درب التسامي الفصل 646 — كورا

اقرأ درب التسامي الفصل 646 — كورا باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت السفينة الجويّة أشبه بيخت بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أو بالأحرى سفينة رحلات بحريّة. تصطّف الغرف على طول الجزء الأوسط من السفينة. يتشارك بعضهم الغرف، لكنّه نال غرفته الخاصة وسط دهشته. لعلّها إحدى مزايا كونه ضيف شرف الطائفة. لكنّ هذا لا يعني انعزاله تامّاً عن بقيّة التلاميذ. في الواقع، واجه بعضهم في عدة مناسبات، ونال نظرة غريبة من كلّ تلميذ داخلي تقريباً حين يمرّ بجانبه.

لم يدرِ سبب ذلك، لكنّه لم يستبعد انتشار بعض الإشاعات عنه. هذا، إلى جانب أنّه لم يُفترض وجوده في هذه المهمّة أصلاً. يحمل معظم التلاميذ الداخليّين هنا أدواراً وأوامر محدّدة. أمّا هو فلا يملك شيئاً من ذلك. كان هناك تقنيّاً بوصفه دعماً وليعمل معالجاً. لكنّ الأمر لم يتعدَ الشكليّات. إن لم يرد علاج أحد فلن يملكه أحد على ذلك. ربّما يستطيع الشيخ هوان إجباره، لكنّ جوليوس استبعد إقدام الرجل على ذلك.

فهو أحد القلائل الذين علموا مسبقاً بطبيعة علاقة جوليوس بكاساندرا. وعاملوه بناءً على ذلك. من جانب آخر، لمحه على متن السفينة. بدا أنّ الشاب قد حضر أيضاً، وبدا واضحاً شعوره بالحرج البالغ لتخّليه عن جوليوس، إذ بذل قُصارى جهده لتجنّبه. كلّما لمحه، فرّ في الاتجاه المعاكس. بصراحة، لم يقم جوليوس بلوم المعالج الشاب حتّى. فقد كان أحد القلائل الذين فكّروا حقّاً بمساعدته وحاولوا البقاء.

لكن في غياب أيّ شخص آخر لتقديم العون، لم يكن الخيار منصفاً. مع ذلك، ما زال ينوي مشاكسة آرون حين يراه مجدداً. فمجرد مسامحته لا تعني نسيانه. وسيكون مراقبة آرون وهو يتلوى محاولاً الاعتذار بحرج أمراً ممسلياً للغاية.

* * *

أمضى معظم وقته خلال الرحلة في أمرين. تقنية الحياة والدمار خاصته، أو مكعبه الجديد العجيب. راوده إغراء بإعادة تسميته إلى مسحوق العقول، فكلّما استعمله شعر وكأنّ دماغه قد ذاب وتحوّل إلى بركة. قد يفسّر هذا التحذير القائل بعدم استخدامه لأكثر من ثلاثين دقيقة متواصلة. وبطبيعة الحال، تجاهل التحذير وواصل استخدامه لساعات طويلة. ولم يعزل نفسه تماماً أيضاً. أجبر نفسه على مغادرة غرفته لبضع ساعات كلّ يوم.

ولو اكتفى بالتجول على سطح السفينة فحسب. وهو ما قدّم منظراً مذهلاً بصراحة. لطالما كان للطيران وسط السحب على متن سفينة عملاقة لا تبدو وكأنّها قادرة على الطيران في الأصل سحر خاص. جلس على درابزين السفينة، يدلي قدميه في الفراغ بينما يرمق الشيخ ليون وهو ينطلق بسرعة نحو الأفق على سيفه الطائر. نعم، سيف طائر. يبدو أنّ الأمر حقيقي، ومع أنّه ليس شائعاً للغاية، إلّا أنّه مُستخدم من قِبل عدد لا بأس به من أصحاب المرتبة الخامسة.

لا يملك الجميع القدرة على الطيران بمفردهم، لكن مع كفاية التدريب، تتوفر عدّة أدوات طيران. طبعاً، لم يكن الأمر بالبساطة التي يبدو عليها. فهناك متطلبات صارمة للغاية لاستخدامها. أولاً، حاجة المانا وحدها تبدو سخيفة. فحتى صاحب المرتبة الخامسة يعجز عن استخدامها مطوّلاً قبل أن تنفد ماناؤه. وثانياً، تكمن المشكلة في مهارة بحتة. لا يمتلك الجميع تحكماً دقيقاً بماناهم. ولم يقتصر الأمر على التحكم بالمانا وحدها.

بل تطلّب فهماً عميقاً للسلطة لاستخدامها بالشكل الصحيح. تدرّب الناس لسنوات قبل تمكّنهم من استخدام تلك الأدوات بأيّ قدر من المهارة. ورغم سماعه لكلّ هذه الأسباب، ما زال يرغب بواحدة. ربّما يسأل كاساندرا عن واحدة حين يعود. قد تمتلك فكرة عن مكان حصوله عليها. ومع قدرته على الطيران بمفرده، يكمن سحر وجاذبية خاصة في الطيران على ظهر سيف. سبق وأن سألها عن فأْس جديدة، لكنّها رفضت طلبه وسط دهشته.

مصرّة على أن ينتظر استكشاف بعض الصدوع في الأراضي القاحلة إن رغب بسلاح. يبدو أنّ الأسلحة المصنوعة خصيصاً تعدّ مكافأة شائعة هناك. وإن حالفه الحظّ، فقد يحصل على نوع نموّ. لذا وجد نفسه عالقاً بالذي حصل عليه من مستودع الطائفة. كان جيّداً، لكنّه افتقر إلى التميّز الذي يبحث عنه. ربّما يصادر واحداً من قاطع طريق إن عثر على واحد جيّد. لم يكن الشيخ ليون وحيداً في مهمّة الاستطلاع.

فالشيوخ المنضمون إليهم في هذه الرحلة يتحملون مسؤوليات عدّة. أولى المهام استطلاع المنطقة وضمان حماية السفينة الجوية. وأخرى مراقبة التلاميذ للتأكد من عدم إثارتهم للمشاكل وبقائهم تركيزهم منصباً على مهامهم. بالطبع، القول أسهل من الفعل. فطبيعة الطائفة تؤدي إلى منافسة شرسة. وأكثر حتى من الساحة الخارجية. وقد اندلعت عدة معارك بالفعل. حاول جوليوس الابتعاد، لكنّ الأمر لم يكن بهذه البساطة أحياناً.

كان يستمتع بالمنظر في هذه اللحظة. تضاء السحب برفق بواسطة شمس الغريب، وجعلت تعويذات تنظيم الطقس الأجواء مريحة. جلس دراسيل بجانبه على كتفه وهو يرجح قدميه الصغيرتين. كان الروح الرائع يلعق كرة من مانا الحياة، مجرّباً خليطاً جديداً صنعه جوليوس مستلهماً إياه من تقنية حياته الجديدة. غير أنّه، وبينما كانا يستمتعان بلحظتهما معاً، استشعر اقتراب شخص ما. فتاة تبدو صغيرة السنّ للغاية.

وجميلة لدرجة مزعجة تقريباً. شاهد العديد من الفتيات الجميلات منذ مجيئه إلى هذا العالم، لكنّ هذه الفتاة بدت مذهلة حتى مقارنة بالأخريات. لم تكبره كثيراً ولم ترتدي شيئاً ملفتاً. كانت أرديتها هي العادية التي يرتديها التلاميذ الداخليّون، لكنّها بدت بالية بعض الشيء. وكأنّها غُسلت مراراً وتكراراً. لم يكن شعرها مصفّفاً، بل جُمِع في ذيل حصان أشعث. ولم تضع أيّ مكياج أو حليّ أيضاً.

بدت وكأنّها لتوّها نهضت من الفراغ، ومع ذلك كانت فائقة الجمال لدرجة شعوره ببعض عدم الارتياح بحضورها. وكأنّه يدنسها بمجرد تواجده بالقرب منها. أدرك خللاً ما، فسارع إلى ضخ بعض الهالة في جسده وعقله. تلاشى شعور الذنب فوراً تقريباً، وبينما ظلّ يشعر بكونه قبيحاً بحضورها، لم يعد يشعر وكأنّه ضرطة منتنة تفسد جمالها. تساءل مرغماً إن كان هذا الإحساس يعود إلى سلطتها أو نوع خاص من الهالات.

علّقت حين اقتربت: "تعلم أنّه لا توجد تعويذات ستنقذك إن سقطت".

أجاب باتزان: "لا بأس، سأكون حذراً".

أومأت برأسها وأشارت إلى دراسيل: "أهذا الرفيق الصغير مألوفك؟"

أردفت بابتسامة ساطعة: "هو وسيم للغاية".

بدا أنّ دراسيل قدّر ذلك وأطلق صفيرة مسرورة. واهتزّ تاج أوراق شجره الصغير بينما يلوح لها.

انحنت ومدّت إصبعها نحوه: "سررت بلقائك. اسمي كورا".

مدّ دراسيل يده وقبض على إصبعها، هازّاً إياه بحزم.

"أوه! قبضتك قويّة حقّاً. لابدّ أنك قوي للغاية، أليس كذلك؟"

قالت وهي ترفع حاجبها. فأجاب دراسيل بالإيماء ووضع يديه على خصره بفخر.

أمّا جوليوس، فحدّق بالفتاة بتعبير حائر: "أمم، هل يمكنني مساعدتك بشيء؟"

لم تجب عن سؤاله فوراً، بل أمالت رأسها وحدقت إليه بفضول: "همم. كانت ثيرا محقة بشأنك".

عقد حاجبيه: "أتعرفين ثيرا؟"

"نجل، إنّها شخص أساعده في التدريب من حين لآخر. جديّة أكثر من اللازم، لكنّها فتاة طيبة حقّاً ذات قلب نقيّ. لكنّي سمعت أنك كنت تساعدها في تدريب قوة الإرادة".

وحين فكر في الأمر، سبق وأن سمع عنها من قبل. إن استذكر، طالما تحدث التلاميذ الآخرون عن فتاة تدعى كورا. يُقال إنّها إحدى المواهب الجديدة الواعدة في الطائفة وضمانة أساسية لتكون تلميذة جوهرية. لكنّه لم يتوقع معرفتها بثيرا.

أومأ برأسها ونظر إلى غروب الشمس: "نجل، إنّها إحدى اللواتي يحضرن دروسي".

والتفت إليها: "ما كنت تقصدينه بكونها محقة بشأني؟"

"ذكرت أن عليّ لقاءك وبأنّني لن أقلق بشأن تصرفك بغرابة بسبب هالتي. لم أصدقها تماماً، لكنّ الواضح أنني كنت مخطئة".

"أوه، إذن كان هذا الشعور هالتك".

ابتسمت بحزن: "نجل، إنّه تأثير جانبي مؤسف لمفاهيمي وسلطتي. ويعني أيضاً صعوبة تواجد الناس حولي. حتى ثيرا تجد صعوبة في التعامل مع الأمر، رغم امتلاكها مهارة تحميها".

"ألا يمكنك إيقافها؟"

ضحكت بيأس: "أتمنى ذلك".

قال بفظاظة: "يبدو الأمر فظيعاً".

أثار ذلك ضحكة أصيلة منها. بدت كأجراس سحرية ترن في أذنيه.

"نجل، إنّه كذلك حقّاً. لكن من الرائع دائماً لقاء شخص لا يحاول رمي نفسه من على سفينة جوية لعدم تحمله التواجد بقربي".

كشّر بوجهه: "أيتكرر ذلك كثيراً؟"

سأل ملقياً نظرة على موقعه الحالي. متسائلاً إن كان اقترابه منها بينما يتدلى على حافة سفينة طائرة فكرة سدبدة.

ارتسمت ملامح الذعر على وجهها ورفعت يديها: "لا! كنت أمزح فقط".

لكنّها قطبت حاجبيها: "رغم حدوث ذلك مرة حين رمى أحدهم نفسه من نافذة طابق ثالث للابتعاد عني".

ضحك بتوتر: "أعدك ألا أقدم على شيء كهذا".

قالت بابتسامة دافئة وهي تقفز على الحافة بجانبه دون دعوة: "شكراً، أقدر ذلك".

وانتهى بهما المطاف بالحديث طوال الساعة التالية تقريباً. لم يناقشا أيّ أمر مهم؛ بل اقتصر الأمر على أحاديث جانبية وأمور تخص الأراضي المحروقة القاحلة. بل وتقاسما وجبة معاً وهما جالسان على الدرابزين. عرض عليها بعض الطعام من صندوق طعامه، فعرضت عليه نوعاً من الشراب الفاخر. يشبه النبيذ بعض الشيء، لكنّه غير كحولي. ومع ذلك، كان لذيذًا وتماشى بشكل ممتاز مع الساندويتشات من صندوق طعامه.

هتفت وفمها ممتلئ بالطعام: "هذه الساندويتشات مذهلة حقّاً! أنا غيورة جداً لحصولك على عنصر كهذا. آخر ما حصلت عليه من صدع كان تميمة قديمة مقشرة منحتني مقاومة السموم".

كان سيطلب رؤية هذه التميمة، لكن قبل أن يفلح، اقترب منهما شخص. شاب وسيم يتدلى سيف أحمر فاقع من خصره. كان طويلاً وله شعر أسود تختلط به خصلات حمراء.

سأل بتعبير خاٍل من المشاعر: "مرحباً، كورا. لدينا اجتماع مع الشيخ هوان بعد قليل. أستأتين؟"

لم ترتجف كورا أبداً من ترددها.

"أحقاً عليّ الحضور، زيف؟"

قال الشاب دون أن يطرف له جفن: "قال إنّ الأمر يتعلق بمهمة الاستطلاع التي ستتولين أنت ومجموعتك مسؤوليتها. يريد إحاطتكم بمهامكم وما يجب أن نجعله أولوية عند وصولنا".

تنهدت لكنّها قفزت عن الدرابزين، دافعة بسرعة بقية الساندويتش في فمها: "حسناً، لكن لننهِ الأمر سريعاً".

التفتت إليه بابتسامة عريضة ممتلئة بالطعام: "لنكرر هذا مجدداً. لا يتسنى لي التحدث مع من هم في سني كثيراً. زيف وثيرَا هما الوحيدان، وكما ترى، فزيف ليس بالمحاور الأكثر إثارة للاهتمام تماماً".

قال بابتسامة خبيثة: "نجل، سررت بلقائك".

لوحت له بينما تتبع زيف مبتعدة: "شكراً على الساندويتش، سأعود لأحصل على أخرى منك!"

ضحك، لكنّه لاحظ بعد ذلك نظرة الشاب الحذرة إليه. تجاهل الأمر حالياً، لكنّه دونه في ذهنه.