لحسن الحظّ، كانت فرييا هناك فاستطاعت تخليص أصابع قين الغليظة من يوليوس دون أن تعجن يوليوس في تلك العملية.
سأل يوليوس لاهثاً: "يا للهول، ما هذه الدراما؟"
سخر قين: "دراما؟يخبرنا أحدهم أن إمبراطور الإمبراطورية المضيئة يحتجز تلميذي في غرفة مشاهدته الخاصة، وتتوقع مني أن أكون هادئاً؟"
سوّى يوليوس ملابسه.
"حسنًا، كما ترى، أنا بخير تماماً".
"ألم يعبثوا بعقلك؟"
كبح يوليوس تنهيدة.
"لا".
"ألم يختموك بتعويذة ربط أو ينحتوا على روحك طقساً من طقوس العبودية؟"
"لا".
ما قصة هذه الأسئلة، ولماذا يطرحها قين؟
"ماذا فعلوا بك إذن؟"
قال يوليوس بارتباك: "لا شيء؟"
"آه...أمتأكد من ذلك؟"
قال يوليوس الشطر الأول بيقين، لكن الشطر الأخير بتردد: "نجل...أظن ذلك".أفعلوا شيئاً به؟أكان سيُدرك ذلك لو فعلوا؟
قالت فرييا لهما: "إنه بخير. لم يفعلوا أيا من الحمايات التي وضعتها عليه يا عزيزي".مع ذلك، لاحظ يوليوس أن نظراتها لم تحد عن العائلة المالكة طوال هذا الوقت.
وممّا يثير القلق، أنها لم تكن موجهة نحو الإمبراطور أصلاً، بل تركزت على كاسيان.
سألت فرييا بنبرة بالغة البرودة: "ماذا تريد يا كاسيان؟"
زال دفؤها المعتاد. انتعش الرجل المستهدف بنظرتها الباردة وفتح ذراعيه على مصراعيهما. بدا غير آبه بالترحيب الأقل دفئاً.
"فرييا!كم يسرّني رؤيتك مجدداً!كيف حالك؟أظن أن آخر مرة رأينا فيها بعضنا تعود إلى بضعة أعوام مضت".
أجابت ببرود: "نعم، وأتذكر أنك كنت تختبر سلاحاً محا جزءاً كبيراً من جبال ستراستا".
أعلن بابتسامة ساطعة: "لم يكن سلاحاً".
"..."
من الواضح أن فرييا لم تجد هذا مسلياً البتة.
اعترف كاسيان بخجل: "حسناً، لم يُصمم ليكون سلاحاً".
لم يستطع يوليوس إلا أن يسأل: "ما المفترض فيه أن يكون إذن؟"
نظر إليه كاسيان بافتخار: "كان المفترض أن يكون نموذجاً أولياً لمولّد تدفئة يمكن للناس تثبيته في منازلهم خلال أشهر الشتاء".
راودت يوليوس أسئلة أكثر إثر سماع ذلك التفسير.
سأل: "حسناً، لكن كيف لمدفأة أن تمحو نصف سلسلة جبال؟"
أجابت فرييا وهي تعصر أنفها: "لأن الأحمق قرر استخدام جوهر وحش من الفئة السادسة ذي تقارب ناري بوصفه أحد مصادر الطاقة الرئيسية فيه".
صرخت رينيرا بمزيج من الاستياء والصدمة: "فعلت ماذا!؟"
نظر يوليوس إلى كاسيان باتهام. لم يكن الشخص الأكثر ذكاءً أو حكمة في أفضل أيامه، لكن حتى هو عرف أن ذلك يبدو فكرة سخيفة.
"أي نوع من المدافئ كنت تحاول صنعه؟مدفأة ستطهو العاصمة بأكملها؟"
قال كاسيان بعبوس: "أردت شيئاً يدوم!شيئاً لا يضطر الناس للقلق شأن استبداله خلال عقد من الزمن. شيئاً يمكنهم توريثه لأطفالهم وأطفال أطفالهم".
أشار يوليوس: "ما زلت لا أفهَم لِمَ تطلب الأمر استخدام شيء كجوهر من الفئة السادسة لتشغيله. تدرك أيضاً أن عمليا أي عائلة لم تكن لتستطيع تحمل تكلفة أثر ثمين كهذا، أليس كذلك؟"
قال كاسيان كما لو أنه شعر بالإهانة لمجرد أن يوليوس اتهمه بعدم التفكير في ذلك: "أنا أعلم ذلك. خططت لتعديله كي يعمل بجوهر من الفئة الثالثة أو الرابعة، لكن لم تكن لدي أي جواهر مناسبة في متناول اليد. الجوهر الأنسب الذي امتلكته كان جوهر التنين الحارق من الفئة السادسة الذي قتلته قبل بضعة أشهر".
سأل يوليوس بارتباك: "فلِمَ لم تخرج وتشتري جوهراً مناسباً للنموذج الأولي إذن؟"
"..."
لاحظ يوليوس بخيبة أمل: "لم يفكر حتى في فعل ذلك..."
"ب-بالتأكيد فكرت".
لم يفعل قط. لم يدْرِ يوليوس إن كان عليه أن يشعر بخيبة الأمل أم بالقلق حيال كون شقيق الإمبراطور على هذه الشاكلة.
"على الأقل، اختبرت العنصر في مكان آمن".بدا الأمر كما لو أن الرجل كان يحاول إنقاذ سمعته.
اخترق صوت فرييا كالسيف الحاد: "لقد دفنت قرية بأكملها".كانت نبرتها الاتهامية واضحة للجميع.
"كيف كان لي أن أعلم بوجودها؟بعض السحر القوي أخفاها عن حواسي".
قالت فرييا بتأكيد: "لَوَجَدْتَها لو عذّبت نفسك بالبحث العميق".
بدا كاسيان خجلاً حقاً للحظة.
"أنت محقة. كان يجدر بي البحث بعمق أكبر. كما أن سبب إخفاء وجودهم ضروري لنجاتهم يبدو جلياً بأثر رجعي. مع ذلك، كان ذلك وسط جبال ستراستا؛ لم أظن أن أحداً سيكون مجنوناً لدرجة محاولة بناء قرية كاملة هناك. من سيرغب في محاولة النجاة في حفرة الموت القاحلة تلك؟ إنها مصنفة حرفياً بوصفها منطقة بالغة الخطورة في الإقليم الشمالي لسبب وجيه".
لم تكن لدها استجابة فورية لذلك فحدّقت في كاسيان، متراجعاً حدقتها الباردة قليلاً. لن يخبر يوليوس فرييا بهذا، لكنه بدأ يميل إلى جانب كاسيان. بدا حقاً وكأنّه اتخذ احتياطات معقولة. بل أخذ جهازه إلى وسط لا شيء ليختبره تحسباً لحدوث خطب ما. كان أمراً معقولاً جداً بالنظر إلى أنه استخدم جوهراً من الفئة السادسة لتشغيل جهاز منزلي عادي... قطب يوليوس جبينه. تفكيراً ثانياً، كان يميل عائداً إلى جانب فرييا كلما فكر في الأمر أكثر.
مزق سؤال قين الجو المتوتر أصلاً مثل جرافة: "إذن ماذا تريدون؟لماذا نحن هنا؟"
على عكس موقف قين المعتاد من عدم الاكتراث، كان الرجل جاداً بشكل مزعج. كانت عيناه صلبتين كالفولاذ، وهناك طنين خافت في الهواء يشع إلى الخارج. رأى يوليوس أن رينيرا وجاكسون كانا متصلبين للغاية، وترتجف عيناهما وهما تحداقان في قين. علاوة على ذلك، استطاع استشعار تنفسهما الحاد وغير المستقر من حيث كان واقفاً. تساءل عن سبب ذلك. أكانا متوترين حول قين؟نظر إلى العملاق الذي يبلغ طوله سبعة أقدام تقريباً بفحص دقيق قبل أن يهز رأسه رافضاً.
كلا، استطاع التفكير في صفر أسباب تجعلهما مرعوبين هكذا حول الرجل. قين كان أشبه بدبدوب محشو ذي قصة شعر عسكرية. في ملاحظة أخرى، بدا الإمبراطور متعاملاً مع هذا الضغط بشكل جيد بما يكفي. لم ير يوليوس الرجل يرتجف أبداً.في الواقع، حصل على شعور مغاير تماماً من الرجل مقارنة بما كان عليه عندما رآه على الشرفة، حين كان يلقي الخطاب.
أوضح الإمبراطور لهدوء لقين: "أرادت رينيرا رؤية الشاب يوليوس بعد نزاله، وظننت أنه سيكون من غير اللائق إن لم أعلمكما أنتما الاثنين، بالنظر إلى علاقتكما بالفتى".
ضيق قين عينيه: "أهذا كل ما في الأمر؟"
ألقى والد رينيرا نظرة على شقيقه: "ربما ذكر كاسيان نيته طرح بعض الأسئلة على يوليوس بخصوص عدد من مهاراته".
سخر قين: "لهذا أبلغتمانا إذن".
"نعم، هذا هو السبب الأساسي لتواصلي معكما".
لم يهتم قين حتى بأن يكون أكثر دبلوماسية قائلأ: "الجواب لا".
اعترف الإمبراطور برغبة أكبر مما توقع يوليوس أو قين: "توقعت ذلك، لكâني شعرت أنه يستحق النظر فيه. وكنت سأود سماع بعض الإجابات أيضاً".
رفع يوليوس يده: "أود التدخل نظراً لأن هذا يخصني قليلاً. وأود أيضاً ذكر أنني لا مانع لدي في الإجابة عن بعض الأسئلة، طالما أنني أحصل على شيء مقابل ذلك".
شعر بظهور فرييا بجانبه، ممسكة بذراعه ومسحلة إياه إلى أسفل: "لا، لن تفعل. لا تحتاج إلى مشاركة مهاراتك معهم. إنها معلومات مميزة يمكنهم استخدامها ضدك في المستقبل".
صاح شقيق رينيرا فجأة: "من تروننا؟"
اهتز صوته للحظات معدودة، وبدا بوضوح غير هادئ بعد بسبب قين، لكنه تكلم مع ذلك.
أعلن بشدة: "نست لسن من نوع الأشخاص الذين يطعنون شخصاً يدينون له بدين في الظهر".
سأل فرييا بنظرة محددة: "دين؟"
بدت مرتبكة وقلقة في الوقت عينه. أومأ جاكسون.
"نعم، دين. بقدر ما هي صديقة جيدة لشقيقتي. يبقى الواقع أنه ساعدها على التقدم أبكر بكثير مما كنا نظنه ممكناً. كنت قلقاً من أن يستغرق الأمر على النحو الأدنى بضع سنوات لتطور فهماً لائقاً لإرادتها والقدرات ذات الصلة، لكنها عادت مستعدة أكثر مما تمكنا من أمله. لقد أوضحت تماماً أن ليوليوس دوراً ضخماً في مساعدتها. هذا وحده يعني أننا ندين ليوليوس بدين هائل. الموارد تُشترى بسهولة، لكن الخبرات والفرص الحقيقية المكتسبة من خلال مصير المرء هي كنز أعظم بكثير".
بدا أن هذا أوقف أي شيء كانت فرييا ستقوله. حدقت في يوليوس بتأمل.
"أهذا حقيقي؟"
هز كتفيه: "إلى حد ما. لا أظن أنني قمت بالكثير حيال ذلك. معظم تحسيناتها بفضل جهودها الخاصة".
"لقد انقذ حياتها أيضاً في مناسبات متعددة، وهو أمر مؤكد باعترافها الخاص، وهو أمر مختلف تماماً عندما يتعلق الأمر بنوع من السداد، وسبب آخر لطلبي مجيئه. نحن ندفع ديوننا، وبما أنكم معلموه، أعتقد أنكم ستودون قول كلمتكم في هذا".هذه المرة، كان الإمبراطور هو من أشار إلى ذلك.
همم. مسح يوليوس ذقنه مفكراً. لم يفكر في ذلك حقاً.كان أكثر من راغب في تقديم بعض معلومات لإشباع استفساراته الشخصية، لكن هذا قد ينجح بشكل أفضل مما كان يرجوه. لم يرغب في التفاخر بذلك، لكنه أنقذ أميرة الإمبراطورية بضع مرات. لم يكن المكافأة متوقعة من وجهة نظره نظراً لكون رينيرا صديقة، لكنه لم يكن شيئاً سيرفضه أيضاً.لكن كان هناك شيء يمكن للإمبراطور فعله لأجله لم يستطعه أي بيت أو فرد آخر.
علق الإمبراطور بعد رؤية رد فعل يوليوس: "يبدو أن في ذهنك شيئاً ما مسبقاً".
حك يوليوس رأسه وأومأ: "نجل، لدي شيء أود مناقشته معك. في الواقع، لا أظن أن هناك شخصاً أفضل لمناقشة هذا معه".
"ما هو؟إن كان في وسعي منحه. فساكون متعاوناً جداً لمساعدتك في كل ما ترغب فيه. رغم أنني أظن أنه مع معلمين أقوياء مثل هذين الاثنين، لا يمكنني فعل الكثير مما لا يقدران عليه بأنفسهما".
نظر يوليوس حول الغرفة وعصر حاجبيه معاً.
"إن لم تمانع. أفضل أن تكون هذه المحادثة خاصة قليلاً.يمكن إشراك رينيرا؛فهي على دراية ببعض التفاصيل".
لمفضلة يوليوس، لم يرمش الإمبراطور حتى بناء على هذا الطلب. أعطى ببساطة جاكسون وكاسيان نظرة. لحسن الحظ، بدا أن الاثنين فهما ما يُطلب منهما، ورغم تعبير محبط من طرف كاسيان، غادرا الغرفة فوراً.
"إذن ما هو؟"
تردد يوليوس. لقد قام بالكثير لإخفاء خلفية عائلته. أكان مستعداً أخيراً لكشف الحقيقة؟ من جهة، بدا كقرار هائل. ومن جهة أخرى، بدا أشبه بـ...شيء تافه. لم يمض وقت طويل منذ أن كان أهم أسراره، تلك الليلة التي كانت تطارد كوابيسه باستمرار. مع ذلك، عندما نظر إلى حيث كان الآن، بدا كل شيء...مختلفاً جداً. فقط انظر إلى من كان يقف معه في الغرفة. أمامه كان إمبراطور الإمبراطورية المضيئة وابنته، التي كانت صديقة يوليوس أيضاً.
إلى جانبه وقف اثنان من أقوى البشر الذين قابلهما على الإطلاق، أشخاص بدا أن الإمبراطور نفسه يحترمهم ويحذر منهم. مع ذلك، وجد صعوبة حتى في التحدث عن أمر بدا شديد التفاهة مقارنة بكل ما وجد نفسه محاطاً به. أو بالأحرى، وجد صعوبة حتى في معرفة من أين يبدأ. شعر فجأة بيد تحط برفق على كتفه. التفت إلى الخلف فرأى فرييا تمنحه ابتسامة خفيفة وإيماءة مطمئنة. لم يدْرِ من أين يبدأ. لذا فعل الشيء الوحيد الذي خطر بباله.
بدأ من البداية.
"كما قد تكون خمنت مسبقاً، اسمي ليس يوليوس سنو. اسمي الحقيقي هو يوليوس فون هيبروس..."