درب التسامي الفصل 655 — أعمِدة النيران

اقرأ درب التسامي الفصل 655 — أعمِدة النيران باللغة العربية على مانجا تايم.

لم تكن العلامات تغيّر قواعد اللعبة تماماً كما كان يأمل. لم تكن المهارة سوى في المستوى الأول، لذا كان هناك حدّ لعدد العلامات التي يستطيع وضعها. استطاع في هذه اللحظة وضع علامتين. وهو ما كان، بصراحة، أكثر من علامة واحدة كان قادراً عليها في السابق. بينما لم تساعده بالقدر الذي خطط له، ساعدته قليلاً. استغل كلا العلامتين بأفضل ما يمكن. غرس إحداهما في المكان الذي قتل فيه النملة الكمين وطار إلى أبعد نقطة ممكنة وبأسرع وقت قبل أن يضع علامة أخرى.

ثم تحرك ببساطة مطلقة، منطلقاً في الأنفاق. استطاع التأكد من عدة أمور. أولاً، لم تكن الأنفاق ثابتة كما كان يظن. افترض في البداية أنه داخل نوع من المتاهة. كان محقاً في تلك الجزئية؛ اتصلت الأنفاق كالمتاهة، لكنها تحركت أيضاً. بطريقة ما، وبشكل ما، كانت هذه الأنفاق بحجم الحافلات تُحرَّك كأحجية تُعاد صياغتهم باستمرار. لم يكن عجباً أنه لم يستطِع إيجاد مخرج. فمن كان يسيطر على شبكة الأنفاق هذه كان يبقيه متعمداً عالقاً في منتصف هذه الحلقة التي لا تنتهي من الظلام والتراب.

قلقه قليلاً احتمال قدرتهم على إسقاط الأنفاق فوقه لتعصيره حتى الموت، لكن الغريب أن ذلك لم يحدث بعد. إما لم يكن ممكناً، أو وُجد سبب مختلف تماماً. دفع تلك الفكرة المرعبة جانباً في الوقت الحالي. راودته بالفعل عدة أفكار حول كيفية الهروب من هذه الحلقة الشبيهة بالمتاهة. تضمنت إحداها شق طريقه حفراً. لكنه أمضى بالفعل ما يقارب نصف يوم محاولاً شق طريقه عبر أطنان لا تحصى من الحجر الصلب، وانتهى ذلك بالفشل، لذا لم يكن متحمساً للغاية لأي أفكار تتطلب شيئاً كهذا.

تضمنت الفكرة الأخرى إخفاء نفسه. كان المخلوق أو الكيان الكامن وراء هذه المتاهة المتحركة اللعين يتعقبه يقيناً بطريقة ما. لم تكن هناك طريقة أخرى تمكنهم من تحريك المتاهة حوله بهذه البراعة. كان يأمل في إرباكهم لدرجة يفقدون فيها أثره. ستكون النتيجة إرسال المزيد من جماعات النمل نحوه. أو السماح بحدوث نوع من الفجوة التي يمكنه الانزلاق عبرها. وواضح أنه كانت هناك أنفاق لا يستطيع الوصول إليها.

ومن هذه الأنفاق نفسها كان النمل يأتي. إذا استطاع إيجاد أحد أنفاق الوصول هذه، فسيكون على خطوة واحدة أقرب إلى إيجاد مصدر هذه المتاهة الجوفية والهروب. وكان عليه أيضاً معرفة سبب فساد هذا النمل في المقام الأول. لا بد أن الأمر مرتبط بطريقة ما بالصدع الفاسد؛ وإلا فلن يدري لماذا أجبره مفتاح التجربة على خوض هذا الوضع. إلى أي مدى انتشر الفساد بالفعل؟ وهل كان إيقافه ممكناً؟ وإن وجد سبيلاً، فهل عليه حتى المحاولة؟

نصت متطلبات الإنجاز فقط على حاجته للتحقيق في الفساد، لا تطهيره، مثل الصدع قبله. بدا أن البقاء على قاي والهرب أهم من التطهير. لكنه امتلك الآن شبيه خطة، وعزم على تجربتها على الأقل. لقد مكث طويلاً داخل هذه الأنفاق المظلمة وأراد استنشاق بعض الهواء النقي والسماح لأشعة الشمس بالانصباب على بشرته. إذن، ودون إبطاء، بدأ في إجراء الاستعدادات. عثر على مكان مناسب لوضع إحدى علاماته.

وجد تقاطعاً تتجمع فيه أنفاق عديدة. سيستخدم هذه العلامة كمرجع في حال احتاج إلى إيجاد طريق العودة أو للإبقاء على تصور لكيفية حركة الأنفاق. ليس ذلك فحسب، بل سينوي استخدامها كطعم عبر إلغاء الوظيفة التي تساعد على إخفائها، ليطلق بدلاً من ذلك هالته عبرها. أمل أن يُربك هذا من أو ما كان يسيطر على هذه المتاهة. كانت العلامات مذهلة بحق. فقد كانت متجاوبة مع مانا، وهالته، وإرادته، وقصده بطريقة لم يختبرها قط.

أشبه بتمديد إدعكه نحو هذه العلامات. لم يستطِع السماع أو الرؤية من خلالها، لكنه اكتسب إحساساً عاماً بما يجري بفضل مهارة الإدراك المكاني. شبيه بالتطلع عبر زجاجة جعة متسخة، لكنه استطاع مع ذلك تمييز بعض التفاصيل. كان يأمل أن تمر إحدى جماعات النمل هذه عبر علامته فيتنبّه للأمر. بذل قصارى جهده لمحو حضوره أيضاً. استغل هالته المدمرة وتاجه المدمر لمساعدته في ذلك. وترك الطاقة المدمرة تتمزق كل ذرة من بقايا المانا الصادرة عنه.

شك في أنه كان يُتَعقَّب بالرؤية وحدها، لذا لم يقلق بشأن ذلك كثيراً. لكنه طفا بنفسه فوق أرضية النف. علم أن الكثير من سحرة الأرض قادرين على الاستشعار عبر كشف الاهتزازات. وما زال لا يعلم إن كان ذلك ينطبق على هذا الوضع، لكنه حرص على اللعب بأمان. استخدم قلادتي نسيج الضوء ومنسج الظلام بأفضل ما يمكن. وحين انتهى من إعداداته، بالكاد استطاع استشعار نفسه وابتهج بالنتائج. لكن الجزء الصعب جاء الآن.

الانتظار.

* * *

كان يغفو حين استشعار رنيناً ينطلق من علامته. بدا خافتاً للغاية، لكن مع عدم وجود شيء آخر يفعله سوى الانتظار، تشبث بهذا الأثر فوراً. تحرك ببطء نحو الأثر؛ كان مقبلاً في طريقه، لذا لم يحتاج إلى الانتظار طويلاً. فاجأه ما رآه. كانت فرقة صغيرة من النمل تسير في النفق. كانت تُمشّط المكان بحثاً عن شيء ما، وانتابه شعور بأن خطته قد نجحت نوعاً ما. لا بد أنهم عجزوا عن تعقبه بالسهولة السابقة.

بينما كانت فرقة النمل صغيرة، لاحظ أنها لم تكن نمل الجنود المعتاد. بل كانت تلك فئة أشد قوة. لم يهد له قط رؤية أكثر من واحدة في الوقت نفسه، لكنه كان يحدق الآن في ثلاث منهن. لم يدرِ ما إن كان عليه القلق أو السرور لرؤية أنه بات يمثل تهديداً متزايداً. ترك هذا النمل يتابع طريقه في النفق ويمشي أسفل مكانه في السقف. لم يبدُ أنهم لاحظوه بعد، لكنه لم يملك الكثير من الوقت. بأكبر قدر من التخفي والبراعة استطاع حشدهما، أنشأ ببطء علامة وجعلها تلامس إحدى النملات.

تجمد حين توقفت النملة وارتفع قرن استشعارها. لكنه أطلق تنهيدة حين استأنفت النملة رحلتها عبر النفق. وفقط حين ابتعدن بالقدر الكافي بحيث لم يعد يخشى رصده، تعقبهما من الخلف. لم يكتشفن العلامة بعد، وتلك كانت سمة طيبة. لسوء الحظ، كانت مراقبة هذه المجموعة من النمل مملة بشكل لا يصدق. كاد يغرق في النوم مرات عدة وهو يتلصص خلفهن. في الواقع، بلغ به الملل حداً جعله يكاد يفوته اختفاءهن.

شعر جوليوس بارتعاش العلامة للحظة، لكنها استقرت أخيراً. ومع ذلك، نظر حوله فلم يرصد النمل. خصص انتباهه لموقعهن، وحينها فقط لاحظ أنهن اختفين خلف جدار. اقترب ماشياً من الجدار ووضع يده على سطح الحجر. بدا صلباً، لكنه ليس كالحجر. بدا أشبه بحاجز من نوع ما. سحب يده سريعاً من على الحاجز، تحسباً لوجود إنذار رصد مرتبط به. لحسن الحظ، امتلك فكرة حول كيفية اجتياز الحاجز دون تحطيم وجهه عليه وتنبيه النمل.

وما إن تأكد من ابتعاد العلامة بالقدر الكافي، حتى فعل [خطوة الفراغ]. سرت موجات الفراغ المألوفة عبر جسده، ووجده نفسه يخطو إلى داخل الفراغ ليخرج من الجانب الآخر. انتبه جيداً للتأكد من عدم استشعار أحد لتلك المهارة. لم يعلم إن كان أحد قد فعل؛ فلم يكتشف النمل شيئاً. لكنه ظن النمل في هذه النقطة أغبياء بعض الشيء. مع ذلك، قلقه تنبيه من كان يسيطر على هذا المكان أو من صنع هذا الحاجز أكثر.

كان التخفي حليفه للمرة الأولى منذ زمن بعيد، وأراد الإبقاء على الأمور كذلك. استطاع تمييز الفرق بين الأنفاق فوراً. بدت هذه الأنفاق أكثر تآكلاً، وكان الفساد أشد تركيزاً فيها. واصل تتبع العلامة التي تركها على النملة، وفي النهاية لمح ضوءاً خافتاً في نهاية النفق. متسائلاً، اتجه نحوه ووصل إلى مساحة فارغة هائلة. اتسعت عيناه وهو يتأمل الكهف. كان كبيراً بالقدر الذي يكفي ليسع طائفة شمس المحرقة بأكملها في داخله.

وكان ساطعاً جداً أيضاً؛ فدعائم النيران كانت تجري حول الكهف، كأنها حمم أو لهيب سائل، لتضيئه بشكل جيد للغاية. مع ذلك، لم يكن مهتماً حقاً بذلك. بل كان مشغولاً للغاية بمنع نفسه من الصراخ هلعاً. انفتح فمه على سعته وهو ينظر إلى المنظر الماثل أمامه. ظن سابقاً أن مجموعة النمل التي هاجمته كانت كثيرة. كان مخطئاً. مخطئاً للغاية. لم يكن ذلك النمل سوى حبة أرز صغيرة مقارنة بكامل المستعمرة.

استلقى أمام عينيه بحر هائل من النمل الأسود الذي كان يتسع في كل مكان. لا بد من وجود عشرات الآلاف. وربما أكثر، فقد صعُب العد مع هذا الكم من الأجسام. ولم يكن نملًا فحسب؛ بل كان ينظر إلى مدينة صغيرة من النمل. مبانٍ وكل شيء. أصيب بالذهول والرعب معاً. لم يفكر حتى للحظة واحدة في أنه قد يحظى بفرصة صمود أمام هذا النمل. لم يهم إن كانوا من المرتبة الرابعة أو الثالثة. فالأعداد الهائلة ستحطمه.

ليس ذلك فحسب، بل شك في أن المرتبة الرابعة كانت الأقوى داخل هذه المستعمرة. والحجم وحده دل على تجول المرتبة الخامسة هنا وهناك. ولديه تخمين صائب للغاية بشأن مكان تواجدها المحتمل. مضغ شفته وهو يحدق في برج ضخم شبيه بخلية نحل في وسط المساحة. لم يكن الحجم أو الشعور القوي بالهالات المنبعثة منه ما أربكه فحسب. بل شدة الفساد الهائلة التي كانت تشع من كل شبر وكل مسام في البنية.

لعله عثر للتو على مصدر الفساد. ولنكن صادقين، لم تكن لديه أي خطط حقيقية لدخول ذلك البرج لتفقده. لسوء الحظ، وُجدت بعض المشكلات في ذلك. أولاً، لم يتلقَ أي إشعارات أو يشعر باكتمال مهمته في التحقيق بالفساد. وثانياً، احتاج إلى الهرب، وإن لم تخنه عيناه، فقد لمح ما بدا كأفق محتمل للهروب عالياً في السقف. والمشكلة تمثلت في أن البرج وُضع تماماً في ذلك الموقع، ولعله سيحتاج على الأرجح إلى دخول البرج للوصول إلى العمود.

تمحور السؤال حول الكيفية التي من المفترض أن يدخل بها؟ ناهيك عن الاقتراب في نطاق مئة قدم دون تنبيه مستعمرة النمل هذه. لم يرغب في أن يهاجموه في بيئة كهذه. لن تنتهي الأمور على خير. اختبأ في ظلام النفق وشرع في تفحص الكهف بأفضل ما يمكن. لأكثر من ساعة، بحث عن سبيل للاقتراب من البرج مع تفادي بحر النمل الذي لم يتمنَّ شيئاً أكثر من تمزيقه إلى قطع صغيرة. كاد يستسلم حين نظر إلى دعائم النيران وبرك الحمام عند أقدامها.

تسلل الإلهام ببطء، وبدأت تلوح في أفاقه بعض الأفكار. والآن، كان كون أي من تلك الأفكار جيداً أمراً قابلاً للنقاش. لكنه استحق التجربة.