غادر جوليوس قاعة الطعام وراح يهيم في أرجاء الحرم الجامعي مصطدماً ببعض الطلاب عرضاً بين حين وآخر. راودت جوليوس فكرة مغادرة هيستون، لكنّ ذلك بدا رد فعل مبالغاً فيه. كان عليه أن يهدأ ويفكر بالأمر جيداً. من المرجح ألا يتعرف إليه تريستان، وحتى لو فعل، أكان جوليوس يعتقد حقاً أن تريستان سيُرسل من يغتاله في غولدنكريست؟ قد يكون صامويل والدوق غرايسون جريئْين، لكنّ الذهاب إلى ذلك الحد سيكون حماقة.
غولدنكريست هي إحدى أُحْصَنِ الأماكن في القارة. اشتهرت بكونها منيعة حتى أمام النبلاء ومكائدهم. حاول آخرون على مر السنين وباءت محاولاتهم بالفشل. كان مصير كل من حاول منهم العقاب أو الموت ليكونوا عبرة. سيكون من سخف الأمور تعريض ذلك للخطر بإرسال قتلة من أجل صلن واحد لن يصدقه أحد على أي حال. علاوة على ذلك، سيكون ذلك اعترافاً صامتاً بالحقيقة. بدأ جوليوس يهدأ ويسترخي. لم يكن الوضع مثالياً، لكنه كان يمكن أن يكون أسوأ.
كل ما يحتاج إليه هو البقاء متيقظاً وحذراً، وسيكون بخير.
لم يعد جوليوس إلى مقصف صغار الطلاب. بل اتجه نحو المقصف الرئيسي. أراد أولاً تقليل احتكاكاته المحتملة بـ تريستان، وكان المكان هناك أجمل بكثير ثانياً، ولا يزال جائعاً ثالثاً. مضى قدماً ودفع أبواب المقصف. كان أشد ازدحاماً من مرته السابقة هنا لكنه خلت من الفوضى التي ميزت المقصف الآخر. ظل الصخب مخيماً غير أن الجميع تصرفوا بأدب ولم يلمح شجاراً اندلع، بخلاف ما جرى مبكراً في المقصف الأخر.
لاحظ جوليوس النظرات الغريبة التي تُرمى نحوه. لمس بعضهم الخط المفرد فوق زيه، دلالة على مرتبة سنته الأولى، وربما تساءلوا عن سبب وجوده هنا. اصطف جوليوس للحصول على بعض الطعام، وقصير كان الصف إذ بدأ العشاء منذ بعض الوقت، غير أن متخلفين أمثاله ظلوا يتوافدون. بيد أنه وبينما كان ينتظر في الطابور بدا أن أحدهم أراد أخيراً الكلام. شاب وفتاة يقفان خلفه في الصف انتبها إلى زيه.
ومما يثير الدهشة أن الفتاة هي من بادر بالحديث.
"هي أيها المستجد! مقصفكم في الجانب الآخر من الحرم."
استدار جوليوس لينظر إلى الفتاة التي تثير المشاكل لأجله. كانت طويلة القامة وجملية جداً، ويا للأسف إذ طغى على ذلك التجهّم البادي على محياها. وبدا الشاب محرجاً من تصرفاتها لكي ننصفه.
"أعذرينا هل كنت تتحدثين إليّ؟"
تباكى جوليوس بالغباء.
"نعم، أترى مستجداً آخر هنا؟"
ردت الفتاة بحنق.
تظاهر جوليوس بالتلفت متصنعاً البراءة، "لا أعرف، ربما."
ازدادت الفتاة غضباً لرؤية ردة فعله، "لا يُسمح لطلاب السنة الأولى بتناول الطعام في المقصف الرئيسي. فاغرب عن وجهك من هنا الآن."
كاد جوليوس يرد مجدداً، مخبراً الفتاة بعدم وجود قاعدة كهذه، لكن أحدهم سبقه إلى الكلام.
"تعلمين جيداً عدم وجود قاعدة مماثلة يا جيسيكا. الأمر أشبه بتقاليد عُرفية لكن شيئاً لا يمنع طلاب السنة الأولى من تناول الطعام هنا. وما يمنعهم حقاً هو التمرّمر والتحرش اللذان يُخضعهم لهما أمثالك."
تعرّف جوليوس إلى ذلك الصوت. لابد أن ليلى قد رأته يدخل فباتت تحميه الآن من الفتاة البغيضة المدعوة جيسيكا. غمره شعور جميل بأن أحداً يقف لجانبه. استدارت جيسيكا وسمعت ليلى تناقض كلامها.
"إنها قاعدة غير مكتوبة يا ليلى، والجميع يعلمها. لديهم مقصفهم الخاص لسبب ما، فأجبريهم على البقاء هناك. وإلا لغصّ هذا المكان بالحثالات المزعجين."
"حسناً جوليوس مختلف، فهو يتناول الطعام معنا منذ بضعة أيام الآن ونحن نستمتع بصحبته، لذا تراجعى"، قالت ليلى بوعيد، ففقدت نبرتها البهجة المعتادة.
كان تحولاً جذرياً، وميفعاً بالرهبة قليلاً إن كان صادقاً. وأخيراً منع الشاب جيسيكا من إثارة المزيد من الضجة. أمسك بكتفها وهمس لها بشيء في أذنها. لم يلتقط جوليوس كل ما قيل، لكنه سمع ذكر اسمي ديريك وإدغار. أصغت الفتاة وابتعدت بخطى مسرعة مطبقّة نظرة احتقار. وألقى الشاب نظرة اعتذار على جوليوس وتتبع أثرها.
"تعال لنحضر طعامك، فقد حجزنا لك مكاناً احترازياً."
عادت ليلى إلى مرحها المعهود وشبكت ذراعها بذراع جوليوس. لاحظ جوليوس حقاً أنه بمجرد أن دافعت عنه بدأت النظرات تتلاشى عنه شيئاً فشيئاً. وكأنها فرضت سيادتها عليه فبات محمياً. وجد جوليوس هذا الأمر مضحكاً لسبب ما فابتسم كالأبله.
"ما المضحك إلى هذا الحد؟"
سألته.
"لا شيء، لا شيء. لم أكن أعرف أنك مخيفة إلى هذا الحد فحسب"، أخبرها جوليوس.
احمرّ وجه ليلى وابتسمت كأنها استمتعت بسماع ذلك المديح منه. لم يتوقع أن شخصاً مثل ليلى قد تعتبر كلمة مخيفة مديحاً. أخذ عهداً على نفسه بألا يغضب ليلى. حدث جوليوس نفسه. بقيت ليلى إلى جانبه حتى التقط طعامه، فدسّ أطباقه بغزارة لكونه لا يزال جائعاً جداً ولم يتناول الكثير قبل رحيله. وعندما توجها نحو طاولتهم المعتادة، رأى جوليوس أن المجموعة قد خصصت له مقعداً. حيوه جميعاً، وحتى كايل أومأ برأسه تحية له.
وكانت ليلى تقص على أوبري تفاصيل ما حدث لتوّه مع جوليوس بدرامية، وقد بدا الأمر مضحكاً. جعلت تبدو وكأنها أنقذت جوليوس للتوّ من وحش كاسر.
"إذن أستنتج أنك لم تستحسن المقصف الآخر؟"
سأله إدغار ضاحكاً.
"ماذا؟ هل توقعتم جميعاً عودتي إلى هنا؟"
سأل جوليوس المجموعة بأسرها.
"كايل هو من تنبأ بالأمر في الواقع، فقد قال إنك استمتعت بطعامك أكثر من اللازم لدرجة تجعلك ترغب في تناول الطعام بذلك الجحيم"، قال ديريك.
لحظ جوليوس ومضة مانا تنبعث من كايل وتصطدم بقدم ديريك. تظاهر ديريك بأنه لم يلاحظ شيئاً بملامح جامدة. تفاجأ جوليوس بأن كايل هو صاحب ذلك الاستنتاج. نظر جوليوس نحو كايل الذي كان يتجاهل عينيه، وابتسم له.
"نعم، كان المكان فوضوياً ومحموماً لدرجة جعلتني عاجزاً عن تناول طعامي بسلام. تكرر اصطدامي بالآخرين مع كل لقمة أتناولها"، قال جوليوس.
"أجل، أتذكر تلك الأيام، كان الجميع يصرخون في وجه بعضهم ويتصرفون كأطفال صغار. هل رأيت أي شجار؟ يقع شجار واحد على الأقل كل عام"، قالت أوبري.
"أوه نعم، رأيت ثلاثة مشاجرات منفصلة على الأقل خلال وقتي القصير هناك"، قال جوليوس.
ولم يكن يكذب أيضاً فربما كان العدد أكبر حتى. كان هناك الكثير مما يدور لدرجة يصعب معها تتبع الأمور.
"ثلاثة؟ يا رجل، قد تواجه أمواجاً عاتية إن شهد صفك ثلاثة بالفعل"، قال إدغار.
"نعم، سأتناول وجباتي هنا من الآن فصاعداً غالباً. لذا آمل ألا تمانعوا تطفلي"، قال لهم جوليوس.
شعر جوليوس بذرع إدغار تلتف حول كتفه وهو يقول له: "هذه طاولتك أنت أيضاً الآن، وإن واجهتك أي مشكلة فأخبرني فحسب وسأتكفل بالأمر."
"أعتقد أنني أفضّل ترك الأمر لليلى. إنها مخيفة متى أرادت ذلك."
ضحك الجميع واحمرّ وجه ليلى تعقيباً على كلامه.
التفتت أوبري إلى جوليوس ولا يزال الضحك يغمرها، فقالت: "نعم، أتذكر في سنتنا الثانية أننا خرجنا للتو من—"
قاطعتها ليلى إذ أمدت يدها بمانا وهالة بنفسجيتين، وأخمدت أوبري بهما تماماً. تجمدت أوبري كتمثال بينما كانت عينا ليلى تلمعان بنفسجياً. لم يدر جوليوس كنه ما تفعله، لكنه شلل أوبري.
بعد لحظات، أطلقت ليلى ما فعلته فانطلقت أوبري تتذمر منها أخيراً بحرية: "أكره حين تفعلين ذلك! إنه شعور مهين حقاً!"
"إذن فلا تشاركي ذكرياتي المحرجة"، حاجّتها ليلى.
"لم يكن الأمر سيئاً إلى هذا الحد حتى"، قالت أوبري.
"بل كان كذلك. لقد كان كذلك بالتأكيد"، أكدت ليلى بحزم.
نخس جوليوس ذراع إدغار، "أرأيت؟ مخيفة."
لابد أن ليلى قد سمعته فوجهت نظراتها الغاضبة نحوه. رفع جوليوس يديه مستسلماً.
"أنا آسف يا سيدتي!"
كان يمازحها، لكنها لم تبدِ الأمر طريفاً بالقدر نفسه. بدت ليلى وكأنها على وشك فعل ما ارتكبته بحق أوبري مع جوليوس. لحسن الحظ لم تفعل وضحك الجميع على الموقف. وطوال ما بقي من العشاء، تحدثوا عن أي مستجد طرأ منذ لقائهم الأخير. ذكر ديريك موقفاً طريفاً مع طالب سنة أولى متوتر وأخبرهم جوليوس عن هنري، رفيقه الجديد في السكن. مع نهاية العشاء، نسي جوليوس تماماً همومه وكان يستمتع بوقته رفقة أصدقائه الجدد.
نهض جوليوس مبكرا في الصباح التالي. نال ساعتين تقريبا من النوم، وهو أمر كثير بمقاييسه. لكنه ظن أنه بحاجة إلى ليلة نوم هانئة قبل يومه الأول. كان الوقت قبيل السادسة وما زال أمامه ساعتان قبل حصته الأولى. أول ما فعله هو إطعام دراسيل وجبة صباحية من مانا الحياة. ظل يوجّه مهارته أثناء قيامه بذلك لفترة الآن لكنه لم يعلم إن كان لذلك أي تأثير في البذرة الصغيرة. ثم نهض، متجاهلا شخير هنري الممدد بقربه، وتوجه إلى الخارج.
لم يكن أحد غيره مستيقظا، ولم يكن ذلك مفاجئا كثيرا نظرا لأن الكافتيريا لم تكن قد فتحت أبوابها للإفطار بعد. عندما مشى في الخارج كان الجو باردا كالعادة، فدفأ نفسه بمانا النار وأصبح على ما يرام. وجد مقعدا وأخرج كتابا، وظل يقرأ حتى فتحت الكافتيريا. أصر إدغار والآخرون على أنه إن أراد حقا تناول الإفطار قبل حصة التدريب البدني فعليه تناول وجبة خفيفة مثلما فعلوا. قالوا إنه يستطيع العودة لاحقا وتناول وجبة أكبر، لكن دون أن يملأ بطنه كما اعتاد.
استمع جوليوس إلى نصيحتهم على مرقض. لم يعجبه الأمر، لكنه كان أفضل من تقيؤ إفطاره كاملا أثناء حصة التدريب البدني. كان جوليوس فضوليا بشأن ما سيجعلهم الأستاذ يفعلوه خلال الحصة. كان الأمر واضحا أنه للتكيّف واللياقة البدنية، لكنه تساءل عن مدى تقدم أساليب تدريبهم، خصوصا مقارنة بعوالمه القديمة. تذكر جوليوس كم كان بعض بناة الأجسام متحمسين لتدريبهم. كان له صديق يدعى نوح، وكان مهتما جدا ببناء الأجسام حين كان في المرحلة الثانوية.
كان نوح يشاهد مقاطع يوتيوب طوال اليوم حول الاختلافات الفسيولوجية بين البشر وأفضل طريقة لبناء العضلات وحرق الدهون. اعتاد نوح أن يحضر لترا حرفيا من الفاصوليا، ووعاء من الأرز، وعددا من صدور الدجاج كل يوم عندما كان يزيد كتلته. لم ير أحدا مثل ذلك بعد، لكنه لن يفاجأ إن وجد أشخاص كهؤلاء في هذا العالم. على الأرجح، قد يكونون أكثر تطرفا من نوح. إنه لأمر مرعب تخيله. ماذا يمكن لأحدهم أن ينجز ببنيته الجسدية لو امتلك عزيمة نوح في عالم يسوده السحر وكل شيء فيه ممكن؟
هز جوليوس رأسه مطردا تلك الأفكار المرعبة ونهض، مدخلا كتابه مجددا في حقيبته. يجب أن يكونوا يقدمون الطعام الآن، وكان جوليوس جائعا. عندما وصل إلى هناك، كان مدهشا أن يرى كم كان عدد الطلاب القدامى مستيقظا مقارنة بالجدد. بدا قطاع الحرم الجامعي الذي يضم سكن الطلاب الجدد أشبه بمدينة أشباح مقارنة بالمنطقة الرئيسية. رأى جوليوس مئات الطلاب يتجولون، بعضهم كان يرتدي بدلات التدريب ويخطط للذهاب والنزال أو التدرب قبل حصصهم.
كان آخرون متوجهين إلى المكتبة وآخرون مثله يريدون الحصول على بعض الطعام. عندما دخل جوليوس الكافتيريا، استطاع استنشاق رائحة اللحم المقرمش الطازج والمعجنات المتصاعدة من المطبخ الخلفي. كانت رائحة لا يمكن لأشياء كثيرة مضاهاتها. للأسف، أُيقظ من أحلام اليقظة على يد شخص كان يبتسم له من مكانه في طابور الطعام، ليام أبرامز.