درب التسامي الفصل 620 — صنيعة

اقرأ درب التسامي الفصل 620 — صنيعة باللغة العربية على مانجا تايم.

بالكاد أتاحت الفرصة لجوليوس أن يودّع عائلة الطيور. جذبه أبوه بعيداً سريعاً محتجاً بأن أمه تنتظرهما. أما جوليوس فتابع طريقه صوب البقية. لم يكونوا على بعد كبير غير أن شريطاً من الغابة ما زال ممتداً أمامه. بل حُذّر من وجود عدة مناطق لتوحش ضارٍ تفصله عن حافة الغابة. وصادف أحدها فعلاً. التقطت حواسه المكانية حضوراً قوياً يترقّبه بينما كان يشق طريقه في الغابة. لم يكن بقوة طائر المرتبة الخامسة لكنه كان من المرتبة الخامسة يقيناً.

ولم يكلف نفسه عناء الاختباء البتة. حدق إليه من بعيد مراقباً إياه وهو يحلق فوق قمم الأشجار. لم يكلف نفسه عناء إخفاء هالته. تركها تتجلى بفخر وبدت نواياه واضحة جليّة. لم يكن يبحث عن قتال لكنه كان مستعداً تماماً إن قرر مهاجمته. استعد لتحركه المباغت لكنه حتماً رأى الأمر بلا طائل فخلفه يعبر بلا إعاقة. أو أن الوحش استشعار العلامة التي تلقاها للتو. عرف أنه أُخبر بأنها ستردع الوحوش عن شراسة مفرطة لكنه لم يثق تماماً بذلك.

فليست كل الوحوش سليمة العقول وشك في قدرتها جميعاً على استشعار الوشم فوراً. مع ذلك شعر بقليل من الارتفاع والإحباط لعدم دخوله في قتال. كان أحد أهدافه صرع وحش من المرتبة الخامسة بوصفه من المرتبة الرابعة. عجز عن فعل ذلك بوصفه من المرتبة الثالثة لكنه مع ترقياته ومنحه الوقت الكافي للتأقلم مع ترفيعه غدا واثقاً من إمكانية الأمر بل وأكثر. لم يستغرق وقتاً طويلاً لبلوغ البقية.

وكما هو متوقع كانت كاساندرا أول من حيّاه. لوّحت له لحظة دخولها في نطاق رؤيته. استطاع رؤيتها بالكاد. وحين حطّ استقبله منظر يدمي القلب. كان شين ومايا في رمقيهما الأخيرين. بل إنه لم يكن واثقاً ممّا إن كانا قد غادرا عالم الأحياء. رقدا كلاهما على الأرض مقلوبين ومغطيين بعدد لا يحصى من الجرامات. استقرت عدة جرعات مستخدمة على الأرض خالية من أي سائل. لم يوقن بأنهما حيان حقاً إلا حين اقترب ورأى صدريهما يتحركان بخفة.

قال متسائلاً وهو يرمق كالدروس ولورين: "ما الذي أصابهما؟"

كانت الأخيرة تطبخ العشاء فوق نار جانبية بينما كان العجوز يحتسي كاس شاي متصرفاً كأن شين ومايا لسا موجودين هناك. ابتسمت كاساندرا لسبب ما.

"انتهيا لتوّهما من قتال ويحتاجان لالتقاط أنفاسهما".

"مَن قاتلا؟"

قالت كاساندرا بافتخار: "قاتلا وحشاً من المرتبة الرابعة ونجحا في قتله فعلاً"

وهو مديح فاق ما توقعه جوليوس من المرأة.

"حقاً؟ إذن تُستحق التهنئة".

"أليس كذلك؟ ظننتُ ذلك أنا أيضاً ولهذا أكافؤهما بوجبة طيبة عوضاً عن تلك الحصص اللقيطة التي اشترياها".

هزّت رأسها نحو جثثتيهما الهامدتين.

"ما زلتُ لا أصدق أنهما اشتريا حصصاً عوضاً عن طعام حقيقي".

تمتم شين بتعب وقد خنق التراب صوته: "لستُ ممن يجيدون الطبخ".

وأردفت مايا وهي تقلب جسدها لترمي بصرها نحو السماء: "قيل لي إن طباخي الطائفة منعوني من وطء المطبخ ثانية".

"ألهذه الدرجة؟"

سأل جوليوس. همهم شين.

"أجل. آخر ما صنعته أصابني بتسمم غذائي اضطر معها معالج من المرتبة الخامسة لمداواتي".

همهم جوليوس. ملاحظة لنفسه: عدم السماح لمايا بالطبخ لأجله.

"أفلتني شيء آخر؟"

قالت مايا: "أجل. حاول وحش من المرتبة الخامسة مهاجمتنا".

"وماذا بعد؟"

شرحت مايا ببساطة كأن الشرح كافٍ: "تكلفت كاساندرا بالأمر".

وهو ما كان كافياً بصدق. التفت جوليوس نحو المرأة المعنية.

قالت كاساندرا وهي تهز كتفيها: "لم أقتله إن كنت تسأل هذا. ألقيتُ عليه تحذيراً صغير فتراجع"

ثم رمقته بنظرة غريبة.

"وما شأنك أنت؟ أظفرتَ بشيء جيد من الصدع؟"

هز جوليوس كتفيه وإذ لم يجد سبباً لعدم الثقة بها أخرج مفتاح المحاكمة من خاتم تخزينه وناوله إياه. أخذته منه وصمتت تفحصه بملامح حائرة. وبعد لحظات من تقليبه بين يديها أحس بغتة ببروز حاجز يعزل البقية عنهما. كان خافتاً لأقصى درجة وتملكه إحساس بأنه لم يستشعره إلا لأنها أرادت ذلك. لم يظن أن أحداً فطن للأمر. عاد شين ومايا للأرض محاولين استعادة أنفاسهما. ربما لاحظ كالدروس ذلك لكن العجوز بدا أزهد من أن يكلف نفسه عناء الالتفات إليهما مواصلاً احتساء شاي كأن شيئاً لم يكن.

سألته بجدية فاقت استعداده: "ما اسم هذا الغرض؟"

أمال رأسه مستجمعاً أفكاره لبرهة.

"دُعي مفتاح المحاكمة. لمَ؟ أمشكلة به؟"

هزت رأسها وناولته إياه بملامح غريبة.

"لا شائبة فيه لكن احرص على حفظه آمناً. لا أجزم بشأن شروطه لكنه قد يغدو غرضاً قيّماً للغاية لأجلك".

"ما هذا؟ أتدرين ما مفتاح المحاكمة؟"

"مفاتيح المحاكمة جوائز فريدة من الصدوع. غالباً الصعبة منها. أتفاجأ قليلاً لنيلك إياه من ذاك الصدع. لم ألمس نشاطاً غير عتيق منه. ولم يكن تركيز المانا عالياً البداهة. لكنت صنفْته صدعاً من الفئة سي".

هز جوليوس كتفيه.

"حدث شذوذ طفيف في الداخل. ولعله كان السبب".

سألت وهي ترمقه بحدة: "شذوذ؟"

"أجل. شيء عن فساد ينخر الصدع".

لم يتبين حتى حركتها. كانت أمامه فوراً تفحصه بيديها.

"أهذا ما استشعرته منك إذن؟ أكان الصدع منخاراً بالفساد؟ أمتأكد أنت؟"

"أجل. متأكد تماماً. لمَ؟ أأمر سيء هو؟"

سأل بينما كانت تضغط وجنتيه ببعضهما. أسدلت يديها مطمئنة فيما يبدو لسلامته.

"نادر لا ضير. سيء؟ نوعاً ما. في البعد المكاني حيث تنشأ الصدوع بوابات أخرى أو سبل لولوجها. البوابة التي عبرت منها كانت ببساطة الوحيدة المتاحة للرؤية والتفاعل. بيد أن تلك البوابات الأخرى تسمح لكيانات أجنبية أو وحوش بولوج الصدوع والتأثير فيها. الفساد مألوف نسبياً لكنه قد يشكل تلميحاً لما يطرأ على الغابة برمتها. لا أريد التسرع بالاستنتاجات لكنه قد يفسر تزايد أعداد الوحوش المتدفقة من الغابة نحو البلدات المحيطة".

"أفي وسعنا فعل شيء؟"

ابتسمت ووضعت يداً على كتفه.

"في الواقع لا. فحتى بالنسبة لي هناك حد لما أستطيع إنجازه وحدي. هذه المعضلة ستستلزم تنظيم مئات الأشخاص لمجموعات واستكشاف الصدوع. أجزم بأنهم يملكون تصوراً أفضل عما يجري مقارنة بنا. علاوة على ذلك أستبعد تقبلهم لمعونة من سادسة أجنبي ومن شاب يُفترض أنه لقي حتفه".

نطقت الشطر الأخير رامقة إياه بنظرة ذات مغزى.

قال مؤمئاً برفق: "أنا أفهم".

لكن فهمه لم يَعنِ قط محبته للأمر.

"حسن إذن علَم المفتاح؟"

عاود تحويل الدفة صوب ما تحدثا عنه سلفاً. رفعت كاساندرا المفتاح لعينيه.

"المفتاح قد يخدم أغراضاً عدة متباينة. الأكثر شيوعاً تلقي مفتاح يفتح صدعاً خاصاً. صُمّم الصدع خصيصاً لملائمة احتياجات المرء. بيد أن ثمة أموراً أخرى جلّى. بلغني أن أمره انتهى بنيل مفتاح محاكمة نقله عبر القارة كون 'محاكمته' قوامها إيجاد عائلته المفقودة. الأمر برمته رهن بالظروف".

"أفلا أستطيع استعماله متى شئت؟ أيتحتم علي الانتظار لاستيفاء تلك المتطلبات المبهمة؟"

أومأت برأسها.

"للأسف نجل".

"هذا سيء".

لوت عينيها.

"كن ممتناً لظفرك بشيء طيب. لقاء قدراتك استبعد وجود الكثير مما قد يثير إعجابك على أي حال".

أومأ جوليوس موافقاً على قولها.

أضاف عابراً متمنياً توضيحها لما إذا كان مقدوراً له نيل كنز آخر لبقية توافقاته: "ظفرتُ بكنز عزّز تقاربي الحيوي. أهمثل هذه الكنوز نادرة؟"

حدقت إليه بملامح جامدة.

"أتمزح؟"

قطب جبينه.

"أجل؟"

تساءل سرّ تلك ردة الفعل.

"إنه كنز لا يُصدق نيله. أتدرين المدى الذي يقطعه الناس لنيظفروا بجائزة منسقة من النظام تعزّز تقارب المرء إلى الحد المثالي؟"

ضحك بخفة.

"لا لا لا. عزّزه للحد الممتاز لا المثالي فحسب. ليت الأمر كان كذلك. سيكون رائعاً. يمتلك بعض أصدقائي توافقات مثالية وكنت غيوراً على الدوام".

"انتظر أتعني أنك ملكت تقارباً عالياً فحسب قبل هذا؟"

أومأ بثبات.

"أجل".

ضحكت باستهزاء وصفعت ساقها كمن سمع للتو طرفة مسلية.

"وما شأن توافقاتك الأخرى؟"

لم يجد جوليوس مبرراً كبيراً لإخفاء توافقاته لذا صارحها.

"كلها عالية أيضاً".

ضحكت بقوة أكبر مطلقة ابتسامة مرحة على ثغرها.

"حسن أظنني أستوعب وضعك بجلائه الآن".

جهل جوليوس ما أضحكها لذا استمر بطرح الأسئلة.

"أفتعدّ هذه الضروب من الكنوز نادرة أو عسيرة المنال؟ أود الحصول على واحدة لكل توافقاتي إن أمكن".

رمقته بابتسامة عارفة.

"أستطيع بالتأكيد تدبير واحدة توافقك الناري. لطائفتنا عدة كنوز مماثلة جاهزة لمن يظهرون وعداً كبيراً من عاتقي التوافقات المثالية. لكنني لست متأكدة بخصوص توافقك الحركي. ذاك سيكون أعسر منالاً بكثير".

"أسيستسغى الأمر لدى البقية في الطائفة؟ لم أبلغها بعد ناهيك عن الانضمام إليها".

كنز يعزّز تقارب المرء للممتاز قد لا يضاهي قيمة ما يبلغ المثالية لكنه يظل بالغي الأهمية دونه ريب. شُكّ في إمكانية منح طائفة بعظموة وبأس طائفة شمس الاحتراق كنوزاً كهذه لأشخاص عشوائيين مثله عشوائياً هكذا. غير أنها اعتقدت خلاف ذلك ودفعت مخاوفه جانباً.

"سيجري الأمر بسلام. سأعوض الطائفة شخصياً نظيرها إن لزم الأمر".

"أحقاً؟"

"حقا".

"بلا تكلفة؟ أم لقاء معروف بالمقابل؟"

لم يرد جوليوس الوقوع تحت طائلة الدين إن أمكن. كره شعور الامتنان لأحد. تفكرت هنيئة مقترحة حلاً.

"إن لم ترتَح لتلقيها مجاناً فيمكنك إعطاء دروس بمران قوة الإرادة أو غيره متى أردت وتعديها خالصة".

أومأ برأسها.

"حسناً".

غاب عنه أكانت مبادلة عادلة لكنه سيتفتق عن شيء آخر يمنحه إياه.

"عظيم. سأُسوّي الأمر بأسره فور بلوغنا الطائفة"

قالت بابتسامة وأحس بانفلات الحاجز الذي نصبته حولهما. عند هذه النقطة أدرك كل من شين ومايا ارتياب الحاجز وكانا يرمقانهما بفضول. رمقهما جوليوس بنظرة خاطفة قبل الالتفات لكاساندرا.

"أقتربنا؟"

"سنبلغ تخوم كورفوس غداً أو بعد غد. بعدها سيلزم يوم أو يومان لبلوغ عبور جذور الغراب".

"كم سيستغرق البلوغ للطائفة بعد ذاك؟"

"اليوم ذاته على الأرجح. ينبغي تمكّننا من ارتياد إحدى محطات الانتقال الفضائي للطائفة في عبور جذور الغراب".

همهم ملقياً ببصره بعيداً.

"وإن لم يكن؟"

"حينها سنلتمس محطة أخرى. لن يكون عسيراً. فلنا طائفة حليفة طوال البلاد. ما بالُك؟ أأردت تطواف كورفوس مشياً؟"

ارتسمت ابتسامة أخرى على ثغرها.

"لا أزعم انتفاء رغبتي".

"للأسف لدي أشغال تقتضيني والوقت يداهمني قياساً بما وعدتُ به للعودة. لكن رغبت أنت فلا مانع لدي من إرشادك في أرجاء البلاد لاحقاً. أصغر حجماً من إمبراطوريتها لكنها تكتنز أسراراً باهرة تخصها".

أومأ بسطوع.

"يبدو حسناً. علاوة على ذلك سيفيدني الاستقرار لبرهة. لا زال يترتب على مراجعة بعض الأمور التي حزتها من البطولة".

"ممتاز. لكن في الأثناء وعلى مدى اليومين المقبلين أيمكنك إنجاز معروف لي؟"

قطب حاجبيه.

"حسب. أي معروف؟"

سألت رامقة الفتاة المتنصتة بنظرة محددة: "أيمكنك معونة مايا بمران قوة إرادتها؟"

أومأ. كان ليسعه الانتفاع بشريك مران لهالته وقوته الإرادية. أما مايا فلا بد أنها سمعتهما وحاولت الزحف مبتعدة عنه. للأسف كانت أوهى من جراء قتالها وما نجحت سوى بتلويث ثيابها الرثة أصلاً. هبّ نحوها بخطى وئيدة وبابتسامة ساطعة مصفراً لحناً مرحاً.