بين الإعداد للرحلة، خصّص جوليوس وقتاً لإنهاء مشاريعه وتسوية خططه. وبلغ به الفخر منتهاه حين تمكّن أخيراً من فكّ طلاسم ذلك المكعب الأحمق الذي حصل عليه. ظل عاجزاً عن فتح اللعينة طوال الأسابيع الماضية. لكن، بعد ليالي عناد طويلة وقليل من الحظ، استطاع أخيراً أن ينتج استجابة من المكعب. كان المكعب لغزاً بحد ذاته. لغز صُمِم عمداً ليكون كذلك. شروط فتحه بسيطة: طوفان من هالته، وقدرة فائقة على التحكم في نفوذه.
ذكّره الأمر بعصا تدريب فريا، لكنها مخصصة للنفوذ وحده. وحين فتحه، ظهر له شيئان. الأول رسالة تشرح وظيفة المكعب. والثاني خاتم صغير يربط عقله وروحه بالمكعب. والمكعب في جوهره جهاز تدريب مفرط التعقيد. وكصديقة صالحة، افترضت رينيرا بحق أن جوليوس لا يحتاج حقاً إلى كنوز أو جرعات تحسين مهارات. ما كان يبغاه هو وسيلة لتحسين قدراته الشاملة، وكان هذا المكعب ضالته المثالية. ظل يعبث بالنفوذ منذ ترقّيه إلى المرتبة الرابعة.
وتفاوتت النتائج. لقد تحسن، لكن النفوذ لم يتصرف بالطريقة نفسها التي يتصرف بها المانا. ولهذا السبب، لم يستطع زراعة نواة طائر الفينيق المدمر الجديدة، ولا نيران الدمار المرافقة لها. ووصل إلى نتيجة مفادها أنه يرتكب خطأ ما. وبما أن نفوذه يختلف عن مانا والهالة لديه، لم تنجح تمارينه المعتادة. حاول الالتفاف حول هذه المشكلة عبر مراقبة نفوذ الآخرين وتجربة أشياء جديدة. على سبيل المثال، حاول محاكاة قدرة ذلك القرد على تعزيز جسده بالنفوذ، بل ومدت كاساندرا يد العون، لكن لكل مساعدة حدوداً مع نفوذه الخاص تحديداً.
وبدا أن هذا المكعب سيكحل عيونه بحل مشاكله. وبمساعدة الخاتم، استطاع المكعب التسلل إلى بذرة طائر الفينيق المدمر وصياغة نظام تدريب مخصص له. أراى كاساندرا الأثر، فحُبست أنفاسها أمام قدراته. وبحسب ما بدا، لم تر شيئاً مثله قط خارج مكافآت الصدوع المخصصة. كان مسروراً جداً بالمكعب؛ والمشكلة الوحيدة تمثلت في صعوبة استخدامه السخيفة. ومع التحدي الإضافي المتمثل في عدم اعتياده على التحكم بنفوذه، بدا الأمر كاستخدام جزء جديد كلياً من جسده.
لذا، طوال الأسبوع التابع تقريباً، حين لم يكن يلقي دروسه، كان منزوياً في جناح شمس البارحة، مستفيداً من المكعب إلى أقصى حد. بل إن تقنية حياته علقت بينما كان يعبث بلعبته الجديدة. وعلى صعيد آخر، نال التلاميذ الذين تخلو عنه عقابهم المناسب. حسنناً، بعضهم على الأقل. وبحسب الظاهر، فر القائد، رويلو، وأحد التلاميذ الداخليين الآخرين في منتصف الليل. وعلاوة على ذلك، لم تكتشف الطائفة الشخص الذي سرّب موقع جوليوس إلى طائفة الكركي السماوي.
لكن كاساندرا طلبته أن يتوخى الحذر، مرجحة أن الفاعل تلميذ ساخط أو أحد شيوخ الطائفة الراغبين في التخلص منه. ولأي سبب، لم يكن لديه أدنى فكرة. فلم يكن ليفعل ما يغضب أحداً منذ مجيئه إلى هنا. وكل ضحاياه كانوا مشاركين بمحض إرادتهم. وعلى ذكر ضحاياه، لمس مايا متجهة نحوه. إنها إحدى القلائل القادرات على ارتياد جناح شمس البارحة.
سألت مع اقترابها: "ما زلت تستخدم ذلك المكعب، أليس كذلك؟"
قال بينما يلقي بقطعة مقرمشة أخرى في فمه: "يپ."
واستطرد بينما تساقط الفتات من جانب شفتيه: "إذن ماذا تريدين؟ إن لم تكوني تعلمين، فأنا شخص مشغول للغاية."
تمتمت باستهزاء: "نعم، أرى ذلك. ولكن إن أردت العلم، فأنا هنا لأن الحملة على وشك الانطلاق. ومع ذلك، إن كنت مشغولاً للغاية، فيمكنني إخبار الشيخ هوان بأنك عاجز ولن تستطيع اللحاق بنا."
وثب جوليوس على قدميه ودفع باقي الوجبات الخفيفة في فمه.
وقال على عجالة: "أنـ- مممم، قا- مممم."
ضحكت وأرافقته إلى قاعة المهمات، حيث استقبله جمع غفير. وعلى رأس هذه المجموعة وقف الشيخ هوان. دفعته نحو الشيخ وذهبت لتحية أصدقائها. لم تكن مايا مرافقة له، لكنها أرادت توديعهم قبل رحيلهم.
قال الشيخ هوان ببهجة وتعبير غريب على وجهه المعهود بالجمود: "آه، جوليوس، يسعدني رؤيتك وقد قررت مرافقَتَنا."
سأله بحذر: "هل أنت بخير يا سيدي؟"
عبس الشيخ هوان: "ماذا تعني؟"
"تبدو مختلفاً. تكاد تبدو... سعيداً."
تمايل جوليوس إثر صفعة مفاجئة على مؤخرة رأسه. كان الشيخ هوان أسرع مما توقع.
"لا تفسد مزاجي يا فتى. لم أنعم بمغامرة طيبة منذ عدة سنوات. دعني أستمتع باللحظة."
فرك رأسه وأطال النظر إلى الشيخ. لقد توطدت معرفته بالشيخ هوان خلال الأسابيع الماضية التي أمضاها في الطائفة. ولم يكن الشيخ، رغم افتقاره لود أو دفء، إلا منصفاً دائماً. ولسبب ما، بدا أن الشيخ هوان يمنح جوليوس حرية أكبر بكثير مما يمنحه لتلاميذ آخرين، فيجاريه حين يرفض الآخرون.
"لم لا؟ ألست قادراً على تولي مهمة أو الانطلاق بمفردك متى شئت؟"
فرك الشيخ هوان لحيتيه: "لست أدري. الكسل؟ القناعة؟ يصعب الجزم، لكني شعرت فجأة بدافع لتغيير روتيني المعتاد. حاولت إقناع الشيخ مالريك بمرافقتي، لكن يبدو أن سيد الطائفة قال إن المهمة بالغة الخطورة بحيث لا تسمح بالمجازفة بالعجوز اللعين."
"أهذه الصحاري المحروقة خطيرة إلى هذا الحد؟"
"الخطورة كلمة تقلل من شأنها. لابد حتماً من وقوع بضع حالات وفاة بين التلاميذ الداخليين. الصحارى ليست مكاناً لطيفاً، فهي تكافئ الأقوياء وتعاقب الضعفاء. خطأ واحد وتكون في رصيف الموتى. كدت أموت في آخر مرة قصدتها، لكن ذلك حدث قبل مدة طويلة، حين كنت في المرتبة الرابعة."
ثم أردف الشيخ هوان بضحكة خافتة: "في الواقع، يفاجئني أن تسمح لك نائبة سيد الطائفة كاساندرا بالانضمام إلى هذه المهمة."
"الصحاري المحروقة جزء من السبب الذي جاء بي إلى الطائفة أصلاً. لذا لن يكون منطقياً أن تمنعني من الذهاب."
رَسَم الشيخ هوان تعبيراً غريباً: "همم."
"ماذا؟"
"لا شيء."
ضيق جوليوس عينيه لكنه تجاوز الأمر.
"إن كانت بالغة الخطورة، فلمَ يأتي كل هؤلاء البشر معنا؟"
"لأي غرض آخر يفعل البشر أي شيء؟ الطمع والغطرسة."
أعاد قولها بنظرة تشكك: "الطمع والغطرسة؟"
"نعم، يأملون جميعاً في العثور على كنز لا يُقدر بثمن أو فرصة مذهلة تساعدهم على الترقي. سيفشل أغلبهم في العثور على أي من هذين الشيئين، وهم يعلمون ذلك، لكنهم يدركون أنهم سيظفرون بالخبرة وكمية وافرة من نقاط الطائفة على الأقل."
"ولمَ أنت مرافق لنا؟"
نقر جوليوس على ذقنه متدبراً ثم ابتسم باتساع: "للمتعة."
نظر إليه الشيخ هوان بارتياب مجدداً: "للمتعة؟"
أومأ بثقة أكبر: "للمتعة."
"ألقي برأسك على الأرض وأنت رضيع، أليس كذلك؟"
هز جوليوس كتفيه: "لا علم لي بذلك، لكني تلقيت الكثير من اللكمات والركلات على رأسي أثناء التدريب إن كان هذا يُحتسب."
"ألا تتوقف عن التدريب قط؟"
"ماذا تعني؟"
"كلما رأيتك، وأنت تتدرب. حتى الآن، ونحن واقفون نتحدث، أستطيع أن ألمح أنك تتدرب على نوع غريب من التقنيات بفضل مانا الحياة التي تملكها."
سأله بفضول: "أتستطيع استشعارها؟"
كان قلادة منسج الظل نشطة لديه، لذلك ظن أن تقنية حياته محجوبة عن الأعين. لكن بدا أن الأمر لم يكن كافياً لحجبها تماماً عن شخص بحجم الشيخ هوان.
"نعم، ومما سمعته من الآخرين، لا يعدو هذا الأمر طبيعياً بالنسبة لك."
هز كتفيه: "ما عساي أقول؟ أنا أستمتع بذلك."
قال الشيخ هوان بابتسامة خبيثة: "ليس الجميع مثلك. يراودني شعور بأن الصحاري المحروقة لن تكون كما هي بالنسبة لبقية البشر. أمثالك هم من ازدهروا هناك لا من عانوا."
همّ جوليوس بسؤال الشيخ عن مقصده، لكن شخصاً اقترب منهما، مخترقاً نطاق العزلة الذي نصبه جوليوس مسبقاً.
"الشيخ هوان، كل شيء جاهز. عليك ببساطة إجراء الفحوص الأخيرة قبل أن ننطلق."
على عكس الشيخ هوان، بدا هذا الرجل أصغر سناً بكثير. كان ذا وجه حاد وكأنه منحوت من صخر. وكان الرجل في المرتبة الخامسة أيضاً.
قال الشيخ هوان: "شكراً لك يا ليون. أيمكنك العثور على أمارة بينما أفعل ذلك؟ أريد الحديث مع كلاكما قبل أن نغادر."
"بالتأكيد يا سيدي."
أومأ بحزم وقال: "رجل صالح."
ثم التفت نحو جوليوس: "عليك التوجه إلى مجموعتك. أدرك أنك لا تحمل أي مهمات أو مسؤوليات كالآخرين، لكن أرجو المساعدة حيث ترى مناسبة. وإن انعدم ما يُفعل، فافعل ما تشاء."
أومأ جوليوس وراقب الشيخ هوان يتجه لفحص قائمة المواد والجرعات. أما هو، فقصد المكان الذي تجمع فيه أصحاب المرتبة الرابعة الآخرين. لكنه تجمّد في مكانه، مذهولاً بما أبصرت عيناه. ماثل أمام ناظريه أروع سفينة شاهدها طوال حياته. مصنوعة بالكامل من الذهب وخشب أحمر قانٍ. وراح كل سطح يتلألأ وكأنما صُقِل لتوه. كانت السفينة ضخمة للغاية. في حجم يخت كبير من عالمه القديم وأكبر من أغلب الطائرات.
لم تكن انسيابية بأي شكل، لكنه شعر بأن الأمر سيان مع مساعدة السحر لها. تحركت مجموعات غفيرة من البشر لنقل الأشياء على ظهر السفينة، واستغرق جوليوس في اللحظة، مستمتاً بمشاعر الدهشة والذهول وهو يحدق في المنطاد. لقد رأى بعضاً منها عن بعد، لكنه أدرك الآن أنه استخف بها. كانت مبهرة بحق.
قالت له مايا: "رائعة بحق، أليس كذلك؟"
"نعم، أكل المناطيد هكذا؟"
ضحكت قائلة وهي تهز رأسها: "معاذ الملوك لا. لكن لا يمكن للطائفة الظهور بمظهر سيء حين تحلق عبر أقاليم أخرى. ينبغي للجميع معرفة بأس وقوة طائفة الشمس المحرقة. لحسن حظك أنك تخوض هذه التجربة بنفسك، لفترة وجيزة على الأقل."
"لفترة وجيزة فقط؟"
"نعم، المناطيد لا تتحمل البيئة القاسية داخل الصحاري المحروقة. بعض الأنواع الأقوى قادرة على ذلك، لكن الطائفة لن تسمح بإخراج إحدى تلك السفن بسهولة من حوزتها."
"يا لها من خسارة. أمتأكدة أنك لا تريدين مرافقَتَنا؟ أنا واثق من قدرتي على إقناع كاساندرا بأنها فرصة مواتية لك."
حدقت فيه مايا بغضب: "إياك أن تفعل. بمعرفتك، قد تستمع إليك حقاً. ناهيك عن أن الصحاري المحروقة بالغة الخطورة لشخص في المرتبة الثالثة مثلي. إن ذهبت، فمن المرجح أن يراقبني عدة حراس شخصيين."
لاحظ قائلاً: "لم يكن معك أي حراس حين ذهبت إلى الإمبراطورية."
صرحت مايا باحتقار: "أنا واثقة تماماً من أن وجود صاحب مرتبة سادسة معي يعد حماية تفوق الحاجة. إن تمكن أحدهم من تجاوزها، فلن تفيد أية حراسة مهما كثرت."
ضحك بخفة، عاجزاً عن دحض كلامها.
قال بابتسامة مبتهجة: "حسناً، إن غيرت رأيك. فأنت تعلمين أين تجديني. أه، ولا تنسي تدريب قوة إرادتك. لقد تركت لساري بعض التوجيهات من أجلكم جميعاً. أترقب تحسنكم أثناء غيابي. يمكنني منحكم بعض النصائح السريعة أو تمارين التدريب الجديدة قبل أن أغادر، ثم أساعدكم في ذلك."
ولكن لسبب ما، ارسم فجأة تعبير ألم على وجهها.
سأله بقلق: "أثمة خطب ما؟"
قالت باستعجال: "لا، لا، لا. لا شيء خاطئ. أه، انظر، أظنكم راحلون!"
"ماذا؟ لا أظن أنـ-"
مع ذلك، وقبل أن يُكمل، كانت قد استدارت بالفعل وراحت تبتعد عنه راكضة. بل إنها عززت جسدها بالمانا، مما يعني أنها كانت تتحرك بسرعة كبيرة. حدق في سحابة الغبار التي خلفتها وراءها بنظرة حيرة. لابد أنها لم ترغب بتاتاً في سماع نوع تمارين التدريب التي كان يخبئها لها.