تملّك جوليوس والطائر الظريف صمت متبادل وطويل. لم يحاول حتى الفرار منه. لم يعد حبيساً لديه بأي شكل. كان بمقدوره المغادرة متى شاء. لكنه آثر البقاء لسبب ما. وقفا معا في حيرة تامة وغرقا في صمت مطبق. عدل طائر القتل الصغير ريشه بمنقاره بعد ثوان. لم ينتظر شيئاً يذكر حين قبض على الكائن الأسود. لكن هذا لم يكن بالحسبان قط. بطلت حيلته تماماً. كان هذا المخلوق الصغير شديد الخطورة.
أمر يبعث على الذهول.
قال للكائن الذي كاد يمزق قلبه: "أهلاً".
مال الطائر برأسه للأعلى وغرد كأنه يرد عليه التحية. بدا وكأنه يقول أهلاً بدوره. رفع جوليوس كفه ليصيرا على استقامة واحدة.
"لماذا كنت تحاول قتلي إذن؟".
أطلق الطائر تغريدة واحدة ونفش ريشه. كأن هذا يكفي لتفسير سبب هجومه.
"همم. لا أستطيع الفهم".
غرد الطائر مجدداً بتفاصيل أكثر وخفقات أجنحة كثفها. مد جوليوس هالة تلامس الطائر برفق. تمكن إثر ذلك من فك شفرة بعض تلك التغريدات.
سأل بعد إنصات دقيق: "أتقول إنني اقتحمت منطقتك؟".
هز الطائر رأسه بحزم وأطلق تغريدة قصيرة ناكراً بقدمه الصسيرة على كفه.
"آه. خطئي".
لم يدر جوليوس حقاً لمَ كان يعتذر. لم تكن المنطقة معلمة بأي إشارة تذكر. لكنه رأى الاعتذار تصرفاً مهذباً في تلك اللحظة. ولم يكلفه الأمر سوى كلمات معدودة وجهد يسير. لان قلب الطائر لهذا الاعتذار على حسن الحظ. أطلق الصغير تغريدة سعيدة ولامس طرف منقاره كف جوليوس بنعومة. خامره شعور بأنه يعتذر عن هجومه المفاجئ.
"هي, هل صدف ورأيت مجموعة من الناس تمر من هنا مؤخراً؟ كانت بصحبتهم امرأة مرعبة".
حدق فيه الطائر بحيرة وهز رأسه نفياً.
فسر كلامه قائلاً: "لا عليك إذن. ظننت السؤال واجباً فحسب".
ساد صمت طويل بينهما حتى التفت جوليوس إلى الطائر أخيراً.
"حسناً, سأتابع طريقي للعثور عليهم إن لم يكن لديك مانع".
حمل الطائر عن كفه وأخذ يشحن جسده بطاقة حركية متأهباً لاستئناف تحليقه. خفق الطائر بأجنحته فجأة واقتراب منه لسبب ما آخذاً يهزها في وجهه. ومضى يوحي له بالرفض أو يحذره من أمر ما.
"ما الأمر؟".
أرسل إليه الطائر دفعات من الانطباعات. وما فطن جوليوس لتفسير تلك الأمور واستنباط بعضها إلا بفضل دراسل.
سأل مشيراً إلى الاتجاه الذي يدل عليه جهاز التتبع: "أتقول إن هناك منطقة لمشخ وحش آخر في ذلك الاتجاه؟".
أومأ الطائر الأسود رأسه.
"أقوي هو؟".
تلقى رปداً أوضح وأحزم بكثير من الكائن. مما يعني على الأرجح أنه ليس مجرد رتبة رابعة. فقد كان الطائر قوياً للغاية. وكان الرعب الذي لمحه في هيئته عند الحديث عن ذلك الوحش هائلاً لدرجة تدل على تجاوز الرتبة الرابعة. هناك رتبة خامسة في الأمام إذن. عرف ذلك قبل أن يطير إلى عرين الكائن على الأقل.
"أكائن طائر آخر هو؟".
أومأ برأسه.
"أمن سبيل لتفاديه؟".
أومأ برأسه.
"أتستطيع إرشادني؟".
توقف الطائر برهة. حدق نحوه وإلى المكان المفترض لوجود الوحش ثم أومأ برأسه.
قال جوليوس بابتسامة مشرقة ومد يده ليحك الطائر من تحت جناحيه: "حقاً؟ شكراً لك!".
تهيأ الطائر وغرد بسعادة عند ذلك وانحنى نحو يده ليتيح له حكاً أعمق. أشار إليه الطائر بأن يتبعه بعد أن فرغ من ملاطفته وانطلق في الجو. تحرك بسرعة مذهلة. لا عجب أنه بالكاد استشعر وجوده في الوقت المناسب. بدا الطائر سريعاً ورشيقاً بشكل سخيف رغم إبطائه من أجله. لم يعقه صغر حجمه أبداً. بل زاد الصغر الأمر صعوبة على الناس أو فرائسه لرؤيته. تيقن تماماً من أن هذا الكائن يمثل رعباً حقيقياً في السماء.
لا يمكنه تخيل مدى خطورة وسرعة من هو في الرتبة الخامسة. قاده جوليوس متجاوزاً المنطقة التي أشار إليها. تجاوزا المنطقة برمتها في النهاية وبمساعدة الطائر تمكن من تفادي هجمات أي وحوش أخرى. امتن لذلك وقضى أغلب ذلك الوقت في تفحص كيفية تحرك ذلك الكائن الصغير بهذه السرعة. أحاطت بطاقة غريبة بكامل جسده حسبما تبين له. ذات الطاقة التي عطلت مانا خاصته رغم قصارى جهده. بدا أن الطاقة تؤثر على الهواء أيضاً.
وبدل مقاومته دفعت الرياح الطائر للأمام مباشرة. لم يظن جوليوس قدرته على نسخ تقنية مماثلة. لكنه لفت انتباهه لعدة سمات شيقة يمكنه تطبيقها في تقنيات المانا الخاصة به. قطب جوليوس جبينه عندما توقف الطائر فجأة والتفت حوله بذعر. استعد لقتال مجهول الأسباب. لكن مشاعر الطائر بدت كأنها... تحمل شعوراً بالذنب. تملكه الفضول فتبعه هابطاً إلى بقعة صغيرة خالية.
سأل الطائر اللطيف: "أكل شيء على ما يرام؟ أهو وحش أم ماذا؟".
نفى الاثنان بنفش ريشهما. لكن ما إن همّ جوليوس بالتساؤل عما يجري حتى أحس بشيء يظهر في مجال إدراكه. عجز عن إيجاد ذلك الحضور أيضاً. فقد أخبره إدراكه بوجودهم في كل مكان. كان الأمر محيراً بأقل تقدير. لكنه عرف متى يكون في خطر حقيقي. شرع في شحن مهاراته فوراً. لكن مانا خاصته تداعت دون أي مقاومة وسط ذهوله. لم يكن الأمر متعلقاً بقوة الإرادة حتى. بل انزلقت بين أصابعه كالرمل. ولم ينته الأمر عند هذا الحد.
بل أحس بمجال يطبق عليه فجأة. كان كأنه وسط إعصار جارف فهوى على ركبة واحدة عاجزاً عن التنفس. غمر روحه بالقوة فوراً دون تردد. انفجار مشفوع بعزيمة لزجة. لم يمتلك الوقت لاختبار تقنية دورين ففرضها بقسوة. ومض المجال حوله ومضة خاطفة أتاحت له الإفلات من قبضته الوحشية. لم يدم الأمر طويلاً بل جزءاً يسيراً من الثانية. لكنه كفاه لجمع مانا كافية لاستدعاء لهب الخراب حوله. التفت هالته حول كتفيه كعباءة وانطلقت طاقته الحركية دفعة واحدة.
جهل مكان كائن الرتبة الخامسة هذا فهاجم في كافة الاتجاهات ببساطة. اصطدمت كلها بقوة معارضة وخبت كشمعة تحتضر للأسف. عاد المجال ليهوي عليه بقوة تفوق سابقتها. استعد بشكل أفضل هذه المرة وأبدى مقاومة أشد لحسن الحظ. أطلق أنّة ألم بينما عصر المجال القاسي والإرادة المعارضة روحه كعنب. صمد بالقدر المستطاع رغم إرهاقه الشديد. أحس بخسارته للمعركة فانفجرت روحه مرة أخرى متجهماً ليمنح نفسه متسعاً للتنفس.
استغل هذه المساحة لتفعيل المزيد من المهارات غامراً جسده بكل ما استطاع استحضاره. فطن كائن الرتبة الخامسة لتقنيته بلا شك. وقبل تفعيل مهاراته أحس بشيء يرتطم بصدره. تهشم قفصه الصدري بأسره وانفجرت رئتاه. لم يصبه الهلع وسارع بقذف كل ذرة طاقة حركية خزنها صوب كائن الرتبة الخامسة الخفي. لقي بعض المقاومة لكن طاقته الحركية غُمِرت. وقُبِض عليه من كل الجهات معلقاً في الهواء. عاد مجاله ليطبق من جديد مستشعراً قيام الكائن بتمزيق كافة محاولاته بطريقة لم يعهدها من قبل.
بل أحس بمحاولته الولوج إلى روحه مستخدماً هالته كبوابة. زمجر وأطلق هالته للخارج. وظّف كل ذرة إرادة لكبح تيار القوة الجامح. قد يعجز عن استخدام قدراته خارج جسده. لكنه سيلعن نفسه إن سمح لهذا الكائن بالعبث بروحه. تلك منطقته الخاصة ولن يعبث بها أحد. ليس مجدداً. أطلق زئيراً دافعاً هذا الحضور للوراء مهاجماً إياه بهالته. صاغها في هيئة رمح ضخم سددها نحو الإرادة المعارضة بكل ما أوتي من قوة.
أحدث الأمر أثراً ما لا شك فيه إذ أحس بالإرادة المعارضة ترتد للخارج وتمكن من استعادة بعض المساحة. انبثقت شتى الهياكل المتخيلة حوله أهبة لقتال كائن الرتبة الخامسة. بدا ذلك غير ضروري على ما يبدو. تعالت تغريدة عالية من الطائر الأسود الماثل أمامه فجأة. سمع تغريده العالي والمتسارع. عجز عن استشعار ما يقوله. فقد طمست حواس هالته تماماً. لكن لغة جسده أنبأته بأنه يدافع عنه. ونجح الأمر وسط دهشته.
أحس جوليوس بتراجع الضغط المحيط ببطء. ولم يعد جلده يشعر كأنه يُسحق بورق زجاج. شعر بتجمع مهول للطاقة وسط ذهوله ثم تكثف الحضور المنتشر في كل مكان بنقطة واحدة. برز في تلك النقطة طائر يشبه إلى حد مريب ذلك الطائر الأسود الصغير المرفرف أمامه. الفارق الوحيد تمثل في الحجم. فعلى عكس الصغير الذي يسع كفه بلغ حجم هذا الطائر الضعف تقريباً. ظل ظريفاً للغاية رغم محاولته قتله قبل قليل.
لم ينطق ببساطة بل حدق لمن افترض أنه والد الطائر الصغير للحظات. بادله النظرات ولم يفتح الأكبر منقاره إلا بعد تغريد الأصغر.
ترددت نبرة عميقة وذكورية بشكل مفاجئ: "أعتذر عن سوء التفاهم. ظننتك خطفت ابنتي".
وقف جوليوس مذهولاً من تحدث الطائر إليه ومن كون الطائر الصغير أثنى. فقد ظنها ذكراً في قرارة نفسه.
سأل بقطيب فضولي: "أتستطيع الكلام؟".
رد طائر الأب مستخفاً بسؤاله على ما يبدو: "نعم، أستطيع الكلام".
هز جوليوس كتفيه وأومأ: "همم، حسناً. لمَ ظننتني أخطفها إذن؟ لم أكن عدوانياً معها حقاً".
غردت الابنة برد قبل والدها. استشف جوليوس عدة مشاعر مبهمة. لكن الأوضح تمثل في نعت والدها بالأحمق بصراحة.
قال الطائر بنظرة قلقة نحو ابنته: "نعم، كنت... متسرعاً بعض الشيء في استنتاجاتي. آمل ألا أكون قد آلمتك كثيراً".
هز جوليوس رأسه نفياً. كان بخير. لم يصب سوى غروره. ظن أن الترقي سيمكنه من مقارعة كائن من الرتبة الخامسة بندية أو ما يقاربها لكنه أخطأ. لا تزال الفجوة هائلة. ما عزى نفسه بشأنه هو قدرته على الصمود لفترة أطول بكثير من ذي قبل. ذكر نفسه بوجود فوارق بين رتب الخامسة نفسها. لا تتساوى قوتهم جميعاً فمنهم الضعفاء أيضاً. كتلك الصانعة التي واجهها في المناطق الشمالية سابقاً. سيحتاج لاختبار طريقة تعامله مع رتبة خامسة مماثلة.
ربما مثّل هذا الكائن بالذات أحد أقوى ممثلي الرتبة الخامسة. فالابنة كانت قوية وفائقة السرعة بحق. سمع الابنة تغرد لأبيها مجدداً. وبدا كأنه طائر يتلقى توبيخاً حقيقياً. توجه الأب نحو جوليوس بأجنحة منكسرة ودون تفوه بكلمة لمس منقاره كف جوليوس.
"خذ هذا اعتذاراً على الأقل".
أحس جوليوس بظهور ختم شديد التعقيد على يده قبل أن يتلاشى. استقر بجوار الختم الذي ناله من الشيطاني في ذلك الصدع الخاص في ذلك الحين.
"ما هذا؟".
"إنه في جوهره ختم يعلم الجميع بأنك صديق الغابة. لن تواجه مشاكل جمة في ترحالك الآن. فلن تهاجمك حتى الوحوش الأشد قوة".
لم يجد جوليوس الإفصاح مناسباً برغبته العارمة في مهاجمة الوحوش له. سيعده الجانب الآخر ناكراً للجميل ربما. أومأ بدلاً من ذلك وشكرهما.
"لا عليك. يتوجب علينا الذهاب الآن. ينبغي علي إخبار والدتها بهروبها دون إعلامنا مجدداً".
رمق جوليوس الطائر الصغير وهو يتصلب خوفاً مفاجئاً ويخفق بأجنحته هابطاً على كتفه ودافعاً إياه بمنقاره كمن يستنجد به لإنقاذه. لم يستطع كتمان نفسه فحك جناحيها قليلاً. لكنه عدِم أي نية لإنقاذها. فقد أدرك خير إدراك عواقب التدخل في غضب الأم.