درب التسامي الفصل 639 — أين هو؟

اقرأ درب التسامي الفصل 639 — أين هو؟ باللغة العربية على مانجا تايم.

منظور الشيخ هوان: "ماذا تقصد بأنك تركته هكذا؟"

سأل محاولاً الحفاظ على رباطة جأشه، لكن الأمر بدا عسيراً. لم تصدّق عيناه مدى غباء هؤلاء التلامذة وصلابتهم. راودته فكرة انتزاع شاراتهم من صدورهم وقذفها في الريح. إنّ التخلّي عن رفيق السلاح، ناهيك عن ضيف الطائفة المكرّم، إهانة للطائفة جمعاء. وبحسب ما جمعه من معلومات، كان الوحش مصاباً، ممّا زاد الطين بلّة. لقد تركوا جوليوس وفرّوا عائدين إلى الطائفة كشرذمة من الجبناء.

"لكنّ الشيخ هوان، لم يكن بوسعنا فعل شيء. كان الوحش كائناً من الفئة الخامسة، وهالته وحدها كفيلة بسحقنا. لقد كان قراراً منطقيّاً، وربّما أنقذ حياتنا،"

حاول أحد تلامذة الداخلة التبرير. وجّه الشيخ هوان نظرة خاطفة نحو هذا الشاب وألقى بهالته على الجميع دفعة واحدة.

"لا علاقة للأمر بهروبكم أو فراركم. العبرة في أنكم تركتموه واتخذتم منه طعماً دون محاولة إعانته أو حتى أمره بالفرار. أتدرون كيف تبدو الطائفة بهذا التصرف؟ أتدرون ما يعنيه هذا لكل من ينتسب إليها؟"

"لقد حاولنا أمره بالفرار. صرخنا في وجهه ليتراجع،"

جادل تلامذة آخر. تقدّم الشيخ هوان وصفع الرجل على وجهه. شعر بانشِقاق شيء تحت كفّه، لكنه لم يكترث. كان يغلي غضباً، والافتراءات لم تزيدهِ إلا اشتعالاً. قبض على ذقن التلامذة المصفوع.

"لا تكذب عليّ. لقد تلقيت تقريراً كاملاً من التلامذة ألبرتوس ومافيس. لقد أخبراني بما جرى وما فعلتموه."

تضاعف غضبه جراء الخوف الذي فاح من الشاب. كان يكاد يبول في حذزيه. عارٌ يستحق اجتثاثه من الطائفة نهائيّاً. لكنّ الأمر لم يكن بيده للأسف. بل كان بيد قاعة التأديب، حيث سيذهب هؤلاء التلامذة حالاً. وما إن أخرج التلامذة من مكتبه حتى أحسّ بحضور يباغت ظهره. لم يلتفت، فقد حدس هويّة الطارق.

"أين هو؟"

سأل صوت نائبة زعيمة الطائفة كاساندرا برفق، غير أنّ النبرة الخطرة فيه كانت أبين من أن تخفى. شعر الشيخ هوان بانكماش في جوفه تحت وطأة هالتها. كانت ساخطة، ولها كل الحقّ في ذلك. ولهذا السبب تحديداً استشاط غضباً في وجه أولئك التلامذة. التخلّي عن الرفيق خطب جسيم، فما بالك إذا كان ذلك الشخص ممّن أولتهم كاساندرا عناية خاصّة. لقد تعلم الكثير طوال الأسابيع العديدة التي قضاها جوليوس في الطائفة.

أولاً، كانت كاساندرا تتردد على الصبي مراراً، وهو سرّ لا يعلمه إلا النفر القليل. وفوق ذلك، بدا أنّ الشيخ الأكبر كوين يقرّ أمر الصبي. ومثل هذا الاعتراف أعظم دلالة، إذ إنّ الرجل بالكاد يرضى عن أفراد عائلته.

"أملك مكان آخر إحداثيّة رُصد فيها،"

قال ومدّ إليها رمزيّة تضمّ كافة المعلومات التي جمعها. كان يعلم بقدومها فأعدّ الأمر مسبقاً.

"من الأفضل أن ينالوا عقاباً يتناسب مع فعلتهم بحلول عودتي. وإن لم يفعلوا، فأتولى الأمر بنفسي،"

خاطبته.

"سأُعلم قاعة التأديب بذلك،"

قال محنياً رأسه. أصدرت همهمة، وقبل أن يشعر بأي مانا صادرة عنها، اختفت من مدركه. عندئذ فقط انهار جالساً على كرسيه. امرأة مخيفة. لم يسعه إلا التضرّع ليبقى الصبي على قيْد الحياة. أبى أن يتخيل ما سيحلّ باولئك التلامذة، أو بالطائفة نفسها، إن لم ينجُ.

* * *

منظور جوليوس: مسح الفتات عن فمه وهو يدفع بقدميه موجات البحيرة اللطيفة. كان يستمتع بنزهة لطيفة على الشاطئ، لكنّ ذلك كله تبخّر وهو يحدّق في فيلمورا بنظرة معقدة. على ذكر فيلمورا، لقد خلا جسمها تماماً من الجروح. ظهرت بعض الخطوط الشاحبة دلالة على مواضع إصاباتها، لكنها بالكاد تُرى. تعافت قرناها قليلاً أيضاً. بقيا مشرشرين ومتضرّرين، لكنه لمس عودة مظهرهما المهيب إلى الحياة.

تلألأ الاثنان بطبقة من المانا الزرقاء المتلألئة تحت ضوء الشمس. مع ذلك، لم يكن هذا ما استرعى انتباهه. بل إن جسمها كان ينكمش أمام عينيه مباشرة.

"تستطيعين تغيير حجمك وقتما شئت؟"

سأل مندهشاً. أومأت له الحيّة التي بلغ طولها خمسين قدماً سابقاً، وأضحت الآن عشرة أقدام.

"نجل،إنّها قدرة نافعة للغاية يتعلم الكثير من أبناء جنسي استخدامها. فالحجم الضخم يمنعك من ارتياد الكثير من الأماكن."

"فلماذا لم تتغيّري من قبلُ؟ أيسعك التعافي بصعوبة أكبر حين تكونين أصغر حجماً أم ماذا؟"

"كلا، بل هو أيسر في الواقع ويتطلب مانا أقل. لكنّي لا أستطيع تبديل هيئتي إن بالغت في الإصابة؛ فلن يتغيّر حجم الجروح، وكنتُ لأهلك محالة من وطأة الجهد. لكن بفضل شفائك، تعافيت بما يكفي لاحتمال مثل هذا التحول. على كلّ، مهارتك العلاجية مذهلة حقّاً. أدهشني أن تقوى قدرة مرتبطة بعنصر النار على شفائي بهذه الكفاءة،"

لاحظت بنظرة غريبة. ابتسمت.

"حسناً، يسرّني أنكِ صرتِ أفضل. ولستُ خاسراً شيئاً أنا الآخر."

ولم يكن يزعم ذلك مجازاً. لقد بلغت من الامتنان لمساعدته أن أطلعته على إحدى تقنياتها السريّة في التعامل مع طاقتين متباينة الجذور. بطبيعة الحال، لم تكن مخصّصة للبشر، ولكنس حظّ جوليوس أنه حظي بخبرة وفيرة في هذا المجال.

"هذا أقله. حاولي الآن مجدداً، ولكن احرصي هذه المرة على تبديد الطاقة بتساوٍ. ما زلتِ تجمعينها كمصدر واحد. إن فعلتِ ذلك، ستكتسب هالتك قوة تطغى على مانا حياتك،"

وجّهته، مستخدمة نطاقها الخاصّ للسيطرة على ماناه لتريه ما تقصده. أصخى لنصيحتها وكرر التقنية مرّة أخرى. جمع مانا الحياة وهالة الدمار، حارصاً على إبقاء الهالة منعزلة مع الحفاظ على التوازن. ولدهشته، نجح الأمر. لم يفكر في الأمر على هذا النحو قط، لكن بنشر هالة الدمار بهذه الكريقة، حافظ على جوانبها السلبية وفي الوقت ذاته أدارها بيسر أكبر. إن ارتكب خطأً، فلن ينهار كل شيء على الأقل.

سابقاً، كلّما أخطأ، كانت هالته أشدّ قوة من أن تُحتمل، فيتداعى كل شيء قبل أن يتمكن من وقفه. أما باتباع طريقتها، فاستطاع التدبير بثقة أكبر. أو على الأقل تدمير ذلك القسم من هالته قبل أن يعدي المصادر الأخرى. التحدّي الحقيقي تمثل في استلزامه تركيزاً ذهنيّاً هائلاً لمسايرته، حتى مع احتساب تطور ذهنه لدى بلوغه الفئة الرابعة. وهُنا مجدداً، أثبتت [تحصين الروح] نفعها. ساعدته المهارة وهو يعالج هذا التوازن الدقيق بين طاقتين متباينتين تماماً.

وحتى إنه نال مستوى جديداً جراء ذلك.

[تحصين الروح المستوى 20 -> المستوى 21]

أحسّ بها تعدّل ماناه عبر نطاقها. لم يقاوم، عالماً أنها لا تبتغي سوى إعانته. مع ذلك، ضحك حين أدرك ما كانت تحاول إراءته إيّاه. لم يكن الأمر مجرد تجزئة بسيطة؛ بل كانت تبني هيكلاً كاملاً سيعزل أجزاء المانا المختلفة لأجله. بهذه الطريقة، غدا عليه التركيز على صيانة الهيكل ومراقبته فحسب، لا تنظيم الأمر يدوياً بنفسه. ويا للأسف، كان أبعد ما يكون عن محاكاتها، لكنه ظنّ أنها تدرك ذلك، وكانت تكتفي بعرض ما يجدر به الاحتذاء به مستقبلاً.

بدا الهيكل ذاته كخلية نحل من مسدسات متحدة المركز، تتشابك كلها معاً. وفوق هذا، حوت ملمساً مساميّاً، بحيث إذا تعرض قسم لضغط زائد، استطاع ضخ بعض الفيض إلى القطاعات المحيطة. أمر شديد التعقيد وفوق طاقتها في الوقت الراهن، لكن مجرد استطاعته استشعار هذا القدر مما تفعله أثار إعجابها بجلاء. وإن عجز عن تقليدها تماماً، فلا بدّ أنه أتا شيئاً صائباً، إذ تلقى إشعاراً. أترغب في تعلّم مهارة [الدورة التوافقية]؟

أعجب جوليوس برنّة هذه المهارة واشتاق لاقتناصها فوراً. لكن في ومضة من قوة إرادة جبارة، كبح جماح نفسه. تلك إحدى سيئات المجيء إلى كورفوس؛ إذ خلا من شخص كفريا أو كين يلجأ إليه لطلب النجدة في مثل هذه اللحظات. بوسعه سؤال كاساندرا عند لقاها المقبل، وإن جهل امتلاكها مهارة مماثلة أو قدرتها على الإعانة الكافية. على الأقل، عرف كين وفريا كافة مهاراته وأعاناه واضعين ذلك في الحسبان.

لحسن الحظ، توفر لديه شخص يسأله في الحال. ولم يمانع سؤالها، فهي السبب في عرضها عليه أصلاً.

"عرضت عليّ لتوّي مهارة تدعى [الدورة التوافقية]. أترين عليّ قبولها؟"

علت وجهها ملامح تفكير.

"ما سمعت بها قط. لكن اسمها يوحي بأنها ستعينك في تدوير الطاقات المتعاقدة. فإن استشعرتَ أنها ستفيدك، فلا أرى مانعاً يمنعك من قبولها. لكن لا داعي للبتّ الآن. خذ وقتك واتخذ قرارك لاحقاً."

أومأ موافقاً. ربما كان هذا الأصل. وهمّ بسؤالها سؤالاً آخر، لكنه لحظ تضيق عينيها وسريان المانا في جسدها. لم يسألها عن السبب وحذا حذوها. في تلك اللحظة وحدها استشعار ومضة غريبة في حواسه المكانية. شخص أو شيء ما ينتقل آنيّاً بالقرب منه. تفاعل فوراً وشكل رمح مانا ضخماً فوق كتفه بينما سلّ فأسه من مساحة التخزين البعدية. لم يمهله حتى يبرز من البوابة حتّى شرع في هجومه. ولم يكلف نفسه عناء إخفاء طاقته الحركية أيضاً.

أيّاً ما كان هذا الشيء، صرخت حواسه محذرة من خطورته. غطّى الفأس بكل أوقية قوة استطاع حشدها. حصّنت مجمل روحه النصل وفعّلت تقنيته الجديدة. ما زالت تحت الإنشاء، لكن مع إحساسه بالاستعجال، شعر بها تتكامل أسرع بكثير وتستقر في مكانها. ثمّ بحركة انسيابية واحدة، هوى بفأسه نحو الشكل البارز من الفضاء. لكنّ عينيه اتسعتا رعباً حين تعرّف الوجه. حاول التراجع، لكن اندفاعه كان أقوى من أن يدرك التدارك.

اصطدم الفأس بوجه كاساندرا بكامل قوة بأسه، واهتز انفجار من بؤرة الضربة. وحين انقشع الغبار، وقف هناك صامتاً تماماً. لم يدرِ أأخجله الأمر أم أغضبه حقيقة أنها لم تتزحزح قيد أنملة. وكأن أحدهم لطخها بكعكة جافة. بدت حائرة أكثر من أي شيء آخر، وحدقت فيه، مذهولة بالكامل مما حدث لتوّه. ثم خفضت بصرها نحو الفأس، وتبع هو نظرتها. ولفظعه، رأى الفأس مهشماً تماماً. ذاب المعدن وتحول إلى خبث، وتناثرت شظايا الفولاذ المكسور على الأرض، بينما تدلى الجزء المتبقي من النصل على المقبض بأماني اليأس والأحلام.

رفع الفأس في وجهها.

"انظري ماذا فعلتِ،"

خاطبها، كأنه لم يهشّم هذا الفأس نفسه بوجهها وأن الذنب ذنبها في تحطيمه. حدقت فيه بدهشة مطلقة أمام صلابته، وقبل أن يتحرك، انتزعت الفأس من يديه وفلقت المقبض نصفين. ثمّ رمت السلاح المكسور على الأرض وتنهدت.

"حسناً، لقد تفاعلت بسرعة على الأقل. لا يمكنني التذمر من ذلك."

"كنت أنوي إصلاحه،"

قال بنظرة حزينة على السلاح المكسور وركع ليلتقط القطع. لقد خاض الكثير رفقة ذلك الفأس. حسناً، لعلّ الأمر لم يكن بذلك القدر، لكنه نوى استخدامه لفترة ما. والآن بات بلا فأْس. فما عساه فاعل الآن؟ أدارت عينيها تجاه الفأس بازدراء.

"سأدبر لك واحداً أفضل. ذلك الشيء ليس ذا بال."

"لا تتحدثي سوءاً عن الأموات،"

قال مستاءً.

"كفّ عن دراميتك هذه. أتيت إلى هنا ظنّاً مني أنك ميت أو تُضرب حتى الموت. لكن ها أنا أجدك سالماً تنعم بنزهة؟"

قالت وهي ترمق بصرها محيط ما صنعه من أطعمة على شاطئ البحيرة.

"ناهيك عن رفيق جديد؟"

سالت بنظرة محددة صوب الحيّة ذات العشرة أقدام، التي حدقت في البشرين بتعبير مشدوه. وضع جوليوس يديه على خصريه وابتسم.

"ما عساي أقول؟ أنا أرمي للإبهار."

لم تردّ كاساندرا واكتفت بصفع جبهتها.