كان المكان خراباً. خراباً تاماً. حتى بعد يومين من أعمال التنظيف. لم يُخفِ ظهور كاساندرا من حدة الفوضى إلا قليلاً. لكنه أشعر الجميع بأمان مضاعف. وجود شخصية من المرتبة السادسة لحمايتك يفعل ذلك دائماً. لم تأتِ السفن التالية متأخرة. امتلأت السفينة القادمة بالمُعالِجين وسحرة الدعم الذين بذلوا قُصارى جهدهم للمساعدة. استطاعوا إنهاء علاج كل من أُصيبوا، لكن الشفاء التام استعصى على البعض لقلة عدد المُعالِجين وشحّ الموارد.
كانوا كثرة أيضاً. كانت كورا من المحظوظين نسبياً. فقد فقد العديد من التلامذة أطرافهم وأجزاء أخرى من أجسادهم. ولم يعد بعضها بالسهولة نفسها. فالوقت الطويل المنقضي بين الإصابة والعلاج زاد الأمر صعوبة. حرص جوليوس على أداء دوره، وكان دوره يتمثل في كونها بطارية طاقة لـدراسيل، الذي تحول بسهولة إلى أحد أكثر الشخصيات محبوبية في المعسكر بأسره. كان كل مارّ يحرص على شكر دراسيل أو إلقاء التحية عليه.
لم يتجاهلوا جوليوس تماماً، لكنهم بدا متوترين وأكثر حذراً في حضرته لسبب ما. مع ذلك، وبما أن دراسيل كان من ينال الاهتمام، فلم يكن باستطاعته التبرّم كثيراً. لقد حان الوقت لنيل دراسيل ما يستحقه من تقدير. كان يساعد في تحميل كومة من الأشياء على متن السفن الطائرَة؛ ففي ظل هذا الحادث الأخير، قررت الطائفة التخلي عن هذه البعثة. تجاوز عدد الإصابات والجرحى حدّ الاستمرار. كان التخلي عن الخسائر الآن أجدى من المضي قدماً.
لم يكن يدري ما تخبئه له الطائفة بعد هذا. فهو لم يكن مطلعاً على كل الاجتماعات التي عقدها الشيوخ مع كاساندرا. فإلى جانب المُعالِجين وسحرة الدعم، وصل على الأقل عدة شيوخ مع السفينة الطائرة الجديدة. بدا أن أحدَهم شيخ جليل. كان شخصاً لم يره من قبل. اسمه الشيخ الجليل رينوس، ومن النقاشات المحتدمة التي خاضها مع كاساندرا، ظنّ جوليوس أنهما اختلفا في أمر ما. ضبط نظرات الشيخ الجليل رينوس وهي تثبت عليه مراراً، فلم يملك إلا الحذر من اهتمام الرجل به.
وحين كان يحمل صندوقاً آخر، لمس زيف وكورا مقبلين نحوه. تلقت كورا العلاج بأفضل ما استطاعوا. لكن الضرر الأعظم ظلّ يعبث بأعصاب وجهها، ولم تستعد شعرها بعد. عرض عليها المساعدة، لكنها أصرت على أنها بخير وقالت إن هناك الكثيرين ممن يحتاجون للعلاج. إصاباتها كانت تجميلية في المقام الأول، ولا شيء يعجز الوقت عن إصلاحه. ومثل كورا، أُصيب زيف إصابات بالغة خلال المعركة. فقد ذراعاً، ونصف ساق، وعيناً واحدة، إلى جانب جروح أصغر متفرقة.
عولجت الساق والجروح الأخرى بلا عقبات. لكن العين والذراع لم تبرأ تماماً. أحدث الفساد دماراً هائلاً، وسيحتاج إلى مراجعة مختص وربما ابتلاع بضعة كنوز ليتعافى. لم يشغل هذا بال جوليوس، فقد أثبت الفتى الأكبر سناً أنه موهبة يستحق الاستثمار فيها. كلاهما فعَل. كانت كورا محورية أيضاً؛ فهالتها ونيران الطهارة التي تملكها أثبتتا فاعلية قصوى ضد الفساد. أنقذت أفعالُها عدد غير قليل من التلامذة.
وسمع آخرين بالفعل يروجون لشائعات مفادها أنهما سيرتقيان إلى رتبة التلامذة الأساسيين بمجرد انتهاء هذا. لن يفاجئه إن حدث ذلك حقاً.
سألته كورا بقلق: "أمتأكد أنك لا تريد السماح للآخرين بتولي هذا؟ ينبغي أن تتعافى أنت أيضاً".
فألوى يده نافياً: "أنا بخير. لا أطيق الجلوس بلا عمل".
فرمقته باحتقار: "إن استحق أحد الاستراحة، فأنت وحدك. لقد فعلت أكثر من أي شخص آخر. دع الآخرين يتولون هذه الأشياء".
فردّ: "لم أعلُ على أحد في ما فعلت".
فقالت: "أتظن الناس عمياً؟ طُلِب من جميع التلامذة والفرق تقديم تقارير عما حدث. تكرر اسمك أكثر من مرة، وذكر الكثيرون أنك أنقذتهم حين كانوا على وشك السحق".
لم يجد رداً على ذلك فتناول صندوقاً آخر ليتهرب من الإجابة.
فهزت رأسها حين رأت ذلك: "ليس لهذا جئتُ على أي حال. قيل لي أن آخذك إلى الشيوخ. لديهم أمر يريدون مناقشته معك".
"أتدري فيمَ الأمر؟"
"لا، لم يخبروني".
قطب جوليوس جبينه. لم تكن هناك سوى أسباب معدودة لرغبتهم في التحدث إليه. خاصة بعد هذا الوقت الطويل، وبدا جلياً أنهم لا يرونه أولوية، إذ انتظروا أياما عدة للاتصال به. أو ربما كانوا ينتظرون جمع المزيد من المعلومات بأنفسهم. وربما الاثنان معاً. وإذ رأى أنه لن ينال جواباً بهذه الطريقة، أومأ ووضع صندوقه جانباً، متبعاً كورا. وحين مرّ بزيف، أومأ الرجل الأعور برأسه قليلاً في اتجاهه.
لكن نظراً لطبعه الجليدي المعتاد، اعتبر ذلك بمثابة قبلة على الخد. ردّ جوليوس بابتسامة عريضة، مادّاً يده لربت ظهر زيف. لكن الفتى الأكبر انحرف جانباً متفادياً إياها بسهولة. فكبح جوليوس ضحكة. وحين وصلا، دفعته كورا حرفياً إلى الداخل بلا كلمة أخرى. تعثر في مشيته، واستقبلته نظرات الشيوخ الباردة. ولمح مايا في الناحية الأخرى؛ فقد وصلت مع السفينة الطائرة الأخرى. لم يتسنَ لهما الحديث طويلاً، لكن مما استخلصه، وباعتبارها تلميذة أساسية، ستمنحها مهمة التنظيف هذه خبرة لازمة حين تصبح يوماً شيخة للطفة.
منحته ابتسامة رقيقة، بادلها إياها.
سأل أحد الشيوخ متأملاً وهو يتفحص جوليوس: "إذن، هذا هو؟"
ومع أن الأمر بدا خفياً وكاد يفلت من الملاحظة، أحس بعدة شيوخ يمدون هالاتهم نحوه. فرفض وصولهم بلطف شديد وبحزم أشد. ولمح تعبيرات فضولية تطبع وجوههم حين فعل ذلك. لم يبدُ معظمهم آبهين بإطاحته لمحاولاته، لكنه لاحظ اثنين بدا عليهما الاستياء. رفعت كاساندرا رأسها أخيراً عما كانت تفعله.
"جيد، لقد تمكنت من إيجاده. خشيتُ أن تهرب مرة أخرى. لدينا أسئلة نريد طرحها عليك".
سأل بحذر: "أي نوع من الأسئلة؟"
أجاب أحد الشيوخ ملقياً نظرة على الشيخ الجالس بهدوء على الجرف: "أُمور تتعلق في الغالب بذلك الأخدود الذي ذكرته لهوان".
أومأ الأخير لجوليوس مشجعاً، كمن يخبره أن الأمور ستسير على ما يرام.
أخبرته كاساندرا: "نعم، ذهبتُ في اليوم الآخر محاولةً البحث عنه، لكنني لم أجد شيئاً يطابق وصفه. ستحتاج إلى اصطحابي تماماً إلى حيث وجدته وحيث خرجت".
أومأ: "حسب رغبتك، مع أنني لا أدري إن كنا سنعثر عليه. كانت الأنفاق تتحرك بلا توقف. ولا أعلم إن كانت مهارة مكانيّة أو قدرة غريبة أخرى تلعب دوراً هنا".
"لا بأس. لكني أرغب في ابادة هذه المستمرة قبل أن تتحول إلى مشكلة مجددا. مستعمرة نمل اللب العميق الفاسد شيء خطير، ولا تشبه شيئاً رأيناه من قبل".
علا صوت عميق وحازم: "أقلتَ إن هناك ملكة فاسدة في الأسفل؟"
التفت جوليوس فرأى أن الصادر منه هو الرجل المرتدي أردية تمنحه صفة الشيخ الجليل. ففترض أنه الشيخ الجليل رينوس.
أقرّ قائلاً: "نعم، أو ما ظننته الملكة. لم أتمكن من إمعان النظر فيها، ولكن مما تبين لي، كانت مقيدة بسلسلة إلى شيء ما".
سأل الشيخ الجليل رينوس باهتمام: "كانت مقيدة؟"
"نعم، كانت موثقة، ولعل هذا هو السبب الوحيد الذي مكّنني من الإفلات. مع ذلك، كادت تمزقني إرباً".
شرع عدة شيوخ يتحدثون دفعة واحدة. بدا هذا كشفاً مفاجئاً لهم.
سألت كاساندرا بفضول: "أتلمح إلى شيء ما يا جوليوس؟"
"ليس تماماً، لكنني استغربت حقاً وجود سلاسل في عمق كهذا. على حد علمي، النمل لا يصنع سلاسل من تلقاء نفسه".
"أوافقك الرأي. يبدو هذا غير مألوف. أمتأكد أنها كانت سلاسل وليست شيئاً آخر؟"
"متأكد تماماً. اقتربت منها بما يكفي. بيد أن هناك احتمالاً بأنها كانت شيئاً آخر تماماً".
صرّح الشيخ الجليل رينوس بحزم: "مهما يكن، لا يمكننا المجازفة. أخبرنا الشيخ هوان بالفعل ببعض التفاصيل المحيرة الأخرى حول هذا الحادث. علينا الذهاب للتحقيق في مستعمرة النمل هذه عاجلاً لا آجلاً. لقد حذرنا لظى الأراضي المحرقة بالفعل من أن وجودنا بالكاد يُحتمل".
سأل أحد الشيوخ بتوتر: "بالفعل؟"
أجابت كاساندرا مع إلقاء نظرة محددة على الشيخ الجليل المعنيّ: "نعم، أظن أن للأمر صلة بإرسالنا لاثنين من المرتبة السادسة. يبدو أنهم راضون الآن، متفهمين لوضعنا، لكنهم أوضحوا بجلاء أننا لن نُمنح حرية التحرك هكذا. وكما قال الشيخ الجليل رينوس، كلما أسرعنا في تسوية هذا، كان ذلك أفضل".
ارتاب جوليوس في أن القصة تحوي أكثر مما أبدته.
"إذن فقد تقرر. سيذهب جوليوس مع نائبة قائد الطائفة كاساندرا ليريها أين وجد هذا الأخدود. لكن قبل حدوث ذلك، علينا طرح بعض الأسئلة على الفتى. فبعض ما أخبرنا به لا يمنح أي معنى".
سارعت كاساندرا لقطع الطريق: "ناقشنا هذا بالفعل. لن نفعل ذلك".
أشار الشيخ الجليل رينوس بحزم: "لا، لقد اتخذتِ القرار وحدكِ. لم تشاورينا".
"ألا تفتقر للثقة في حكمي؟"
"ليس الأمر كذلك، لكنني لا أثق به".
لم يحاول إخفاء مشاعره الحقيقية تجاه جوليوس قط. رغم أن رتبته السادسة تمنح الرجل رخصاً معينة عندما يتعلق الأمر بالصراحة والمباشرة. علاوة على أن جوليوس قدر تلك الفجاجة. كانت أفضل من شخص يناور حوله ويدبر في الخفاء.
"حسناً، أنا أثق به، وهذا يجب أن يكفي".
"هيا، أنت غير معقول، وتعرف ذلك. لا نعلم من هو أو من أين أتى. أجرى كل منا تحقيقاته الخاصة ولم نفلح في إيجاد أي سجل له. الشيء الوحيد الذي وجدناه هو ملفه في نقابة المغامرين. لكن الملف فارغ. ليست لديه أي سجلات لمهمات، وينم عن تلاعب خبيث".
قاطع جوليوس مقطباً: "أطلقتم أنظاركم في ملفي؟"
تساءل عن كيفية تدبيرهم لذلك. أدار الشيخ الجليل رينوس رأسه ببطء ليطالعه مباشرة.
"بالطبع فعلنا. وأتساءل عما إذا كان حرياً بنا التعمق أكثر. فكل مهمة أو بعثة شاركتَ فيها شهدت مشاكل".
لم تحمل نظراته أي خبث، لكنها ضمت ريبة خالصة. ولاحظ أن الرجل لم يحاول فرض هالته عليه. وربما يعود الفضل في ذلك إلى كاساندرا.
تذمر قائلاً: "حظي سيّء".
"ربما، أو لعلّك شخص من طائفة أخرى تحاول التسلل إلى طائفة الشمس المحرقة. ربما من طائفة القمم التسع. سيفسر هذا قوتك بلا شك".
ابتسم جوليوس برهة، منشاً بمديح الرجل، لكنه أدرك سريعاً أنه لم يقصد مدحاً فعقد ذراعيه. واختار أن يحدق في الرجل بجمود. ربما ارتاع آخرون من صاحب المرتبة السادسة، لكن جوليوس حاز من الخبرة ما يمنعه من الشعور بعدم الارتياح بحضرته.
"أتظنني جاسوساً حقاً؟"
هز الشيخ الجليل رينوس رأسه.
"بصراحة، الاحتمال ضئيل. لكنك تخفي شيئاً، ومن المرجح أنه يؤثر على الطائفة. انظر إلى ما حدث في هذه البعثة. لم تقع حادثة بهذا الحجم طوال العقد الماضي، لكن بمجرد وصولك، اندلعت هذه. لدينا عشرات من أفضل مواهبنا موتى، ناهيك عمن يحتمل عجزهم. ثم ترد إخبارنا بأنك أنت من عثر على الأخدود ومستعمرة النمل هذه من بين كل من في البعثة؟ كيف نتيقن إن كان هذا صحيحاً أم لا؟ كيف نثق بك؟"
لم يملك جوليوس إلا أن كظّم غيظه. ساق الرجل نقاطاً وجيهة. لكنه فزع حين لمح كاساندرا تطالعه. وحيث لم يكن هنالك سوى اليقين قبل لحظة، أقسم أنه رآه يتزعزع هُنيهة. لم يكن هذا جيداً. ليس جيداً على الإطلاق.