عليك عرض كل فكرة تدريب جديدة عليّ أو على الشيخ ساري، أأمرك واضح؟"
أدار يوليوس عينيه وقال: "لم يكن الأمر سيئاً إلى هذا الحدّ".
لم يردّ الشيخ الأكبر، بل اكتفى بالإشارة إلى كومة الأجساد الساكنة.
اعترف بملامح مذنبة: "حسناً، لكن التمرين لم يكن سيئاً برمّته. الفكرة كانت صائبة، لكني أخطأت في حساب مدى تحمّلهم وما سيحدث لأجسادهم".
سأل الشيخ دون أن ترمش له عين: "على الشيخ ساري أو عليّ، أأنت فاهِم؟"
تنهد وأومأ برأسه.
تمتم بعدم رضا: "أجل، فهمت".
"جيد، سارع إلى شفائهم إذن. أفرضي أن دراسيل سيحسن التصرف؟"
أصدر دراسيل، الذي استقر على كتفه، هديلاً مؤكداً.
قال الشيخ مالريك وهو يمد يده ليربت على رأس دراسيل: "حسناً، اعلم أنه محظوظ جداً بوجودك".
تباهى دراسيل بريشه مستعرضاً إياه أمامه.
قال متنهداً وهو يدير ظهره لينصرف فوراً: "لا أريد سماع تقرير آخر عن هذا، أنا مشغُول جداً في هذه اللحظة".
ما إن غادر حتى حدّق طويلاً في كومة الأجساد.
قال بصوت خفيض لكنه مسموع بما يكفي للجميع: "توقفوا عن التظاهر بفقدان الوعي، انهضوا قبل أن أعيد تشغيل الأمر".
كأنّ صعقة كهربائية أصابتهم. هبّوا جميعاً واقفين، حتى أولئك الذين كانوا في حالة يرثى لها ترنحوا واقفين بمساعدة زملائهم التلاميذ. بدا تهديد تكرار الأمر كافياً لإخافتهم ودفعهم لليقظة. تأوه يوليوس. لقد حالفه الحظ السیء حقاً حين قرر الشيخ مالريك زيارته والاطمئنان على درسه بينما كان يجرب تمريناً جديداً. للحق، لقد بدا الأمر سيئاً للغاية. يزرع التمرين الجديد قطعاً صغيرة من هالته المدمرة داخل أجسادهم، ويُطالبون بإزالتها قبل انتهاء المؤقت.
بالطبع، تباينت المعايير بين شخص وآخر. فقد جمع تحليلاً وافياً لكل فرد في الصف مكنه من تفصيل الأمور خصيصاً لهم. مع ذلك، لم يتوقع التأثير الذي ستخلفه هالته على أجسادهم بعد التعرض الطويل لها. بدَت كأنّ أحدهم قطع وظائفهم الحركية، لانهاروا على وجوههم بينما يكافحون لتخليص أجسادهم من الهالة الداخلية. كانت أجسادهم سليمة نسبياً، لكن المنظر بدا مرعباً حقاً حين يرى أحدهم غالبية الصف مكبّين على وجوههم وعجيزاتهم مرفوعة بلا حراك.
بسط حواسّه فوراً ليحدد من تلقى ضرراً في هالته أو روحه. لم يكن الضرر بحد ذاته فادحاً، لكنه كان مزعجاً وسيزداد صعوبة في الشفاء كلما طال أمد تركه بلا علاج. أشار لهؤلاء الأشخاص نحو دراسيل وأرسل الكائن الصغير لمعالجة مرضاه الجدد. لكنّ روح الحياة كانت تستمتع بهذا. بدا وكأنها تستمتع حقاً بمعالجة الآخرين. سلم يوليوس كرة مصنوعة بعناية من مانا الحياة إلى دراسيل العامل، ثم التفت لتفقد بقية التلاميذ ممن لم يكونوا بحاجة إلى شفاء.
سأل: "حسناً، من يرغب في خوض التجربة مجدداً؟"
لصدمته، أحصى عدداً كبيرًا من المتطوعين عن طيب خاطر. بل لمحه يرفع يده. أدرك أنه منذ عودته، صار التلاميذ يزدادون... حماسة لتحسين هالتهم. جهل السبب الدقيق، لكنه سرّ بذلك. لقد تحسنوا كثيراً طوال هذه الفترة، مما يعني أيضاً أنه دفعهم بجهد أكبر.
قال بابتسامة وهو يمد هالته لتفعيل التعاويذ: "أما الذين لم يرفعوا أيديهم، فيمكنكم الانضمام إلى الشيخة ساري لتنقادوا في تمارين أخرى. وبالنسبة للبقية، بما أنكم جميعاً تستمتعون كثيراً بتدريب الهالة الجديد هذا، فلنخض جولة أخرى".
ربما حذره الشيخ مالريك من المبالغة، لكن إن كانوا هم أنفسهم من يطلب المتابعة، فمن يكون ليردهم؟ المعلّم الحق لا يتردد قط في مساعدة تلاميذه.
* * *
منظور مايا مسحت بقايا القيء عن شفتيها وترنحت واقفة بعناد. لاحظت أنّ الكثيرين من التلاميذ الآخرين يفعلون المثل. لكن أحداً منهم لم يستسلم. لم يحرك هارولد ساكناً للنهوض، لكن ذلك لكونه فاقد الوعي لا لأنه استسلم، لذا لم يُحسب الأمر. نظرت إلى يوليوس الذي كان قد ابتعد متمتماً لنفسه في سبل تعديل التعاويذ وتغييرها ليتمكن من تسليط عبء هالة أثقل عليهم دون الإضرار بمجال أرواحهم أو هالتهم ذاتها.
التفتت أيضاً لتتفقد زميليها الجدد من التلاميذ الأساسيين. كان كورا وزيف تلميذين أساسيين رسمياً، ولم يشكل ذلك مفاجأة كبرى. فقد اقتربا من نيل الترقية منذ مدة طويلة، وجاءت تلك الحملة الاستكشافية إلى المفاوز المحروقة لتدفعهما لتخطّي حاجز الحسم. كانا يستحقان ذلك حقاً. كانا قويين جداً مقارنة بطبقاتهما، وبحسب ما استطاعت جمعه، كان الاثنان شخصين طيبين. لم تستطيع قول ذلك عن كل التلاميذ الأساسيين في الطائفة.
بعضهم كانوا أشراراً حقاً، وكانت تتجنبهم بفعالية متى أمكنها ذلك. وعلى ذكر المفاوز، شكت في أن هذا هو سبب إعطاء الكثير من التلاميذ هذا الدرس قدراً أكبر من الجدية. فمنذ عودة يوليوس، صار الأمر كأنّ أحدهم ضغط على زر مفاجئ. دبّ جوّ من النهم والدفع لم يكن موجوداً من قبل. رغم أن الأمر لم يكن كذلك في البداية. مارس الكثيرون يومهم كالمعتاد، لكن حين انتشرت الأخبار والشائعات عما حدث هناك، بدأت النفوس تتغير.
لم تشهد الطائفة هذا الكمّ من حالات وفات التلاميذ الداخليين دفعة واحدة منذ زمن بعيد. وبدأ الناس يدركون أن الدور قد يطالهم قريباً، ولعل هذا الخوف دفعهم ليصبحوا أفضل. ليأخذوا دروس الهالة هذه بمحمل أجدّ وليضغطوا على أنفسهم. وقد أتى الأمر أُكله، فاليوم مع وصول كورا وزيف وبقية التلاميذ الداخليين، ثبت أن بقية الطائفة باتت ترى هذه الدروس قيّمة للغاية بحيث يفوتهم المشاركة فيها.
كانت هالة يوليوس مميزة للغاية، وطرقياته، رغم فجاجتها ووحشيتها، أتت بنتائج مذهلة للغاية. قبل أيام معدودة، ذهبت للتغلغل في أحد شقوق الطبقة الرابعة الخاصة بالطائفة بغرض التدريْب. لو كان ذلك قبل أشهر معدودة لكانت قد ماتت خلال الساعتين الأوليين. لكنها تشعر الآن بثقة في مواجهة وحش من الطبقة الرابعة. قد لا تفوز دائماً، لكنها قوية بما يكفي لتصمود وتفر عند الضرورة. كان مذهلاً كيف أن تحسناً طفيفاً في قوة إرادتها عزّز كل تقنياتها على طول الخط.
صار كل شيء أقوى، وصار لكل شيء وزن من خلفه الآن. ولم تعد سلطاتهم، رغم افتقارها لواحدة، قادرة على إخضاعها. شكّل ذلك بحد ذاته أحد أمثن ما جنته من هذه التجربة. استطاعت أن تلمس إعجاب كساندرا أيضاً. ربما لم تبح بذلك علانية، لكنها ضبطت كساندرا تومئ برضا مرات أكثر مما شهدته قط. ومع ذلك، لم يبدو الأمر كافياً بعد. كانت تدفع نفسها حتى أقصى الحدود. كان كل يوم صراعاً، وستغرق في النوم قبل أن يلامس رأسها الوسادة، ورغم ذلك لم يكن كافياً.
كان يوليوس لا يزال يسبقها بخطوات. فقد كان يتقدم بالفعل عبر الطبقة الرابعة، بينما بقيت هي محاصرة في الطبقة الثالثة، توثق مهاراتها الأخرى التي تخلفت عن مهاراتها الرئيسية. سمعت شائعات بأنه قضى على وحش من الطبقة الرابعة بمفرده. بالطبع، قيل إنه استخدم تقنية انتحارية للقيام بذلك، لكنه ظل أمراً مثيراً للإعجاب. غير أنها لم تكن بحاجة لمعرفة ذلك لتدرك أنه عاد من المفاوز شخصاً آخر.
استطاعت استشعار ذلك. كان ثقل وجوده ملموساً ويكاد يكون مزعجاً لمن حوله إن لم يضبط هالته تماماً. ما الذي كان يفعله هي ولا تفعله هي؟ لمَ ظلت تشعر بأنها تتخلف بالرغم من موهبتها وعملها الدؤوب؟ حسب ما سمعت، لم يتدرب قط خلال الشهرين الماضيين. فما الذي كانت ترتكبه خطأً إذن؟ غرقت في أفكارها حتى لاحظت اقتراب ثيرا وريس ومافيس. كان الثلاثة معاً على الدوام، وقد ازدادا قوة هم أيضاً.
حتى مايفيس، بشخصيتها الوديعة، كانت تبذل جهداً كبيراً. أثبت بقاؤها في المجموعة الأخيرة حتى نهاية الدرس أن الفتاة تمتلك صلابة أكبر مما يعتقده الناس. بل أكثر مما تظنه مايفيس في نفسها. شكت في أنهم سيصلون جميعا إلى مرتبة التلاميذ الأساسيين قريباً، متى أتيحت لهم الفرصة أو المهمة التي تثبت جدارتهم. ولم تكن تلك هي الحالة الوحيدة. لمحَت كورا تتحدث مع ثيرا عن شيء ما. سمعت لمحة عن صداقة تجمع كورا بثير، لكنها لم تصدق ذلك حقاً إلا الآن.
نادراً ما تنشأ صداقات بين التلاميذ الداخليين والخارجيين.
ناداها ريس: "أهلاً يا مايا".
بعد حضور الدرس ذاته لشهور قليلة، توطدت صداقتهما بسهولة بالغة. كان ريس شخصاً يَسَهُل مصادقته.
أضاف: "كانت كورا على وشك إخبارنا بكل شيء عن وقتها في المفاوز".
قالت كورا وهي تداري عينيها بملل: "لا، لم أكن كذلك. لكنني أردت حقاً أن أسألكن كيف تنجحن جميعكن في مقاومة هالتي بهذه السهولة. آخر مرة رأيتكم فيها، بالكاد استطعتم صياغة جملة أمامي. حتى بقية الصف لم يبدُ عليهم التأثر بذلك القدر".
تمتم ريس: "يمكنك شكر معلمنا على ذلك. لقد صار الوحش أكثر قسوة علينا منذ عودته".
سددت مايفيس ضربة بمرفقها في ضلوعه وألقت عليه نظرة حالكة.
"توقف عن هذا. هذا الحديث هو السبب وراء كون إلغاء هذا الدرس خياراً وارداً في المقام الأول بالكثير من الشائعات والنكات السيئة. ألا تريد إغلاقه، أليس كذلك؟"
تمتم ريس: "لا، بالطبع لا".
"إذن تساعدكم هذه التمرينات جميعاً في التعامل مع تأثيرات الهالات الأخرى؟"
أومأت مايفيس وقالت: "أقرب لكون التعرض المتكرر لهالته يساعدنا في التعامل مع الهالات الإشكالية الأخرى، كهالتك أنتِ، لكن جوهراً، أجل".
"ولم تشعروا بأي آثار جانبية حتى الآن؟"
"ليس بعد. أعني، أُصيب شخص بضرر بالغ، لكنه كان خطأه هو. لقد ضغطوا على أنفسهم بإفراط واضطروا لتلقي العلاج. ألم تسألي ثيرا عن هذا بالفعل؟"
"فعلت، لكنني أردت التأكد منكم. هل كل الجلسات هكذا؟"
سألت كورا بابتسامة متألمة خفيفة، كأن ذكرى التمارين كانت مؤلمة. هزّ ريس كتفيه.
"ليس طوال الوقت. كان يحاول شيئاً جديداً، لذا كان هذا أكثر إيلاماً من المعتاد".
"ولا زلت تشعر برغبة في خوض الأمر برمته؟"
"بالتأكيد، وبفضل هذه الدروس، أصبحت سريعاً أحد أقوى أفراد الطبقة الثالثة في الطائفة. في مهمتي الأخيرة، أطحت بوحش من الطبقة الرابعة وحدي. لم تستطع سلطتهم تأثيري بنفس القدر، ونجحت في القضاء عليه قبل أن يفعل أي شيء آخر"، قال ريس بافتخار.
أشارت ثيرا بهدوء لكن بصوت مسموع للجميع: "لقد كان وحشاً ضعيفاً من الطبقة الرابعة في أفضل الأحوال".
جادل ريس: "ظلّ من الطبقة الرابعة".
"وكذلك ألدان من قاعة الخيمياء. ولن تتباهى بهزيمتك له في قتال".
"هذا مختلف تماماً. ألدان غير مقاتل؛ لن يؤذي ذبابة. إنه يستخدم الكنوز والأنوية للتقدم، لذا لا يُحتسب. هذا الوحش كان يحاول أكلي حقاً".
تأوهت مايفيس: "حسناً، يكفي. لقد كنت أسمعكما تتشاجران حول هذا طوال الأسبوع الماضي".
"فقط لأنها لا تزال تنغّص عليّ فرحتي".
"لأنك لا تزال تتباهى بالأمر كأنه إنجاز عظيم".
قال ريس بامتعاض: "لقد هزمت وحشاً من الطبقة الرابعة بمفردي. هذا إنجاز عظيم".
تنهدت مايا وتجاهلت الاثنين تماماً. ما إن يبدآ حتى يستحيل إيقافهما. وتلك حقيقة تعلمتها بعد المرة الأخيرة التي حدث فيها هذا. بدلاً من ذلك، التفتت نحو كورا.
"إذن، أستشاركين في مهرجان الانقلاب؟"
"لست متأكدة. بما أنني تلميذة أساسية الآن، قد يُطلب مني فعل شيء أو مساعدة الطائفة في التحضير لشيء ما على الأقل. لكنني ما زلت أفكر في الأمر. ماذا عنك؟"
ابتسمت مايا.
"عرضت المساعدة في الألعاب النارية هذا العام".
قالت كورا بابتسامة متحمسة: "وه, يبدو ذلك ممتعاً للغاية!"
"أجل، أعتقد ذلك أيضاً".
ما لم تذكره هو سببها وراء ذلك. كانت العجوز المسؤولة عن الألعاب النارية هي الشيخ سامارا. إحدى أشدّ الشيخات رعباً في الطائفة لقاء قدرتها النارية الهائلة. لم تكن تملك مهارة في القتال القريب، وكانت بمثابة وزن ميت في هذا الجانب، وأشبه بساحرة مدفعية صريحة. استطاعت تدمير حشد كامل من الوحوش بمفردها إذا أُتيح لها الوقت للتحضير وكانت محمية جيداً. أملت مايا في تعلم شيء يلهمها لتطوير مهارة نادر أخرى لتصل إلى المرتبة الملحمية.
وحقيقة أن الأمر سيكون ممتعاً للغاية شكلت مجرد كرزة تعلو القمة. أحب الجميع مهرجان الانقلاب؛ وظلت الطائفة حيوية دائماً خلال هذه الفترة. كان حدثاً سنوياً تقيمه الطائفة. أُنشئ في الأصل للاحتفال بذكرى الانقلاب وتوحيد الطائفة خلال تلك الفترة، لكنه تحول بمرور الوقت إلى مسابقة. كان مجرد وقت يمكن للناس فيه الانطلاق بحرية. أحب البعض الاستمتاع بالاحتفالات، والنزول إلى مدينة الشمس المحرقة وإقامة الحفلات.
تقاتل البعض وتدربوا خلال هذه الفترة تحت ذريعة "تبادل الآراء".
وأحب آخرون مشاهدة العنف. أحياناً أقيمت معارض أو فعاليات خاصة من شيوخ الطائفة. وتواجدت بعض الفعاليات الرائعة حقاً. ففي العام الماضي، قدّم الشيخ الأكبر رينوس عرضاً تجريبياً للطائفة بأكملها، مستعرضاً مهاراته المتعلقة بالنار. كما ألقى الشيخ مالريك موعظة عن المفاهيم، وبدت منيرة لدرجة جعلت عدداً من التلاميذ يخترقون الحواجز فوراً ويكتسبون مفهوماً جديداً. لم تدرِ ما تتوقعه، لكنها شعرت بأن شيئاً ما سيتغير هذا العام.