لم يدر لم عجز عن إعادة امتصاص طاقته الحركية أو هالاته. بدت الأمور وكأن اندماجهما في جسده قد خلق مزيجاً فوضوياً. أشبه بوعاء تحولت فيه الحلوى واللبان إلى كتلة واحدة متماسكة تعذر فصلها. حاول أداء الأمرين في آنٍ واحد. صَدَر كل منهما عن مصدر مختلف فلم يفلح الأمر. زاد ذلك من هياج الطاقة الممزقة لجسده. واتته فكرة وسط كل هذا. تخيل في عقله تلك الآلات المصنعية التي تفرز البطاطس بحسب أحجامها.
فلتر الطاقة الحركية إلى جهة والهالة إلى جهة أخرى. استغرق الأمر بعض الوقت لكنه بدأ يشعر بنجاح الطريقة تدريجياً. عادت طاقة جسده لتتألف من مصدرين منفصلين. بمجرد تمكنه من ذلك أصبح إطلاق الطاقة أمراً يسيراً. أعاد الطاقتين إلى منبعيهما وشعر بارخاء جسده بعد أن كفّ عن التمزق. استعان بتجديد طائر الفينيق الوهمي لمداواة نفسه. رمم جسده شيئاً فشيئاً. لم يلمس فائدة تُذكر في المستوى الثاني بالبداية.
ظن أنه لن يمنحه سوى دفعة واهية من القوة. غيّر رأيه الآن. بعد حيازته تمكين الإرادة إلى جانب التعزيز الحركي صار جسده بحاجة إلى مزيد من الصلابة. تيقن من بلوغه حدود جسده المنتمي إلى المستوى الأول أخيراً. ولن يحلّ هذه المعضلة سوى الارتقاء إلى المستوى الثاني. لحسن حظه اقترب من المستوى التالي. ظن أن فرصته في التقدم قائمة بقوة الآن وفي هذه اللحظة بالذات. شعر بتشبع ماناه لجسده بالقدر الكافي ولم ينقصه سوى تلك الدفعة الأخيرة.
غير أنه آثر التريث قليلاً وحضور بعض الدروس أولاً. لم يكن في عجلَة من أمره. تراءى له أن أموراً كثيرة تنتظره وبات في مأمن نسبي فلا حاجة به إلى التسرع الأعمى في كل شيء لمجرد اكتساب قوة إضافية. مع اتضاح مقدار الطاقة الحركية والهالة القابل للاستخدام في آنٍ واحد عاود الكرة. حرص هذه المرة على البقاء دون الحد الذي فرضه على نفسه. أمضى ساعات في تمرير الطاقة عبر جسده وتمكينها ثم إطلاقها.
أراد الاعتياد على فلترة الطاقة وإطلاقها. بدت العملية بطيئة للغاية والسرعة المرجوة ممكنة بكل تأكيد. لم يتطلب الأمر سوى الاعتياد. بدا الأمر مُملاً نعم ولكنه أدرك جدواه في نهاية المطاف. بمجرد مباشرته للعمل الآن سيشعر جوليوس المستقبلي بالامتنان لهذا السبق لاحقاً. ألف هذه العملية بدرجة أكبر بحق النهاية. استغرقت وقتاً طويلاً ومبالغاً فيه في حال القتال لكنه حقن تقدماً ملحوظاً.
انحسرت الحاجة إلى التفكير وتكريس طاقته الذهنية للسيطرة عليها. بدأ جسده يستوعب مسعاه ويساعده على فرز أنواع الطاقة المختلفة. لم ينهض جوليوس على قدميه حتى أطل الصباح. سيتعين عليه التدرب على الأمر طويلاً في المستقبل ولكنه استبشر بإمكانيات هذه التقنية الجديدة. وقبل مغادرته أراد التحقق من سريان تمكين الإرادة على مهاراته الأخرى لا على جسده فحسب. التجربة الأولى استهدفت رقصة وحشية.
قد يعجز جسده عن تحمل المزيد من التمكين فهل ينطبق الأمر على عقله أيضاً؟ قد لا تكون رقصة وحشية أقوى مهاراته – فتلكم مرتبة قد تذهب إلى تجديد طائر الفينيق الوهمي أو ربما تمكين الإرادة – لكنها ظلت ركيزة أساسية لقوته. خلت المهارة من أشواك متفجرة مبهرجة أو تعزيزات جسدية لمستويات تفوق البشر ولكنه منحت عقله قدرة على مواكبة كل شيء. بفضل رقصة وحشية والإدراك المكاني لم يشعر قط بعجز عقله عن مواكبة الأحداث.
قد يعجز جسده عن رد الفعل في الوقت المناسب لكن نادراً ما باغته أمر ما على حين غرة. بصراحة قد يبدو تعزيز تلك المهارات زائداً عن الحاجة غير أن تحسين ما يثبت كفاءته ليس خطأً. استدعى جوليوس رقصة وحشية مركّزاً على إدراك أدق تفاصيلها بدءاً من كيفية تفعيلها وصولاً إلى أثرها عليه. وما إن استشعر جاهزيته حتى شرع في تغذية المهارة بتمكين الإرادة. لم يحدث شيء. أشبه بمحاولة العثور على ثغرة في وعاء محكم الإغلاق.
عجز تمكين الإرادة عن شق طريقه إلى رقصة وحشية. واصل جوليوس المحاولة إذ راوده إحساس بإمكانية حدوث ذلك. تنبعث الهالة من طاقة الروح التي يولدها الكيان والمهارات جزء أصيل من روح المرء. لذا يفترض تأثر مهاراته بروحه ومن ثم هالته. فقد جوليوس إحساسه بالزمن ثم وقع المحتوم. أحاط جوليوس رقصة وحشية بهالته بالكامل خונقاً إياها كأم تحضن وليدها حديث الولادة فتسللت ومضة من الهالة إلى الداخل.
جهل ما جرى بعد تلك اللحظة لوقوعه في غيبوبة فورية. لكنه شعر بتدفق طاقة هائل إلى داخل رقصة وحشية. استهل تفعيل تجديد طائر الفينيق فور إفاقته لكنه لم يلمس أي أثر علاجي سوى زوال بعض الإرهاق وتصلب العضلات الناتج عن الاستلقاء في وضعية سيئة. ارتقى تمكين الإرادة المستوى 1 إلى المستوى 3. حدث ذلك الارتقاء خلال تجاربه على الأرجح. سُر لرؤية ثمار تقدمه المبكر مع مهارته الجديدة وتساءل عما يمكنه إنجازه بها أيضاً.
حسناً إذن فالأمر ممكن. أحسست جلياً بالهالة وهي تمكن المهارة وما إن حدث ذلك حتى غبت عن الوعي. جهل جوليوس سبب إغمائه الفوري لكن جانباً منه اشتاق لتكرار التجربة. ما أوقفه سوى ضيق الوقت. اقترب موعد تقديم الإفطار في الكافيتريا لدى تفحصه للساعة. قد لا يحتاج إلى الطعام مجدداً بفضل قدرة تجديد طائر الفينيق على إمداده بمانا الحياة لكنه ظل يشعر بالجوع. لا يُحمد عقبى البطن الخاوية وبعد معاناته تلك أثناء الصدع تجنب تكرار التجربة.
قطع عهداً على نفسه بتناول الطعام متى أتيحت له الفرصة. راقه الطعام حد إدمانه. عاد جوليوس إلى غرفته والتقط دراسل الصغير قبل مغادرته مجدداً. أراد اصطحاب الصبي الصغير في جولة حول الحرم الجامعي ظناً منه استمتاعه بالمشهد وتقديره للهواء النقي. لفحتهما نسمات باردة بعض الشيء لشدة بكور الصباح وقربه من المحيط لكن ببعض السحر الناري دفأ جوليوس نفسه ودراسل. ما زال جوليوس منبهراً بالسحر رغم مرور أعوام على قدومه إلى هذا العالم.
استطاع صنع مدفأة متنقلة باستخدام عابر لمانا النار وبات البرد ورءاً خلفه. عثر دراسل وجوليوس على مقعد قرب الحديقة وجلسا. وضع دراسل في حجره وفتح أحد الكتب الأخرى التي عثر عليها في المكتبة التطويرات العملية للتلاعب بالمانا للمقاتلين المباشرين بقلم مايكل وارينج. تملكه الفضول حيال رؤية الكاتب للمحاربين أو من عدا السحرة وكيفية استخدامهم للتلاعب بالمانا. تعددت المسارات المتاحة أمام المقاتلين المباشرين في التلاعب بالمانا.
برزت مهارات مقاومة المانا كأحد أكثر الخيارات شيوعاً. اختار البعض مهارات محددة مثل مقاومة المانا البرقية أو مقاومة المانا النارية غير أن النسخ المعممة مثل مقاومة المانا المتقدمة أو مقاومة المانا القصوى بدت هي الطاغية وظهرت حتى مهارة ملحمية تُدعى إبطال المانا وهي تضمن للمرء حصانة شبه كاملة ضد هجمات المانا العادية. حظيت تلك المهارات بطلب واسع بين الدبابات البشرية أو أفراد خط المواجهة.
بمقدورهم امتصاص الضرر وهجمات المانا بينما ينصرف رفاقهم إلى قتل الأعداء. حضرت مسارات أخرى تركز على تعطيل المانا عوضاً عن مقاومتها. مثلت مهارات مثل تعطيل المانا واختراق وتمزق المانا خيارات شائعة لتمزيق المانا. تشابه المسار نسبياً مع مسار المقاومة باعتباره مهارة دفاعية جيدة لكنه تطلب توظيفاً يدوياً للمهارة. ما جعله مساراً رائعاً تمثل في دلالاته الهجومية. تسنى للمحارب إمساك البنية وتفكيكها أو تعطيل الهجوم.
غاب عنه تفوق المهارة الدفاعية البحتة لكنه سمح للمحاربين بخرق حواجز السحرة عند الهجوم. عُرف السحرة بضعفهم في القتال القريب لكنهم احتفظوا دائماً ببعض المهارات الوقائية تحسباً لمباغتة المحاربين لهم. غير أن مواجهتهم لمحارب معطل للمانا تكفل بنزع حواجزهم أو إضعافها بالقدر الكافي لتمكين المحارب من الاختراق. رواج المسار بين أصحاب التوجه الهجومي كان جلياً. وظّف الكثير من القتلة الجبناء المهارة لتحقيق نتائج مذهلة كتلك المنسوبة إلى عشيرة جينشن.
تذكر جوليوس قدرة زعيم التروس القريبة من ذلك مع استبدال الهالة بها. قدرت مزعجة تطلبت تعلماً محتملاً من جوليوس مستقبلاً. غير أن خطط جوليوس غدت ضخمة بالفعل. بدأت الأمور تتراكم وتتزايد رغباته في الإنجاز. تطلب الأمر صياغة قائمة بما يطمح إلى تحقيقه تفادياً للغرق تحت طوفان المهام. تصدّر القائمة اتخاذ القرار بشأن ترقية التلاعب بالمانا المنشودة. مالت كفته نحو طبقات المانا لوعيه بحجم الجهد المبذول يدوياً وحاجة المهارة المساعدة.
تمنى الحصول على خيار مثل تعطيل المانا لكن الحظ لم يأتِ به. سيتعين عليه تعلم أداء الأمر بلا مهارة أو توظيف الهالة على غرار التروس. استمتع جوليوس ودراسل بهدوء الصباح المبكر ترقباً لافتتاح الكافيتريا. وما إن تيقن من حلول الموعد حتى أعاد أغراضه إلى الحقيبة وتوجه صوب الكافيتريا. استبعد افتتاح كافيتريا طلاب السنوات الدنيا فشرع في عبور الحرم باتجاه الكافيتريا الرئيسية.
احتشد عدد لا بأس به من الطلاب مبكراً. انتمى جلهم إلى السنوات العليا وهو أمر منطقي بحسبان انتمائهم إلى المستويات الثانية العالية أو الثالثة. كلما ارتفع مستواك تضاءلت حاجتك للنوم والطعام. التهم جوليوس إفطاراً شهياً مكوناً من البيض والبطاطس المحمرة والخبز المحمص وطبق أمل جوليوس أن يكون شريحة لحم مقلية على طريقة الدجاج. توجه صوب نفس بقعة الأمس وجلس إلى الطاولة. وضع دراسل بجانبه مباشرة على الطاولة.
تجاوزت بذرة الروح الصغيرة حدود الحمل بسهولة. تحولت إلى شجرة صغيرة وبات لزاماً عليه إما ترك دراسل في الغرفة أو إيجاد حل بديل. بلغ منتصف إفطاره الشهي تقريباً حين أحست حواسه باقتراب إدغار والفتاة الطويلة من الأمس من خلفه. ما اسم تلك الفتاة مجدداً؟ أودري؟ لا بل أوبري كريساليا أليس كذلك؟ حاول جوليوس استحضار اسمها. جلس إدغار بجوار جوليوس متوخياً الحذر لئلا يصطدم به بكتفيه الضخمين.
جلست أوبري أمامه في الجانب الآخر من الطاولة. حملا طبقين بسيطين من الطعام مقارنة بما اختاره جوليوس. ضّم طبق كل منهما ثمرة فاكهة ونوعاً من الزبادي وكأس مشروب أخضر ما. أشار عليه إدغار باختيار التدريب البدني لجلسة الصباح بالأمس وتوقع نهجه لذات المسلك وتناوله طعاماً خفيفاً تفادياً للتقيؤ لاحقاً. بدا ذلك منطقياً غير أن الدروس لم تبدأ بعد. لعلهم اعتادوا تناول وجبات خفيفة أو كرهوا الإفطار.
هز جوليوس كتفيه غير آبه بالأمر. عاد إلى مهمته ومواصلة التهام طعامه بنهم سعيد.