ضمّت القائمة خيارات واسعة. تراوحت الموادّ بين القتال العملي والنحت. كان عليه اجبارياً اختيار أربع موادّ وتحديد أوقاتها فحسب. إضافة إلى مادتين اختياريّتين على الأقلّ. تمحورت الموادّ الإجبارية لطلّاب الاختصاص القتاليّ حول: التدريب البدنيّ، والقتال التطبيقيّ، ومقدّمة في التحكّم بالمانا، والارتقاء بالمستوى. استغرقت كلّ مادّة ساعة واحدة باستثناء القتال التطبيقيّ. استغرق القتال التطبيقيّ ساعتين يومياً.
يعني هذا ضياع خمس ساعات على الأقلّ يومياً في هذه الحصص. يرتفع الرقم إلى سبع ساعات يومياً لأجل المدرسة وحدها في حال أضاف مادتين اختياريّتين. لم تحتسب هذه الأرقام أوقات الراحة وتناول الطعام. بدا الجدول مزدحماً منذ هذه اللحظة فصاعداً. اهتمّ بمعرفة أنواع الموادّ الاختياريّة المطروحة وأمعن النظر في القائمة. شعر بجلوس مجموعة من الطلّاب إلى طاولته وسط مراجعته للخيارات الأولى.
رفع جوليوس بصره ليرى الأشخاص الذين قصدوا الجلوس إلى الطاولة المنعزلة التي اختارها لسبب واضح. وُجد نصف دزينة من الطاولات الفارغة بينه وبين الجزء المزدحم من قاعة الطعام. تساءل عن سبب اختيارهم لهذه الطاولة بالذات. فكّر في النهوض والجلوس على طاولة فارغة أخرى لكنّه أبى أن يبدو فظّاً خصوصاً في يومه الأوّل هنا. لم تزعجه المجموعة في البداية. جلسوا وتجاهلوه وبدأوا في تناول الطعام.
شرعوا قريباً في تبادل أطراف الحديث بصوت عالٍ ممّا صعّب على جوليوس التفكير في الموادّ التي سينتقيها. ضمّت المجموعة ثلاثة شبّان وفتاتين. ارتدى الشبّان زيّ الرجال الأسود والذهبيّ وبدوا في سنتهم الرابعة. اتّصف الجميع بالطول. بدا الشابّ الواقع على اليمين نحيلاً بملامح شاحبة وناعمة مع نظّارتين طبّيّتين. مثّل الشابّ على اليسار النقيض التامّ. فتى ضخم مرعب بملامح وعرة وبشرة سمراء فاتحة.
لم يبلغ ضخامة غابرييل لكنّه بدا ضخماً للغاية بالنسبة لفتى في الثامنة عشرة بالكاد يتّسع له المقعد المسكين. بدا الشابّ في المنتصف كقائد للمجموعة ومزج ببراعة بين سمات رفيقيه. امتلك شعراً أشقر طويلاً مسحوباً إلى الخلف وملامح حادّة. بدت بنيته الرياضية متوازنة بلا إفراط مع قدر مناسب من العضلات. اتّصف بوسامة فائقة وهالة طاغية من الكاريزما. بدا كنموذج تصويريّ لنسل نبيل. جلست الفتاتان أخريان قبالة الشبّان على الطاولة.
تميّزت الأولى بطول وجمال وشعر بنيّ طويل ينسدل على وجهها ليؤطر ملامح تشبه عارضات الأزياء. تميّزت الفتاة الأخرى بجمال طاغٍ أيضاً لكن بطابع مختلف. قصرت بضع بوصات عن قامة جوليوس العادية وامتلكت شعراً أشقر غامقاً ملفوفاً في تموّجات رقيقة ترتد صعوداً وهبوطاً مع كل ضحكة أو حركة. ضحكت الفتاتان وتبادلتا أطراف الحديث على جانب من الطاولة بينما تحدثت الفتاة الشقراء عن رحلتها إلى سيفيلم الساحليّة الواقعة شمال هيستون مباشرة.
ناقش الشبّان الثلاثة الباقون الرحلة التي قاموا بها معاً. أرجأ جوليوس البحث في الموادّ حتّى عودته إلى غرفته وتخلّى عن النهوض والمغادرة فوراً. قرر عوضاً عن ذلك إتمام وجبته. لاحظ الشبي والأشقر أهلياً وجود شخص آخر معهم أخيراً فيما يبدو. نهض من مقعده وجلس بجانب جوليوس ملقياً ذراعه حول كتفه.
قال الشاب مبتسماً: "أهلاً بك! اسمي ديريك، وما اسمك أنت؟"
نظر جوليوس إلى ديريك ثم إلى الذراع الملتفّة حوله وعاد بنظره إليه. أدرك الفتى فيما يبدو ظهوره بمظهر الودود أكثر من اللازم ففجّ أسر جوليوس.
أجاب ديريك أخيراً: "أنا جوليوس."
قال الفتى: "سررت بمعرفتك يا جوليوس، لاحظت أنّك طالب في السنة الأولى ورأيت قائمة موادّك هناك. أردت فقط أن أسال إن كنت بحاجة إلى مساعدة أو تملك أيّ استفسارات حول الموادّ الأنسب لك فنحن جميعاً في السنة الرابعة ونملك دراية كافية."
بدا هذا منه لطيفاً. جهل جوليوس ما ينتظره عند جلوسه لكنّه سُرّ لكون الفتى غير سيّء حتّى الآن.
سأله جوليوس: "في الحقيقة نعم، لديّ سؤال. تقول القواعد إنّ علينا اختيار مادتين اختياريّتين على الأقلّ، فأيّها تراها الأكثر فائدة؟"
فكّ الفتى في الأمر دقيقة قبل أن يجيب: "أعتقد أنّ الإجابة تعتمد على ما تبحث عنه. ما هو تركيزك الأساسي؟"
"القتال. أتخصّص في القتال القريب لكنّي أفضّل ما يناسب كافة المدى القتاليّة."
أفاد ديريك جوليوس بمساعدة: "إن كان القتال غايتك فخذ مادة اختيارية للأسلحة. ستجد مدرّباً لأيّ سلاح تستخدمه ما دام غير نادر للغاية."
شكّلت هذه فكرة سدادة. مثّلت مهارة [بارعة السيوف] أدنى مهارات جوليوس مستوى حتّى الآن وأراد معرفة نوع التطور المعروض عليه وربّما حاول الحصول على تطور محدّد يظنّه ملائماً لحاجاته.
قال جوليوس: "أستخدم قبضتي عادة لكنّي التقطت السيف مؤخراً."
بدا أنّ أصدقاء ديريك توقّفوا عن الحديث الجانبيّ وباتوا ينصتون إلى حديثهما إذ تدخّل الفتى الضخم قائلاً: "إن كنت تستخدم اليدين العاريتين فالبروفيسور كيلر أحد أبرز خبراء القتال بالأيدي في المدرسة. لا أدرى إن كان يدرّس مادة اختيارية رغم ذلك. يدرّس القتال التطبيقي للطلّاب المتقدمين عادة لكنّه يقرر أحياناً الجمع بين الامرين. إن رغبت في سياف فأنصحك إما بجيرود ترنش أو سارا هاشن. يميل البروفيسور ترنش إلى الدفاع وتدرّس البروفيسورة هاشن أسلوباً هجومياً أكثر لذا اختر ما يناسبك."
فكّر جوليوس معجباً بمعرفة الفتى الضخم: "كان هذا ردّاً مدروساً للغاية."
أكّد ديريك لجوليوس: "أجاد إدغار التعبير أفضل ممّا أفعل. يمكنك الوثوق به فهو أحد أفضل مقاتلي القتال القريب في المدرسة."
قلّب جوليوس القائمة ووجد اسم سارا هاشن تحت عنوان مدرّبة النصال. أضاف تلك المادة اختيارياً إلى قائمته المفضلة في عقده. تفاجأ بالعثور على اسم غابرييل أو اسم البروفيسور كيلر تحت عنوان قتال الأيدي. لم يذكر البروفيسور كيلر امتلاكه مادة اختيارية عند حديثهما الأخير لذا جاء الأمر مفاجئاً.
وجّه جوليوس سؤاله إلى إدغار: "أليس البروفيسور كيلر بروفيسوراً كبيراً؟ ألا يعني هذا اقتصر حصته على الطلّاب المتقدمين فقط؟"
أخبره إدغار: "ليس إن كانت المادة اختيارية. تُمنح الاختيارات بأسبقية الحضور ممّا يجعل العديد من الطلّاب الكبار يصلون مبكراً."
سأل جوليوس: "ألم تسجّل بعد؟"
"أهكذا؟ هل اسمه مدون للمادة الاختيارية؟"
أجاب جوليوس ممدّداً يده لإطلاع إدغار على الورقة: "نجل، لقد رأيت اسمه."
رأى جوليوس إدغار ينهض فوراً ممسكاً بصينيّته.
تحدثت الفتاة الطويلة: "أالآن يا إد؟ الوقت متأخر نسبياً وقد تكون الأبواب أغلقت لهذا اليوم."
التفت إلى جوليوس وقال: "لا تعلم أبداً لكنّي لا أرغب في الانتظار للغد فقد تمتلئ المقاعد بحينها. إن كنت مهتماً فأنصحك بمرافققتي أيضاً. أخذت مادة البروفيسور كيلر الاختيارية في سنتي الثانية وكانت إحدى أفضل الحصص التي تلقيتها على الإطلاق."
رأى جوليوس عيني الشاب تلمعان كصباح عيد الميلاد. لا بدّ أنّه أحبّ حصة غابرييل كثيراً ليبدي هذا الحماس. قرر جوليوس عدم المخاطرة وترك الحصة تمتليء قبل تحديد خياراته. إن تمتعت حصة غابرييل بشعبية كما زعم إدغار فالسلامة خير من الندامة. نهض جوليوس ونظف صينيّته هو الآخر فقد أنهى طعامه عملياً. ودّع أصدقاء إدغار الجميع وحرص جوليوس على شكرهم على مساعدتهم قبل المغادرة برفقة إدغار.
غادر الثنائي قاعة الطعام متجهين بخطوات سريعة نحو مبنى القبول آملين اللحاق في الوقت المناسب.
لم ينطق أحدهما بكلمة طوال الدقيقتين الأوليين قبل أن يكسر إدغار الصمت أخيراً: "إذن ما رأيك في غولدنكريست؟"
أجابه جوليوس: "أنا أستمتع بها. بدا كلّ شيء جميلاً حتّى الآن وكنتم لطفاء بالتأكيد."
قال إدغار بفخر: "نجل، يعتبر الأربعة بعضاً من ألطف الأشخاص في الحرم الجامعي. يعج المكان بالكثير من النبلاء المتعجرفين وأثق بأنّك ستلتقي بالكثير منهم في صفوفك لكنّ أولئك الأربعة هم الاستثناء."
سأل جوليوس: "هل هم نبلاء جميعاً؟"
"أو أقرب إلى ذلك على الأقلّ. الشاب الآخر هو كايل كوينزي الابن الثاني لرئيس عائلة كوينزي."
سمع جوليوس بعائلة كوينزي فهم عائلة سحرة شهيرة امتلكت لقب بارون فحسب لكنّها حظيت بقوة ونفوذ عظيمين. لم تكن عائلة يعبث بها أحد.
أوضح إدغار لجوليوس أثناء مشيهما: "الفتاة الطويلة هي أوبري كريساليا ابنة فيونا كريساليا القوّة الجبارة ذات المستوى السادس. الفتاة الأخرى هي ليلي فيولت حفيد الكونت فيولت. التقيْتَ ديريك مسبقاً فهو حفيد الدوق زينيث."
لم يألف جوليوس فيونا كريساليا لكنّ بلوغ المستوى السادس يمنح المرء نفوذاً يفوق الكثير من النبلاء وإن لم تكن نبيلة رسميّاً. أمّا الكونت فيولت فقد سمع به جوليوس. أخبره إدوين ببناء عائلة فيولت إمبراطورية تجارية أثّرت في الإمبراطورية بأسرها فضلاً عن كورفوس وتحالف شروق الشمس. اعتُبر الدوق زينيث من أقوى الشخصيات في الإمبراطورية. سرت شائعات حول تجاوزه المستوى السادس لكنّ جوليوس جهل صحّتها.
مثّل وحشاً عتيقاً وكان ديريك حفيده. حرص جوليوس على تجنب إغضاب ديريك مستقبلاً لئلّا يُسقط جدّه المرعب جبلاً فوقه.
استفسر جوليوس: "وما أمرك أنت؟ ألسْتَ نبيلاً؟"
هزّ إدغار رأسه نافياً: "كلا. مجرد عامّي. عرف الأربعة بعضهم بعضاً قبل القدوم إلى غولدنكريست لكنّي صادقتهم في سنتي الأولى. إن واجهت مشكلة يوماً أو رغبت في الحديث فلا تتردد في سؤال أيّ منّا."
ابتسم جوليوس فقد حالفه الحظّ كثيراً مؤخراً. مرّت فترة في حياته القديمة ظنّ فيها أنّ كلّ من يقابله وغد أو يمرّ بيوم سيّء. أمكنه لذا تقدير لقاء الأشخاص اللطفاء. عدا عن شخص فظّ بين الحين والآخر فقد التقى بالكثير من اللطفاء حتّى الآن مثل ديفلان وأوروس وراي وغابرييل والآن هؤلاء الخمسة. شعور رائع حقّاً. وصلا المبنى أخيراً واجتازا الأبواب آملين عدم تأخرهما. رأى جوليوس مجموعة من الموظفين يبدأون في لمّ الأشياء والاستعداد للمغادرة.
لمح إدغار المشهد واعتراض طريقهم سريعاً.
ركض إدغار نحوم ليلفت انتباههم: "عذراً! آسف!"
اعتذرت امرأة لهم: "أنا آسفة لكنّنا على وشك المغادرة."
تدخل جوليوس بدوره: "أرجوكما، لقد جرينا هنا من قاعة الطعام منتصف الوجبة. لن يستغرق الأمر طويلاً أعدك بذلك."
قال رجل آخر جانباً: "بأيّ شيء تحتاجون للمساعدة؟"
أوضح إدغار: "لاحظنا تدريس البروفيسور كيلر لقتال الأيدي هذا العام ورغبنا في إتمام جداولنا قبل نفاد المقاعد."
ابتسم الرجل بتهكم قائلًا: "آه، أتفهم عجعتكم. لقد سجّل الكثيرون بالفعل..."
التفت إلى المرأة وقال: "جين يمكنك الانصراف، سأتولى أمر هذين الاثنين حسناً؟"
ثم عاد إليهما: "ما رأيكما بهذا؟"
شكرا الرجل مطوّلاً على مساعدته. لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً فقد عرف إدغار ما سيختاره وبات يضيف مادة اختيارية ثالثة لجدوله عوضاً عن المادتين المخطط لهما. ساعد جوليوس أيضاً في تحديد أوقات الموادّ الإجبارية. نصحه ببدء التدريب البدنيّ أول شيئ صباحاً ثم متابعته بمقدّمة المانا والارتقاء بالمستوى وترك القتال التطبيقيّ للنهاية. اختار بعد ذلك مواده الاختيارية الواقعة بعد الموادّ الإجبارية واستقرّ على موادّ سارا هاشن وغابرييل.
اختار كذلك حصة التحكّم بالهالة. لم يرغب جوليوس في إخبار الآخرين بقدرته على استخدام الهالة لكنّ المهارة بدت بالغة الأهمية لتفويت حصتها. علاوة على ذلك لم تشترط القواعد استخدام الهالة لحضورها ممّا يتيح له الكذب وتظاهر بالعجز عن استخدامها ثم ممارسة ما تعلّمه لاحقاً في الليل.
أقر إدغار خياراته. ارتبك قليلاً بسبب صنفه الأخير. لكنه لم يقل شيئاً حياله. قبل أن يفترقا، طلب إدغار من جوليوس المرور على طاولتهم كلما رغب في ذلك. أخبره جوليوس بأنه سيفعل وحرص على شكر إدغار على مساعدته.