حاول جوليوس تفقد البطاقة لكنها لم تحمل شيئاً يشير إلى السعر. حمله إلى نصف الإلف خلف الطاولة بدافع الفضول. رفع صاحب المتجر بصره عن الكتاب الذي يقرؤه مع اقتراب جوليوس.
قال جوليوس للرجل: "كم ثمن هذا؟ لم أره مقروناً بسعر."
أجاب صاحب المتجر: "أهذا؟ سعره قطعتان ذهبيّتان وثلاث فضيّات."
هذا المبلغ كله؟ لقاء غصن شجرة؟
سأل جوليوس: "عذراً، لكن لماذا هو باهظ هكذا؟ أفي الأمر شيء مميز؟"
أشار الرجل إلى الغصن وقال: "نعم، أكثر الناس لا يعرفون ماهيته، لكن هذا بذرة روح حياة."
"بذرة روح حياة؟"
لم يسمع جوليوس بها من قبل لكن الأمر بدا منطقياً مع أثر تقارب الحياة المنبعث منها.
أرشد الرجل جوليوس بلطف قائلاً: "أرواح الحياة أرواح تنشأ طبيعياً وتفيد ممارسي مانا الحياة كثيراً. يتخذ أغلبهم أرواح الحياة مرافقين لتعزيز مانا حياتهم، مما يتيح لهم العلاج بوتيرة أسرع لاستخدامهم مانا المرافق عوضاً عن ماناتهم الخاصة. هذا مجرد بذرة، لذا سيحتاج إلى قدر أكبر بكثير من مانا الحياة قبل انبعاث روح. لهذا سعره زهيد هكذا، وإلا فقد تصل كلفة روح حياة حديثة الولادة إلى قطعتي بلاتين."
علق جوليوس: "تبدو هذه قفزة هائلة لشيء لا يتطلب سوى المانا."
هز صاحب المتجر كتفيه وقال: "المانا مطلب واحد، فالوقت والرعاية يهمان جداً عند تربية روح حياة. ليس مضموناً أن تفرخ البذرة روحاً، فإذا غابت الشروط تعذر تشكل الروح."
لم يكن جوليوس بحاجة ماسة لروح حياة وكان الثمن باهظاً، لكن شيئاً ما جذبه إليها.
سأل الرجل: "أتقدر على قطعتين ذهبيّتين؟"
فكر صاحب المتجر لثانية، فرمق جوليوس والبذرة بنظرات فاحصة وقال: "تعلم أنك لن تستطيع إطعامها إلا إن امتلكت مانا الحياة."
أومأ جوليوس برأسه وجمع كتلة صغيرة من مانا الحياة فوق راحته ليُظهر لصاحب المتجر امتلاكه للتوافق. ارتسمت على وجه الرجل امارة رضا فابتسم لجوليوس.
قال له: "بالتأكيد خذه بقطعتين ذهبيّتين. طال انتظاره لبيت صالح منذ مدة."
دفع جوليوس بسعادة وغادر المتجر مالكاً فخوراً لبذرة روح حياة وأفقر بقطعتين ذهبيّتين. لم يكترث للمال. المال وُجد ليُصرف وقد راقته حقاً فكرة تربية روحه الخاصة. أخبر صاحب المتجر جوليوس بطريقة العناية المفترضة بالبذرة. أولاً، احتاج إلى تغذيتها بمانا الحياة مرتين يومياً، مرة صباحاً وأخرى مساءً. وتأمين بيئة مريحة لها، فالضغط الشديد لا يصلح لميلاد روح. يستطيع جوليوس تدبر الأمر، ففي عالمه القديم احتفظ بنبتة صغيرة قرب فراشه لأعوام.
لم تكن روحاً لكنه اعتنى بها طويلاً، بل وأخذها معه أحياناً في رحلاته إن طالت غيبته. عاد أدراجه نحو دار الحراس بقية يومه، محتضناً بذرة الروح بكلتا يديه. رأى בطريقه بسطة تبيع أزهاراً ونباتات جميلة المظهر. ظن أن الروح ستستأنس بقرب الطبيعة، فاشترى نبتات عدة ليضعها جوار البذرة. وحين بلغ غرفته، رتب النباتات على الطاولة قرب السرير قبل أن يوسد البذرة في المنتصف. وما إن استحسن منظرها، حتى رفع الغطاء الزجاجي عن الوعاء وتأمل الغصن الصغير بإعجاب.
لم ينزل الليل بعد، لكنه ظن أن قليلاً من مانا الحياة لن يضرها. جمع بعض مانا الحياة برفق شديد وأطعمها للغصن. استجابت البذرة فوراً لتدفق مانا الحياة فامتصتها عبر أوراقها وغصنها. راقب جوليوس البذرة وهي تنبض برقة بمانا خضراء. واصل إمدادها بالمانا حتى استشعر توقفها عن الابتلاع.
دغدغ أوراق البذرة وخاطبها: "أشبعت أيها الصغير؟ سأتفقدك الليلة لأرى إن جعت ثانية."
لم يدر إن كانت البذرة تسمعه، لكنه ظن أن التقرب منها الآن لن يضر. نوى اتخاذ الروح مرافقاً لها إن بُعثت، لذا كان بناء شيء من الألفة فكرة سدية. غادر الغرفة بعد التأكد من راحة البذرة وشبعها. اقترب وقت عشائه ورغب في قضاء ساعات تدريبية معدودة قبل تناول الطعام.
كان جوليوس ينهال بالضرب على دمية التدريب كأنها مدينة له بثمن الغداء. كان العرق يتصبب بغزارة على ظهره بينما كانت قبضتاه تحطمان الشكل الخشبي بلا رحمة. لم يأخذ أي استراحة ولم يستعمل [تجديد الطائر شبه الحقيقي] ليعوض الإرهاق الذي يشعر به. بل تركز تماماً على تغطية ساعديه بهالته وهو يسدد اللكمات للدمية. ترددت أصداء ضربات مدوية في أنحاء الباحة وتعرّت مفاصل أصابعه وتقرحت بفعل هجومه المتواصل.
كانت الهالة شيئاً مذهلاً، فقد كانت قادرة على منح لكماته ثقلاً يصعب وصفه. صار الأمر أشبه بارتداء قفازات رصاصية ضخمة تغطي قبضتيه ولكن من دون أي وزن يذكر. كان مفترضاً بكل ضربة أن تفتت الخشب لولا النقوش الرونية التي تحمي الدمية. ومع ذلك، كان يقترب من حده الأقصى. أصبحت وقفته مترهلة وبدأت هالته تتلاشى حول ساعديه. أطلق صيحة أخيرة وأفرغ كل طاقته في لكمة ختامية هجمت على وجه الدمية.
كان جوليوس يلهث وذراعاه ثقيلتان بشكل لا يصدق. لسعته مفاصل أصابعه حين لامس الهواء البارد الجلد المتمزق. كان الكثير من الحراس الآخرين الذين يتدربون في مثل هذا الوقت من اليوم يحدقون في جوليوس بنظرات حائرة. لقد فوجئوا برؤية فتى صغير في مثل سن جوليوس يهاجم الدمية بهذه الوحشية وفوجئوا أيضاً برؤية الهالة تغطي يدي الفتى. لاحظ جوليوس أن ديلان كان يراقبه من نافذة في الداخل فاتجه نحوه.
سأله ديلان أول ما رآه: "ماذا فعلت لك تلك الدمية؟"
مازحه جوليوس قائلاً: "لقد كانت مدينة لي بثمن الغداء وكنت أريها ما يحدث عندما لا تدفع".
هز ديلان رأسه حيال حركات جوليوس الطائشة وقال: "ذكرني ألا أدين لك بالمال أبداً، اتفقنا؟"
ابتسم جوليوس لديلان، وكان يراوده شعور بأنه حتى لو وقف ديلان مكان الدمية فلن يكون جوليوس قادراً على ترك أثر عليه من دون اللجوء إلى بعض طرقه الأكثر تدميراً. لم يكن جوليوس يعلم حتى الآن الرتبة التي يمتلكها ديلان بالتحديد ولم يسأله. أراد أن يكتشف ذلك بنفسه. لكن توقعاته الحالية كانت تشير إلى رتبة رابعة عالية. كان أوروس في الرتبة الثالثة على مشارف الرتبة الرابعة، لذا خمن جوليوس أن ديلان في الرتبة الرابعة على الأقل إن كان نائباً للقائد.
ومن يدري، إن كان ديلان في الرتبة الرابعة العالية فلربما كان قائد المقاطعة السابعة في الرتبة الخامسة. تحدث ديلان مع جوليوس لفترة، وسأله عن يومه وما فعله. أخبره جوليوس عن الأماكن التي زارها وذكر له بذرة روح الحياة أيضاً. أبدى ديلان تأييداً لقرار جوليوس، وقال إن أرواح الحياة مفيدة دائماً وجيدة كرفاق نظراً لصعوبة القضاء عليها. بدا أن بعض الناس يبتعدون عن الرفاق بسبب خطر فقدان أحدهم في المعركة.
ومع ذلك، لم تكن الأرواح كائنات عادية، إذ عاش جزء منها أيضاً داخل بُعد آخر، وهو البعد الروحي. هذا ما جعل من الصعب على أي شخص تدمير روح مرتبطة بشخص ما كرفيق تماماً. قد يستغرق الأمر بعض الوقت لتتخذ شكلها من جديد وتكون قوتها المباشرة في القتال ضئيلة أو معدومة، لكنهن كن شبه خالدات نتيجة لذلك. لم يكن جوليوس يعلم هذا عندما اشترى البذرة لكنه كان أكثر امتنانًا لقراره العفوي.
تحدث ديلان وجوليوس عن يوم كل منهما أكثر إلى أن ظهر أوروس وقت تقديم العشاء تقريباً. استأذن ديلان عائدًا إلى منزله حيث كانت عائلته تنتظره لتناول العشاء. بعد مغادرته، استمتع أوروس وجوليوس بوجبة دسمة معاً أثناء الحديث عن أمور صغيرة قاما بها خلال اليوم. كان أوروس مهتماً بشكل غير متوقع بذرة روح الحياة وأراد رؤيتها بعد العشاء. لم يسبق لأوروس أن رأى روح حياة عن قرب. حرص جوليوس على توضيح أنها لم تصبح روحاً بعد، وأنها مجرد بذرة في الوقت الحالي وستستغرق بعض الوقت قبل أن يولد كائن منها، لكن أوروس أراد رؤيتها مع ذلك.
لم يمانع جوليوس، فقد كان متحمسًا لبذرة الروح الصغيرة أيضاً وقد تكون جائعة مرة أخرى لذا يمكنه أن يري أوروس كيف يطعمها. بعد أن ملآ بطنيهما، توجها إلى غرفة جوليوس.
عندما فتحا بابه قال أوروس لجوليوس: "أنت تعلم أن هناك قفلًا ومفتاحًا لبابك إذا كنت تريد بعض الخصوصية في الليل أو عندما تكون غائباً".
لم يظن جوليوس أن أي شخص سيكون غبياً لدرجة السرقة في دار حراسة المدينة لكنه كان يمتلك البذرة الآن ووجد نفسه يتصرف بحماية تجاهها بالفعل. أراهم جوليوس الطاولة الصغيرة حيث وضعت البذرة إلى جانب النباتات الإضافية التي حصل عليها في طريقه إلى المنزل. كان أوروس أكثر حماسة مما توقع جوليوس، لكن تبين أن أوروس أراد الحصول على روح دم عندما كان أصغر سنّاً لكنها كانت نادرة لدرجة أنه لم يحصل على الفرصة قط.
كانت أرواح الدم مطلوبة بشدة من قبل جميع مستخدمي الدم، ويرجع هذا إلى أنه على عكس معظم الأرواح، يمكن امتصاص أرواح الدم داخل جسد المرء واستخدامها لتحسين جودة دم المرء. إن امتلاك دم بجودة أفضل يصنع فارقاً كبيراً لدى مستخدمي الدم. للأسف، لم تكن هناك سوى بضع مشاهدات مؤكدة على مر السنين. انحنى جوليوس نحو الطاولة وجمع كمية صغيرة من مانا الحياة أمام البذرة ليكتشف ما إذا كانت جائعة مرة أخرى.
لقد مضت بضع ساعات فقط، ولكن من يدري، لعلها كانت ذات شهية كبيرة. بدا أنها تمتلك شهية كبيرة حقاً فقد التهمت كمية المانا الصغيرة وشعر جوليوس كأنها تمددت من تلقاء نفسها كأنها تطلب المزيد. ومع ذلك، كانت لدى جوليوس فكرة أراد تجربتها قبل أن يطعمها المزيد. تلاعب بالمانا بطريقة مشابهة لكيفية عمل [تجديد الطائر شبه الحقيقي]. نسج جديلة معقدة من مانا الحياة وكثفها باستخدام [الضغط النقي]
وقدمها للبذرة. لم تأخذها البذرة على الفور، بل كانت تختبر مانا الحياة تقريباً كأنها فضولية بشأن ماهيتها. أخيراً، بدت راضية عن تحقيقاتها وامتصت المانا. على عكس المرة السابقة التي أطعمها فيها، نبضت الأوراق بلون أخضر براق وبحدة أكبر هذه المرة. كاد يرى الغصن يتمايل ذهاباً وإياباً. كانت ظريفة بطريقة ما، تشبه تلويحة يد. كان يعلم أن صاحب المتجر أخبره إن البذرة لن تكتسب وعياً إلا بعد ولادتها، لكن جوليوس راوده شعور بأن تلك لم تكن الحقيقة كاملة.
بدت البذرة والطريقة التي تفاعلت بها مع المانا متعمدة وحية. حرص على مراقبة تقدم البذرة وتدوين أي ملاحظات قد تكون خارجة عن المألوف. ومع ذلك، كان لا يزال لديه بعض التدريبات ليفعلها الليلة، لذا ذهب هو وأوروس إلى الباحة وقضى أوروس بعض الوقت الإضافي في مراجعة بعض أشكال السيف مع جوليوس. بعد حوالي ساعة عرضت على جوليوس مهارة. هل ترغب في تعلم مهارة [فن السيف]؟
أخبر أوروس بشأن الإشعار فشرح له أوروس قائلاً: "إن أخذت المهارة الآن، فقد لا تُعرض عليك أي مهارات أخرى تتعلق بالسيوف. ومع ذلك، فإن [إتقان السيف] مهارة عظيمة ولديها العديد من المسارات حيث يمكن أن تتفرع. يعتمد كل شيء على المكان الذي تريد أن تركز فيه أسلوب قتالك".
أعجب جوليوس بفكرة تعلم كيفية استخدام سلاح لكنه ظل يرغب في استخدام قبضتيه بشكل أساسي. لم يكن يعلم ما هي المهارات الأخرى التي قد تُعرض بدلاً من ذلك لاحقاً، إن عُرضت أي منها على الإطلاق. تساءل أيضاً عن نوع المهارات التي قد يتمكن من تطوير [فن السيف] إليها في المستقبل. ظن أنه قد يكتسب مهارة مشابهة لـ [نشوة القتال] التي تطورت من [القتال الأعزل], والتي أدت في النهاية إلى [رقصة توحشية]
وهي إحدى أكثر مهاراته استخداماً بشكل مكثف. أو ربما تكون خاصة بالسيف. شيئاً مثل مهارة صنع السيف أو شيئاً يستخدم النصل كوسيط للضرب، مثل المهارة الأكثر شيوعاً [ضربة المانا]. على الرغم من أنه لم يكن يظن بالضرورة أنه بحاجة إلى شيء كهذا. كانت هناك الكثير من الخيارات والكثير من القرارات التي كان عليه اتخاذها.