درب التسامي الفصل 56 — مكتبة غولدنكريست

اقرأ درب التسامي الفصل 56 — مكتبة غولدنكريست باللغة العربية على مانجا تايم.

⟦1꒱ وجد جوليوس المكتبة أخيراً. بدت مبنى ضخماً ومتورّطاً في تفاصيل تذكّره بكاتدرائية نوتردام من وجوه كثيرة. تألّفت البنية من هندسة معمارية كبرى ومعقّدة وعقود، وتوزّعت أعمال فنية فائقة الجمال في أرجاء المكتبة بعناية فائقة، فمنحتها قدراً دقيقاً من الأناقة والرقّة والدفء. اصطفّت طبقات فوق طبقات من رفوف الكتب. كانت حقاً مكتبة تستحق شهرتها. دخل جوليوس فبرزت عليه حاجة إبراز البطاقة التي حصل عليها مع مفتاح غرفته أمام أمينة المكتبة.

شكر جوليوس المرأة المسنة التي أعلمته بوجودها رهن إشارته إن كانت لديه أي أسئلة.

قال: "أتعرفين أين أجد كتباً عن تطورات [التحكم بالمانا] المحتملة؟"

أشارت أمينة المكتبة لجوليوس إلى القسم الذي سيجد فيه بعض الكتب المفصّلة لتطورات المهارات. وأعلمته بأن تطورات المهارات تعد أمراً شخصياً لغالبية الناس، ولذا قلّت الكتب التي تناقش مسارات المهارات مقارنة بغيرها. كان جُلُّها سيراً ذاتية لأناس قضوا منذ زمن بعيد. وذكرت أيضاً أن المهارات ليست متطابقة، حتى تلك التي تحمل الاسم ذاته. فعلى سبيل المثال، قد يمتلك أحدهم [درع مانا]

يختلف تماماً عن نسخة [درع مانا] يمتلكها شخص آخر. كانت الأسماء مجرد وصف عام، غير أن المهارات تتباين من شخص لآخر تبعاً لكيفية استخدامها وتطورها. لذا أخبرته بأنه سيستقي بعض المعلومات المفيدة، وعليه في الوقت ذاته أن يقرأ كل ما يطالعه بعقل متفتح. لحسن الحظ، كانت مهارة [التحكم بالمانا] الأكثر شعبية في العالم، فتوفرت معلومات عنها تفوق بكثير ما يخص المهارات الأخرى. بل ووجدت كتب بأكملها مخصصة للحديث عن نسخ معينة من [التحكم المتقدم بالمانا].

اختار جوليوس بضعة كتب تبدو ملائمة لحاجاته، إلى جانب بعضها الآخر ممّا أثار اهتمامه. ثم طفق يبحث عن مكان يستهلك فيه هذه الكتب بسلام. لم تزدحم المكتبة بالناس، لحسن الحظ. فرأى عدة طلاب من السنوات المتقدمة، بل وصادف فتاة في عمره ظن أنها في السنة الأولى أيضاً نظراً لخلو ملابسهما من الزي الرسمي. وكانت المرأة التي سجّلت دخوله قد أخبرته بأن طلاب السنة الأولى سيستلمون أزيائهم صباح الغد.

انتهى المطاف بجوليوس بالعثور على مقعد مريح للغاية منعزل في زاوية خاصة بالطابق الثالث. وضعت بقربه طاولة صغيرة ومصابيح أضيفت للتيسير. وطلّت نافذة هناك على حديقة غنّاء وبركة صغيرة خارج المكتبة مباشرة. كان مكاناً يضاهي أي مكان آخر. فهبط على المقعد الوثير واختار كتاباً عشوائياً. كُتب على غلافه تطبيقات طبقات المانا بقلم ريتشارد سترايكر. جلس جوليوس هناك ساعات طويلة يقرأ الكتاب ويمضغ بعض البسكويت الذي وضعتْه له ري.

كان مستمتعاً، فقد ذكره ذلك بأيام الصبا في عالمه القديم. اعتزل أصدقاءه بعد موت والديه ووجد نفسه غالباً وحيداً يطالع كتاباً. تحولت القراءة إلى ملاذ يساعده على نسيان مشاكله لتلك اللحظة. مع ذلك، لم يعتد جوليوس قراءة نصوص بمثل هذه الكثافة. تجاوز الكتاب مستوى جوليوس بصدق، وبدا الأمر أشبه بقراءة مقال علمي قادم من الأرض. فاتته تفاصيل دقيقة كثيرة ولم يستطع متابعة سوى جزء يسير ممّا يتحدث عنه ريتشارد سترايكر.

إلا أن ما تتبعه هو أن [طبقات المانا] تمتلك تطبيقات عديدة في القتال واستخدام السحر اليومي. وكما قال أوروس، استُخدمت مهارات [طبقات المانا] المركّزة على القتال لإنشاء بنى أكثر صلابة وقوة. ومع قَوْل هذا، وجد مجال دراسي كامل يبين كيفية استخدام [طبقات المانا] في مجالات كالسحر والصناعة اليدوية والمهن الأخرى. طاقات المهارة كانت هائلة، واستخدامها بالشكل الذي فكّر فيه جوليوس لم يكن سوى جزء بسيط.

أتمّ الكتاب وحرص على وضع علامة مرجعية ليراجعَهُ في تاريخ لاحق. أراد العودة إليه متى اكتسب فهماً أعمق. تفقد الساعة فوجد الوقت في أول الظهيرة، وما زالت أمامه بضعة ساعات قبل أن يقدم الكافتيريا وجبة العشاء. ظن أنه يستطيع الظفر بكتاب آخر أو تصفّحه على الأقل قبل حلول ذلك الوقت. فالتقط كتاباً آخر، وحمل هذه المرة عنوان تطورات التحكم بالمانا بقلم غيليسين ماركس. كان أصغر كتاب في كومته وسعه الفراغ من معظمه قبل انقضاء الساعات البضع.

وأثناء قراءته، دخل طالب متقدم يرتدي زياً أسود وذهبيّاً وله ثلاث شُرَط عبر كتفه إلى زاويته حيث كان يقرأ، ولكنه حين أبصر جوليوس، اعتذر وانعطف حول الزاوية لزاوية أخرى. بدا أن جوليوس لم يكن الوحيد الساعي لإجراء بعض الأبحاث قبل انطلاق الفصل الدراسي. ولاحظ أيضاً أن العديد من الطلاب ذوي الأزياء الرسمية تحمل أكتافهم خطوطاً. وساور جوليوس ظن بأن تلك الخطوط تشير إلى سنة الطالب، ممّا يعني أن ذلك الطالب المتقدم في سنته الثالثة.

أعرض جوليوس عن ذلك الفتى وعاد لتركيزه على القراءة. كان الكتاب النحيل ممتعاً. أتى على ذكر العديد من تطورات مهارة [التحكم بالمانا]، لكنه لم يسهب في وصف تلك التي عُرضت عليه. كان يمني نفسه بأن يفصل كل مهارة وبعض المسارات المحتملة التي قد تسلكها لاحقاً. لكنه تعرّف على بعض المهارات الطريفة. ظهرت مهارة تُدعى [مرطب المانا] استخدمتها ممثلة شهيرة للحفاظ على بشرتها مثالية. استبدلت الغسول ومثلت قدرة فريدة على إحياء البشرة وتحسينها لتبلغ أقصى درجات الجمال.

ووجد أخرى تُدعى [دجاجة المانا]. مهارة غريبة تصنع بنية تطابق الدجاجة تماماً وصولاً إلى ريشها بتفاصيل دقيقة ومحكمة. وكان الرجل الذي استخدمها مزارعاً يعاني من مشاكل مع حيوانات تأكل دجاجه، فتعلّم المهارة ليخلق دجاجات وهمية كطعم لإيقاع الحيوانات المفترسة. وتواجدت مهارات أُخر بنفس القدر من الغرابة والتفرد. إن خطر ببالك أمر، وُجد هناك. لم يعثر جوليوس على معلومات نافعة كثيرة، لكنه وجد نفسه يضحك من بعض المهارات وكيفية استخدامها.

وما إن حلّت السادسة حتى جمع كومة كتبه وأعاد الكتابين اللذين قرأهما. ثم ترجل نحو المنضدة الأمامية حيث كانت أمينة المكتبة لا تزال تطالع كتاباً تخصّها.

تنحنح جوليوس للفت انتباهها فوضعت كتابها وسألته: "ما الذي يمكنني فعله لأجلك يا بني؟"

أخبرها جوليوس: "أردت معرفة إجراءات الإعارة لديكم. كم كتاباً يمكنني استعارته وما شابه ذلك."

فأوضحت له: "يوجد حد أقصى بكتابين للفرد الواحد في المرة، ويمكنك طلب المزيد، لكن يتوجب علي أو على موظف آخر في المكتبة إذن بذلك."

نظر جوليوس إلى ذراعيه وأحصى أربعة كتب. تبين أن العدد يزيد بكثير عما يلزم. فكر في الكتب التي يرغب بالاحتفاظ بها وتلك التي سيتركها هنا لوقت آخر. واختار ترك الكتب الموجودة في الأسفل وأخذ التي في الأعلى. لن يشكل الأمر فرقاً كبيراً، فبإمكانه العودة متى فرغ على أي حال. أخرجت أمينة المكتبة ورقة شبيهة بتلك التي رآها تُستخدم وقت امتحانه وسجّلت أسفل اسمه الكتب التي يستعيرها.

قالت المرأة لجوليوس: "يمكنك الاحتفاظ بها لأسبوعين، لكن يتعين عليك بعد أسبوعين إما إرجاعها أو تمديد فترة استئجارها. وإلا فستُفرض عقوبة. كما يُسمح لك بالاحتفاظ بها لمدّة أقصاها أربعة أسابيع. يهدف هذا لمنع الطلاب من تكديس الكتب طوال العام. ستُفاجأ بعدد المرات التي حدث فيها ذلك قبل تطبيقنا لتلك القاعدة."

لاحظ جوليوس بالفعل وجود نسخ متعددة من بعض الكتب، غير أنه رأى أخرى بنسخة واحدة متاحة، ففهم كيف يمكن أن يشكل ذلك مشكلة، سيّما للكتب النادرة.

وأضافت: "أه، وكل كتاب مسحور تحسباً لضياعه أو تلفه."

شكرها جوليوس وأدخل الكتب إلى حقيبته لحفظها. ثم غادر متوجهاً نحو الكافتيريا. وُجدت كافتيريا مخصصة لطلاب السنة الأولى والثانية ولكنها لم تفتح أبوابها بعد نظراً لبدء العام الدراسي المبكر. لذا اضطر جوليوس للتوجه إلى الكافتيريا الرئيسية حيث يتناول الموظفون والطلاب المتقدمون طعامهم. يُسمح لطلاب السنوات الأدنى بالاستئناس بالطعام في الكافتيريا الرئيسية نظرياً، لعدم وجود قاعدة تمنع ذلك.

حظي طلاب السنوات الأدنى بكافتيريا أصغر حجماً لكنها حصرية أُنشئت إثر مشاكل أحدثها الطلاب المتقدمون للطلبة الأصغر سناً. وأصبح تقليداً غير معلن أن يقتصر طعام طلاب السنوات الأدنى على منطقتهم المخصصة، أو هكذا أخبره دكلان. لكنّه سيضطر الآن لتناول الطعام في الرئيسية على أية حال. عبر الأبواب مقتفياً أثر مجموعة من الطلاب المتقدمين ممن عادوا للمدرسة مبكراً. كانوا يتحدثون بصوت عالٍ مستفسرين عن سير إجازاتهم وما فعلوا فيها.

حافظ جوليوس على مسافة ما لكنه تَبِعهم إلى الصف حيث التقط كل منهم صينية معدنية وباشروا اختيار طعامهم. تفاجأ جوليوس بجودة الطعام الظاهرة. فقد اعتاد طعام الكافتيريا المريع في عالمه القديم. البيتزا المجمدة، والدجاج المفرط في الطهي، والخضار البائسة. بل وسبق أن ذهب إلى مدرسة قدّمت له حليباً في أكياس، وهو مجرد حليب داخل كيس شطائر يثقبه المرء بقشة. فاق طعام غولدنكريست ذلك بكثير.

ذكر دكلان أن الطعام جيد جداً، لكن دكلان لم يكن منتقياً في طعامه أيضاً. وتيقن جوليوس من أن دكلان قادر على العيش على الحصص المجففة، لذا لم يأخذ بكلامه تماماً. توفرت تشكيلة واسعة من الأطعمة. كل شيء من الدجاج والأرز إلى السمك والسلطات. امتلكوا كل شيء. بدا الأمر كبوفيه لاس فيغاس. سال لعاب جوليوس بانتظار دوره. لاحظه بعض الفتيان أمامه وهو يتبعهم لكنهم لم يعيروه أي اهتمام.

وحين أتى دور جوليوس، ملأ صينيته بما يشبه شريحة لحم، وكومة جميلة من البطاطس المقرمشة المغطاة بالأعشاب، وبعض الخضروات، ومشروباً يبدو كالليمونادة. لم يتوجب عليه دفع ثمن أي شيء. ما يميّز غولدنكريست هو أنه بخلاف رسوم التقديم التي تكفل بها دكلان عنه، لا حاجة لدفع أي رسوم دراسية. فقدُم التمويل الملائم من الخريجين السابقين، والجهات الراعية، والتبرعات، والمدينة، إضافة إلى الفعاليات التي يقيمونها خلال العام مثل البطولات الداخلية وبين المدارس.

جلبَتْ تلك البطولات أموالاً طائلة للمدرسة، إذ يفد الكثير من الناس من هيستون ومختلف الأرجاء لمشاهدة الطلاب وهم يتصارعون. حين حاز جوليوس طعامه وجد طاولة خالية بطراز الكافتيريا بعيدة عن بعض الأماكن الأكثر ازدحاماً في الكافتيريا. ورغم أن العام لم يبدأ رسمياً بعد، تواجد الكثير من الطلاب الراغبين في الحضور المبكر.

حدّث جوليوس نفسه: "لعلهم أرادوا تفادي الازدحام والانتقال للعيش هنا قبل عودة جميع طلاب السنة الأولى والثانية."

مذاق الطعام طابق مظهره تماماً. كانت شريحة اللحم طرية ومتبلة باتقان، تحيط بها مسحة تفحّم شهية. وبدت البطاطس سماوية، فلم يدر كيف أبقوها مقرمشة وهشة هكذا رغم تركها مكشوفة لفترة.

"الليمونادة"

لم تكن ليمنونادة. بل مشروباً فكهياً حلواً يذكره بسائل الخوخ المعلّب، لكنه أفضل. وتناغم بشكل مدهش مع طعامه. وأثناء استمتاطه بطعامه، راح يراقب بقية الطلاب. غلب عليهم الضحك وتبادل الحديث، مرجحاً وصفهم لإجازاتهم والحديث عن الدروس التي ينوون أخذها. ومناسبة القائمة، لم يُعِر جوليوس القائمة نظراً فاحصاً بعد. وفمُه ممتلئ بالبطاطس، فتح حقيبته وأخرج القائمة التي زوّدوه بها وفيها الدروس المتاحة.