طالما حذّر الجميع جوليوس من الاقتراب من ليام مراراً وتكراراً. لم يكن يحبون ذلك الفتى وكانوا يحذرونه دائماً. لذا حين رأى جوليوس أولئك الفتيان يحدقون به من بعيد، تظاهر بأنه لم يرهم. مرّر نظره بجانب ليام تماماً وتابع طريقه نحو مؤخرة الصف. حرص جوليوس على مراقبة ليام باستعمال مهارة [الإدراك المكاني] فضلاً عن التيقظ لأي هجمات بالهالة. لم تكن ليلي أو أي شخص آخر معه اليوم.
فقد كنّ يمارسن بعض التدريبات الصباحية المبكرة قبل حصتهن الأولى. لم يرغب جوليوس في أن يُظهر لليام امتلاكه القدرة على استخدام الهالة، ليس إن استطاع تفادي ذلك على الأقل. استطاع جوليوس عبور الصف دون أي مشكلة. لم يزعجه أحد أو يفتعل المشاكل مع طالب السنة الأولى لاكتسابه الطعام في المقهى الخطأ. تبين أن ادعاء ليلي بشأنه قد فعل أفعالاً تفوق ما ظنه. كان في منتصف وجبته تقريباً حين قاطعه شعور بعدة أشخاص يمشون خلفه.
حرص جوليوس على تتبع موقع ليام طوال الوقت، لذا لم يتفاجأ حين شعر باقترابه برفقة أصحابه. انزلق ليام إلى المقعد الفارغ بجانب جوليوس ومنحه ربتة على ظهره.
قال: "أهلاً! عذراً لأننا لم نتعارف كما ينبغي بالأمس. اسمي ليام، وما اسمك؟"
كان جوليوس قد عزم أمره مسبقاً على معاملة ليام بلطف، في الوقت الحالي على الأقل. لم يكن هناك أي مبرر ليفتعل المشاكل مع سليل عائلة أبرام الشاب. قد ينجو الآخرون بفعلتهم نظراً لعائلاتهم وقوتهم، لكن جوليوس لم يمتلك ذلك الترف.
ارتدى ابتسامة لطيفة ونظر في عيني ليام قائلاً: "أنا جوليوس. ألست أنت الفتى الذي أتى إلى الطاولة قبل أيام؟"
ضيق ليام عينيه وشعر جوليوس بهالة تنبعث من ليام وتمتد نحوه. كان عرضاً مبهرراً بحق للتحكم في الهالة. لم تكن قط هالة شخص غير مدرب أو عديم الخبرة فيها. لم تكن هناك أي تسريبات أو تفلتات، بل كانت الهالة محتواة بإحكام ومستخدمة بعناية. كان جوليوس قد قرر مسبقاً أيضاً أنه إن حاول ليام تكرار الخدعة ذاتها، فلن يزيح المسبار بعيداً. لقد تمرّن مع ديكلان قبل مجيئه إلى غولدنكريست.
تمثل أحد الدروس التي تعلمها في كيفية الدفاع عن النفس بالهالة دون إعلام الطرف الآخر بأنه يواجه إحباطاً لهالته. لم يكن الأمر تطبيقاً للهالة بقدر ما كان تحكماً بالعقل والمشاعر. لم يبلغ درجة الاتقان فيه بعد، لذا تسللت مشاعر كثيرة من بين قبضته. لكن ذلك جعل هالته تبدو أكثر طبيعية لأي شخص يُعتد به، وبدا ليام واحداً منهم. قبل أن تصل إليه، حرص جوليوس على ضبط تنفسه وفعّل مهارة [الرقصة المتوحشة].
ستساعد المهارة جوليوس في السيطرة على أفكاره ومشاعره. لم يكن جوليوس يعمد عادة إلى رفع تأثير [الرقصة المتوحشة] للحد الذي يفقد فيه الإحساس تماماً، لكنه عمد هذه المرة إلى كتم الكثير من مشاعره. وحين بدأت هالة ليام تستشعر وتتحسس محيط جوليوس، لم يستطع ليام سوى استشعار هدوء جوليوس وسكينته. لكان الأمر أشبه ببركة ماء ترقص تموجات ناعمة على صفحتها. ضغط ليام بعمق أكبر محاولة منه الغوص داخل هالة جوليوس، لكنه لم يبلغ مدى بعيداً.
كان يضغط بقوة مبالغ فيها بالفعل بالنسبة لرتبة أولى. قد يؤدي المزيد إلى إلحاق الأذى بجوليوس، لذا توقف وسحب هالته إلى الوراء. حدث كل هذا في غضون ثوانٍ معدودات، وخلال ذلك الوقت كان ليام ناظراً مباشرة نحو جوليوس المبتسم. كان أصدقاؤه الواقفون على الجانب ينظرون إلى بعضهم بعضاً. لا بد أنهم شعروا بهالة ليام، ولا سيما النصف الأخير منها، إذ فاقت كل ما اعتقدوا أنه ملائم.
أخيراً، ابتسم ليام الابتسامة ذاتها التي رآها جوليوس في المرة السابقة ورد عليه قائلاً: "نعم، كنت أنا."
ثم انحنى ليام مقترباً أكثر من أذن جوليوس وهمس: "بيني وبينك، لقد أُغرمت قليلاً بأوبري لسنوات، لكني لم أقنعها بمنحي فرصة بعد."
استقام ليام في جلسته وتنهد بمسرحية، بادياً كجرو تعرض للركل لتوه. راقب جوليوس ليام وهو يؤدي عرضه. كان عليه الاعتراف بأن ليام كان بارعاً جداً. لولا حقيقة أن الفتى قد اخترق هالة جوليوس نفسه قبل لحظات معدودة فحسب، لكان قد اقتنع بأنه ليس شريراً بل مجرد فتى عادي يتيم بشغف فتاة.
قال ليام لجوليوس وبسمة لطيفة مرسومة على وجهه طوال الوقت: "حسناً، حين رأيتك باكرةً، أردت فحسب المرور والتعارف مجدداً كما يجب. إن احتجت إلى أي شيء، فلا تتردد في طلب مساعدتي، اتفقنا؟"
حافظ جوليوس على ابتسامته طوال التفاعل وأجاب: "شكراً، سأتذكر ذلك."
طوال ذلك الوقت لم يحيد بنظره عن عيني ليام الزرقاوين كالجليد. استطاع جوليوس استشعار أن ليام لم يكن يستحسن إمعان جوليوس النظر مباشرة في عينيه، وعدم تصرفه بتوتر كما توقع ربما. مع ذلك، لم يُظهر ليام شيئاً ونهض مودعاً قبل أن يترك جوليوس وشأنه. لم يكن جوليوس قد أسقط مهارة [الرقصة المتوحشة] أو حذره بعد، فظل قادراً على استشعار هالة ليام وهي تحوم مستكشفة من حوله. ولم يدرك انحسار هالة ليام إلا بعد بضع دقائق فأخذ نفساً عميقاً بارتياح.
خفض مهارة [الرقصة المتوحشة] ببطء. كادت أعصاب جوليوس تبلغ نقطة الانفجار، ولولا المهارة لما انفجر غضباً. تدريجياً، استطاع جوليوس الإمساك بزمام نفسه، مقللاً من تأثير [الرقصة المتوحشة] على مراحل. ما مشكلة ذلك اللعين المتغطرس؟ لم يكن جوليوس يبتغي أكثر من لكم ذلك الوغد المغرور مباشرة في وجهه ثم غرس حافّة مكثفة في مؤخرته. على الرغم من أن فتى تدعى سيلاس في المقابلة قد بدا فظاً، إلا أنه لم يبلغ البتة مستوى محاولة ليام.
كان سيلاس يحاول أخذ قراءة عامة، لا شيئاً تدخلياً إلى هذا الحد بل مجرد قلة أدب بسيطة. أما ليام فقد ضغط على هالة جوليوس بالكامل. وحتى لو لم يمتلك جوليوس مهارة هالة، لربما استطاع مع ذلك استشعار اعتداء ليام المزعج. لم تكن المجموعة تبالغ البتة حين قالت إن ليام لقيط متغطرس صغير. حرص جوليوس على تذكر هذه اللحظة، فسوف يرد الدين لذلك اللعين ذات يوم. أما الآن، كان على جوليوس الحفاظ على بروده والتحلي بالصبر.
كانت لديه مشاكل جمة بالفعل، وما ليام إلا أقلها شأناً.
حان وقت حصّة جوليوس الرسميّة الأولى أخيراً. بدا الأمر مثيراً بعض الشيء. رغم أنّه عاش في هذا العالم لسنوات الآن، عجز عن تصديق أنّه ذاهب إلى أكاديمية سحر حقيقيّة. صحيح أن حصّته الأولى لم تكن تتضمّن أيّ تفاعل مع السحر على الأرجح، إذ يُفترض أنها حصّة تدريب بدنيّ، لذا فقد تكون مجرد تدريب بأجسادهم العاديّة دون أيّ تعزيز للمانا أو الهالة. كان جوليوس يمشى عبر الحرم الجامعي نحو المكان الذي ستُعقد فيه الحصّة.
حين وصل، رأى جوليوس نحو دزينة من طلاب السنة الأولى الذين وصلوا قبله. غير أن ما كان أمامه بدا مهيباً للغاية. المكان الذي ستُعقد فيه حصّتهم كان ميداناً هائلاً، شبيهأً بمرفق ألعاب قوى. كانت هناك مساحة عشبية واسعة ومقلمة بعناية يحيط بها مسار جري كبير. ووجدت أيضاً معدات تشبه الأوزان الحديديّة والدمبلز في قسم جانبيّ. بدا كل ما يتوقّعه جوليوس للتدريب البدنيّ ماثلاً أمام عينيه.
لم يصل الأستاذ بعد، لكنّ جوليوس والطلاب الآخرين الذين بلغ عددهم نحو دزينة وصلوا مبكّرين، لذا لم يكن الأمر مفاجئاً. أخبره إدغار أن معظم الحصص تُجمَع في مجموعات تضمّ نحو خمساد طالباً لكل حصّة. عَنى ذلك أن هناك أكثر من ثلاثين طفلاً آخرين يتعيّن عليهم الوصول. بما أنه كان مبكّراً، وجد جوليوس مكاناً لطيفاً على العشب وأخرج كتاباً ليقرأه ريثما ينتظر. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى وصل المزيد من الطلاب، ومع اقتراب موعد البدء الرسميّ، رأى جوليوس أن أكثر من ثلاثة أرباع الصف قد حضروا.
نظر إلى الساعة الكبيرة المثبتة على قاعدة عالية ورأى أنه لم تتبقَ سوى دقائق قليلة قبل البداية. مع ذلك، وبينما كان يتساءل عما إذا كان الأستاذ سيحضر في موعده، لاحظ حضوراً قوياً يقترب من الميدان. استدار جوليوس ورأى شاباً مفتول العضلات يمشى باتّجاههم. لم يددر جوليوس ما إذا كان لا يملك تحكّماً جيّداً في هالته أم أنه كان يفعل ذلك متعمّداً، لكنّ هالته كانت مكشوفة بالكامل.
لم تكن تشبه محاولة ليام السابقة، لم تكن الهالة تحاول التطفّل على هالاتهم الخاصة. مع ذلك، فقد غمرتهم بمعانقتها المُرهبة. لتُعلمهم جميعاً أن هذا الأستاذ كان في الرتبة الثالثة على الأقل وكان أقوى منهم. استشعر جوليوس ما حوله ليقيس ردود أفعال الطلاب الآخرين، واستطاع القول بثقة إن الأمر كان يؤتي ثماره. حين وصل الأستاذ إليهم أخيراً، انحسرت هالته وأدار نظره ليحدّق بكل واحد منهم.
استغرق جوليوس وقته أيضاً لتأمل الرجل. كان أستاذهم عضليّاً، لكن ليس لدرجة مبالغ فيها. بدا كل جزء من جسده محدد بدقّة وبدا كأنه منحوت من رخام. وعلاوة على وجهه المنحوت ولحيته السوداء المُعتنى بها جيداً، كان رجلاً وسيماً. لاحظ جوليوس بعض الفتيات في الصف ينظرن إلى الأستاذ باهتمام مفرط. لا أنّه يلومهنّ. كان الرجل وسيماً. لم يُضيّع أستاذهم أيّ وقت وعرّف عن نفسه.
"أنا الأستاذ إدواردز وسأكون أستاذ التدريب البدنيّ الخاص بكم بقية العام. بدءاً من كل يوم، سنلتقي هنا وستقومون بتسجيل الحضور بشاراتكم في هذه المحطة"، أشار إلى الجهاز الذي يبدو مثل تلك الموجودة في المكتبة ومرافق التدريب.
"بعد القيام بذلك، سنبدأ بتمارين الكارديو، قبل الانتقال إلى أمور أخرى. لن نقوم بالأشياء نفسها كل يوم، لكنكم ستلاحظون سريعاً أن هناك نمطاً نتم-"
قاطعَه صوت ضحكة. استدار جوليوس والجميع، بما في ذلك الأستاذ إدواردز، ليروا سبب الجلبة. كانت هناك مجموعة من الأولاد والفتيات يدخلون الميدان متأخرين. رأى جوليوس وبقية الطلاب وجه أستاذهم الجديد ينقلب إلى السوء وهو يراقب الأطفال الجهلة وهم يترنّحون في طريقهم إليهم. لم يكن الحمقى منتبهين حتى ولم يروا الغضب المتصاعد على وجه الأستاذ إدواردز. لم يلاحظوا أن الأستاذ يحدّق بهم بغضب إلا حين توقفوا وجلسوا.
بدا عدد منهم خجولاً حقاً لتأخرهم في الدخول، لكنّ معظمهم ظلوا يهمسون لبعضهم البعض ويضحكون فيما بينهم. راقب جوليوس الأستاذ إدواردز وهو يمشي نحوهم، كانت هالته مقيّدة لكنّ أيّ شخص يملك عينين ودماغاً يستطيع رؤية أنه كان غاضباً بشدّة.
"هل هناك أمر مضحك تودّون مشاركته يا شباب؟ ربما السبب وراء حضوركم متأخرين إلى حصّتكم الأولى؟"
سأل الأستاذ إدواردز بصرامة. تسللت هالته إلى الخارج أكثر فأكثر مع كل كلمة. تحدث أحد الأولاد، إما شجاعة أو غباءً.
"أنا آسف يا أستاذ، استيقظنا متأخرين هذا الصباح."
لم يبدُ الولد آسفاً على الإطلاق وكان جوليوس واثقاً من أن الأستاذ إدواردز فكر بالأمر نفسه.
رغم ذلك، وبشكل مثير للدهشة، لم يوبخ الأستاذ الطلاب أكثر من ذلك واستدار عائداً إلى بقية الصف، "ابدأوا الجري يا شباب، بلا تعزيزات."
أشار إلى المضمار فنهض الصف سريعاً على أقدمهم وبدأوا بالركض حول المضمار. وانضم الأشخاص الذين تأخروا أيضاً.