رمق جوليوس حشد النمل المدمر بنظرة معقدة، ثم التفت إلى الشيخ هوان.
"أنت من فعل هذا؟"
بدا على الشيخ هوان شيء من الفخر بينما كان يحاول جاهداً إخفاءه.
"نعم."
سبق أن أُذهل جوليوس بقدرة الشيخ هوان على كبح عدة كائنات من المرتبة الخامسة دفعة واحدة، لكن هذا كان في مستوى آخر كلياً. لم يكن كبحاً فحسب، بل كان إبادة تامة.
"لقد أثخنتهم حقاً، أليس كذلك؟"
هز الشيخ هوان رأسه.
"ليس بالقدر الواجب. فرّ كثيرون منهم. ولن أتفاجأ إن عادوا."
"حسناً، لقد منحت باقي الطائفة متنفساً على الأقل. لا أظنهم كانوا ليصمدوا لفترة أطول. كان الناس بالفعل—"
ترنح إثر موجة دوار مباغتة. وجد الشيخ هوان إلى جانبه في اللحظة نفسها، يمسكه لئلا يقع. تذكر جوليوس كلمات جاسبر بشأن الآثار اللاحقة لحالته وانفجاره الانتحاري. بدا أنها صحيحة، وتكشفت له بوادرها بالفعل. شعر بأن جسده صار أوهن، كأن هزة عارمة من الإعهاق لطمته على رأسه بمطرقة بحجم حافلة. ولم تكن روحه بأفضل حال. لم تكن متشققة أو محطمة كما عهدها في الماضي. لكنها خبت كثيراً عن المعتاد.
زال بريقها المعتاد. واستقر إعهاق عميق في جسده. مع ذلك، بدت مهارته الجديدة مأهولة بالفوائد. لقد كادت تفعل، لكنه أحس أنها السبب الوحيد لعودته قطعة واحدة. ودونها، لظل كومة رماد. ورغم أنه أدرك أنه في وضع لا يسمح له بتفعيل المهارة بأكثر من ذلك. لم يعتقد أنه قادر حتى على استخدامها بالشكل السليم. كانت روحه في وضع شديد الحساسية عجز معه عن تفعيلها تماماً. ولن يتسنى له معرفة مدى تغير المهارة إلا حين يتحسن.
وفي الوقت الحالي، احتاج إلى بعض الوقت للتعافي.
"علينا إيصالك إلى غوي، إنه يحتاج إلى فحصك. لا أهتم بنوع المهارة التي تمتلكها؛ هالتك واهنة جداً لدرجة أذهلتني بوقوفك على قدميك."
لوح له جوليوس بيده ضاحكاً.
"سأكون بخير. أثق أن لدى المعالج غوي أشخاصاً أهم لعلاجهم في الوقت الحالي. سيقحصني بعد الفراغ منهم."
"ابلع غرورك الأحمق واذهب إليه."
ابتسم جوليوس بحزن.
"لا طائل من ذهابي إليه. وأنا مستقر نوعاً ما الآن، طالما امتنعت عن القتال مجدداً."
أدرك الشيخ هوان صدقه فتراجع قليلاً.
"حسناً، لكن تأكد من فحصك فور تفرغه، اتفقنا؟"
"ثق بي، سأحرص على ذلك"، أضافت سيرافاين من موقعها على كتفه.
الكتف المعاكسة لتلك التي اعتاد دراسيل التعلق بها.
"شكراً، أنا أعتمد عليك"، قال الشيخ هوان بإيماءة خفيفة وابتسامة عريضة.
"متى صرتما بهذه القُرْب؟"
"حين لم تكن سوى كومة رماد مدفونة في الرمل"، سخرت سيرافاين.
قهقه جوليوس واغتنم الوقت لمحاولة إرساء صلة مع دراسيل. كانت تلك إحدى أولى الأمور التي فعلتها عند استيقاظه، لكن الرابطة بدت غريبة. كانت موجودة ودراسيل حيٌّ يقيناً، لكنها اتسمت بنوع من البعد. بصراحة، ذكرته بالوقت الذي تطور فيه دراسيل. ويا لتمني أن يكون الأمر نفسه هذه المرة. فالروح الصغير يستحق بعض الدلال بعد كل المساعدة التي قدمها لجوليوس طوال الأسبوع الماضي أو نحو ذلك.
واغتنم الوقت أيضاً لمراجعة إشعاراته.
[هدوء ما قبل الخراب المستوى 1 -> المستوى 3]
[إدراك مكاني مطلق المستوى 21 -> المستوى 22]
[هالة الخراب العاتية المستوى 28 -> المستوى 29]
[خطوة الفراغ المستوى 20 -> المستوى 21]
[ضربة الفراغ المستوى 18 -> المستوى 19]
[تحصين الروح المستوى 27 -> المستوى 28]
[ميدان الإرادة المحطمة المستوى 16 -> المستوى 17]
من جهة، فوجئ لعدم حصوله على المزيد من المستويات، لكنه اعترف لنفسه أيضاً بأنه لم يخض قتالاً يذكر. لقد تلقى هزيمة نكراء بحق. تلك المهارة أو تقنية الميدان الصادرة عن ذلك الكائن من المرتبة الخامسة باغتته تماماً، وبمجرد حدوث ذلك، لم تمنحه ثانية واحدة للتعافي. علاوة على ذلك، توجب عليه تذكر ما ذكره جاسبر بشأن مرور روحه بفترة جمود، أياً كان ما يعنيه ذلك. وشك في أنه يشبه الوقت الذي أصيبت فيه روحه وعجز عن رفع مستوى مهاراته كالمعتاد.
وذكر نفسه أيضاً بأنه ينبغي ألا يشغل بملك بالمستويات، بل ليكون أكثر امتنان بل ليكون أكثر امتنان لكونه لم يمت حقاً. أو الأسوأ من ذلك، تحوله إلى مسخ فاقد للوعي كما أشار جاسبر. هز رأسه محتاجاً إلى تغيير الموضوع، فرمق الشيخ هوان وجسده الذي لا يزال يتوهج بخفوت.
"هل ترقيت إلى المرتبة السادسة إذن؟"
سأل جوليوس. استشعر تغيراً ما فيه، لكنه عجز عن تحديد ماهيته بدقة. كانت هالته وقوته شبيهتين بأولئك التابعين لمراتب سادسة أخرى التقى بها، لكنهما اختلفتا كثيراً أيضاً. لم يكن في مستواهم تماماً، لكنه اتسم بصفة جعلت جوليوس يؤمن بأنه لم يكن بعيداً عنها إن لم يكن قد بلغها بالفعل. تأمل الشيخ هوان الأمر لبضع لحظات قبل أن يجيب أخيراً.
"أنا تقنياً لا أزال في المرتبة الخامسة، لكنني على حافة المرتبة السادسة. قد تسمع البعض يسمونها رجم شبه اللورد. أو خطوة نحو اللورد. لكن عندما تستوفي المتطلبات، كما فعلت أنا، تصبح المسألة مسألة وقت ليس إلا قبل بلوغ المرتبة السادسة."
"ستصير لورداً رسمياً عند بلوغك المرتبة السادسة إذن؟"
"صحيح."
والآن بعد أن فكر في الأمر، حمل العديد من أصحاب المرتبة السادسة الذين التقى بهم لقباً لورديّاً ما. حتى والدة أوبري سُميت بالطاغية البلورية. ودُعي كاين بلورد العرش المحطم. وحتى الشيخ هان لُقّب بلورد اللعنة. تساءل جوليوس دائماً عن سبب ذلك. وظن مجرد أنه يبدو رائعاً، لكن ربما انطوى الأمر على أكثر من ذلك.
"ما هي المتطلبات التي استوفيتها؟"
"تلك ليست أمراً عليك القلق بشأنه. لست في المرتبة الخامسة بعد حتى، ركّز على سلطتك واكتسب ميداناً أولاً. وحينها يمكنك توجيه تركيزك نحو ذلك، فإن حاولت نيله قبل ميدانك، فلن تحصد سوى إتلاف أساسك ومستقبلك."
لعله لاحظ عبوس جوليوس المحبط فصفعه على كتفه مشجعاً.
"لا تقلق، ستبلغه يوماً. تمتلك شرارة ساطعة، وطالما اتبعتها، ستكون بخير."
أدار جوليوس عينيه وابْتسم بابتسامة جانبية.
"لا بأس، احتفظ بأسرارك إذن."
كانا يشقان طريقيهما عودة إلى المعسكر، وكانت المصفوفات لا تزال نشطة، لكنها كانت معلقة بخيط رفيع. جعلتها كل هبة ريح تومض. وظن جوليوس أنها كانت لتتداعى لو استمر القتال لبضع دقائق أخرى. ولم يرد تخيل ما كان ليحدث لو وقع ذلك. فما حدث كان سيئاً بالقدر الكافي بالفعل. بدا كل شخص مرئي مصاباً بإصابة ما، وكان البشر الأطراف المبتورة والمغطون بالضمائر أكثر شيوعاً من سواهم. مستشعراً العدد الهائل من البشر حول خيمة الطب، انتقل آنيّاً إلى هناك فوراً، دون أن يكلف نفسه حتى إخبار الشيخ هوان.
كانت الرائحة أول ما صدمه. تفوح منها رائحة الدم والموت. لم تكن هناك بقطعة أرض خالية واحدة، فالمريدون المصابون منتشرون في كل مكان. واستشعر أيضاً نصب مصفوفة من مانا الحياة حول الخيمة. وواضح أن ترشيد المانا لم يعد ذا بال كبير الآن بعد أن تكفل الشيخ هوان بمعظم النمل وتراجع الباقي إلى القفار. لكن هذه المصفوفة لم تستطع فعل الكثير. فقد غمرت كل من بداخله بمانا الحياة، لكنها لم تفعل الكثير حيال الإصابات الممتزة، مكتفية بضمان عدم تفاقمها.
واستشعار نبض هالة المعالج غوي بسطوع، إذ شمل ميدانه الخيمة برمتها أيضاً. شكل عدد الجرحى مشكلة، لكن المشكلة الملحة كانت الفساد. أصيب جميع الجرحى تقريباً بالفساد وكان يفتك بهم. لم يكن التخلص من الفساد أمرا سهلا. ولهذا ركّز المعالج غوي على عدد قليل من المريدين في المرة الواحدة. تطلب الأمر سيطرة استثنائية والمهارة الصحيحة للتخلص منه. ولم يتواجد الكثير من أمثال هؤلاء حوله أيضاً.
مع ذلك، لمح كورا جانباً فكشر. بدت بحال مزرية حقاً. كانت مغطاة بالدماء، ولابد أن نصف رأسها قد احترق بشدة، لفقدانها معظم شعرها وتندب أحد جانبي وجهها. ولم يكن باقي جسدها في حال أفضل بكثير. وبدا جلياً أن أحدهم قد اهتم بإصاباتها الأكثر إلحاحاً، لذا لم تكن في خطر الموت. مع ذلك، لم يمنعها ذلك من المساعدة. كانت هالتها، الملائمة تفرّداً للتعامل مع الفساد، تبذل قصارى جهدها لتطهير تلك الطاقة البغيضة.
لم تكن معالجة، لكنها بذلت قصارى جهدها لدعم المعركة ضد الفساد رغم تمايلها غير الثابت، وتصبب العرق على وجهها. وإذ أدرك عجزه عن الوقوف هناك وإضاعة مزيد من الوقت، هوى على ركبة واحدة بجانب أقرب مريدة في حالة حرجة. وبجانبها عدة جرعات علاج فارغة، لكنها واصلت تقيؤ كمية كبيرة من الدم. فحصها بحواسه وتبين سريعاً معاناتها من نزيف داخلي حاد. ولم يكن ذلك بالسوء الكافي، فقد استقرت قطعة منكسرة من طرف نملة أمامي في رئتيها.
وأفرخ اللحم الفاسد طاقته القاتلة مباشرة في صدرها، متسبباً في تدهور حالتها بسرعة. جمع مانا الحياة فوراً وسمح لها بالتغلغل فيها لمجرد تثبيتها ريثما يفكر في طريقة لإزالة قطعة الفساد. لكنه، ولاثاره، لم تتفاعل بالطريقة التي ظنها على الإطلاق. وفي عجالته، غفل تماماً عن الأثر الذي سيخلفه تطور مهارة العلاج لديه عليه. لقد كادت موجة القوة المنبعثة من مهارته الأسطورية الجديدة تكتسحه؛
وتطلبت منه كل ذرة إرادة لكبحها. وما إن أحكم سيطرته عليها حتى أطلق تنهيدة ارتيماح. لقد كاد يقتل الفتاة، مدركاً أن جسدها كان لينفجر جراء فرط مانا الحياة. ولم تكن تلك المشكلة الوحيدة أيضاً. استصعب إدراك الأمر عند استيقاظه لأول مرة، لكنه أدرك، بعد استخدامه لمهارة العلاج، واقع جسده المتأرجح حقاً. فقد تماسك بفضل إرادته وعناده وحدهما. وصار جسده في حالة أهشّ مما خبرها قط.
والمشكلة تمثلت في شدة قوة مهارة العلاج الجديدة. وعنى ذلك أن ارتداد فشلها أضحى أقوى من ذي قبل. وأدرك أنه إن ارتكب خطأ واحداً، فسيتداعى كل شيء. لحسن الحظ، حظي بخبرة وافرة في علاج نفسه. ولذا تعامل مع الأمر لا شعوريا بالفعل بمساعدة [هدوء ما قبل الخراب]. غير أنه كاد يدمر كل شيء حين حاول استخدام المهارة على شخص آخر. وشكل ذلك مشكلة، لاحتياجه الشديد لمساعدة هؤلاء البشر جميعاً في الوقت الحالي.
فقد بانت مهاراته وقدراته بالغة القيمة في الوقت الراهن، لاسيما مع وجود هذا العدد الغفير من المريدين الجرحى. ماذا كان سيصنع؟ أراد حقاً مساعدة هؤلاء المريدين. والمشكلة كمنت في كيفية إصلاح ذلك؟ وكيف سيتسنى له المساهمة؟ فكر باهتزاز في سشتى الطرق بينما استعمل مانا الحياة البسيطة الصرفة لعلاج الفتاة الشابة. أبقى عليها مستقرة، وشرع بالفعل في طرد الفساد من جوفها. ولا تزال القطعة المنكسرة عالقة في رئتيها، لكنه اهتم بالفساد أولاً لتركيز قلقه عليه.
احتوائه وخلصها من الطاقة السلبية. وحينها فحسب، شعر بالأمان الكافي لإزالة الجسم من صدرها. سعقت مزيداً من الدم واستخدم قدراً إضافياً من مانا الحياة لعلاج الضرر. ومن دون مهارته، تعذر علاج إصابات بهذا الحجم. استطاع علاج الجروح البسيطة، لكن الجروح المميتة بدت بالغة التعقيد. مع ذلك، وبينما نفدت أفكاره، أحس بدفء في صدره. وسرعان ما أدرك أنه لم ينبعث من صدره، بل من روحه. وحرص على الابتعاد عن الفتاة المصابة، تحسباً لاحتمال كونه أمراً خطيراً.
ومع ذلك، لم يبد كذلك، وبدفقة من الحيوية، أحس بروحه الباهتة والمصابة تشرق مجدداً. وعزا السبب إلى الكائن الصغير المنطلق من شرنقتها المتافيزيقية. وبدا أن دراسيل قد خرج من غيبوبته المفروضة ذاتياً، وراقب جوليوس بعينين جاحظتين متسعتين كالفناجين ظهور الروح الصغير على صدر الفتاة. ذهل لعدة أسباب. أولاً، بدا دراسيل مختلفاً تماماً. كانت كثافة جوهره شديدة الغزارة لدرجة صعوبة تمرير حواسه عبرها.
ووضح تطور دراسيل مرة أخرى، وهذه المرة، بدا الأمر أكثر دراماتيكية بكثير. لكن الأمر الأكثر إثارة للذهول تمثل في التحول الجسدي الذي مر به دراسيل. ظل روحاً صغيراً محبوباً، لكن شيئاً واحداً برز بين سائر التغييرات الأخرى. كان زوجاً من الأجنحة الرقيقة المنسدلة بلطف من ظهر دراسيل، والمصنوعة من ريش مشتعل. ولم يستطع جوليوس إلا ملاحظة تعبير السرور البالغ على وجه دراسيل وهو يستعرضها.