استغرق وقتاً طويلاً ليحسم أمره بشأن المهارة التي سيختارها. استقر رأيه أخيراً على أن [تهذيب الطاقة الحركية] هي الخيار الأنسب له. وافقه قين على أن هذا الاختيار يخلو غالباً من أي عيوب. كان بإمكان جوليوس أن ينتظر ويكتسب [إتقان الطاقة الحركية] أو [براعة القوة الحركية] ويرفع أيّاً من هاتين المهارتين إلى عتبتهما التالية. حيث قد تُعرض عليه مهارة مشابهة حين يرتقي بها إلى رتبة الملحميّ.
لكن قين وبقيّة الطلاب في الصف المتقدم هم من أقنعوه بأن [تهذيب الطاقة الحركية] ستكون خياراً أفضل. لم يكن ينوي في البداية طلب المشورة من أي منهم أو إطلاعهم على مهاراته. لكنه فُوجئ بكمية من استشاروا بعضهم بعضاً بشأن قدراتهم. بما أنهم جميعا استخدموا الطاقة الحركية، فكان لابدّ لمهارات متشابهة أن تظهر. وظّف كثيرون منهم نسخة من [تهذيب الطاقة الحركية] بأثر بالغ. ومع ذلك، كان لكل منهم دربه وتفضيلاته الخاصة بفارق طفيف.
اتفقوا جميعاً مع ذلك على أن مهارة تهذيب أو مهارة تحسن جودة طاقة المرء الحركية تُعدّ ضرورية في مرحلة ما. أوضح آرثر لجوليوس بملء إرادته مثلاً أنه يمتلك مهارة تُدعى [تنقية الطاقة] تطورت من [ترشيح الطاقة الحركية]. كانت مهارة تعمل بأسلوب يشبه إلى حد بعيد ما تبدو عليه مهارة جوليوس. استطاع آرثر تنقية طاقته الحركية عبر توجيهها من خلال هذا المرشح قبل استخدامها في الهجوم.
منحها ذلك القدرة على الالتصاق ودمج المزيد من مفاهيم الشاب وتقنياته. مما يعني أن هجماته أصبحت أشدّ قوة بنتيجة ذلك. دائماً ما كانت مشكلة جوليوس مع الطاقة الحركية هي امتلاكه قدراً يفوق قدرته على التحكم السليم. علاوة على ذلك، كان مضطراً باستمرار لاستخدام المزيد نظراً لقتاله المنتظم لأصحاب المرتبة الرابعة في الآونة الأخيرة. لم يكن يملك خيار الاكتفاء بالقليل عند القتال ضد خصوم بهذه القوة.
لكن، إن استطاع تعزيز الطاقة الحركية التي يملكها الآن، فلن يُجبر على استخدام هذا القدر الكبير. أمكنه خفض الكمية المطلوبة للهجوم والتركيز أكثر على التحكم. وعليه، فإن [تهذيب الطاقة الحركية] ستمكنه من تحقيق ذلك. أحضر الإشعار مرة أخرى. مهارة [تحكم الطاقة الحركية] تتطور... التطورات الممكنة: [إتقان الطاقة الحركية]، و[براعة القوة الحركية]، و[تهذيب الطاقة الحركية]، و[تضخيم الطاقة الحركية].
شعر بشيء من التردد، لكن ذلك لم يستمر سوى لحظة عابرة. كان واثقاً تماماً من قراره، ودعمه قين أيضاً. لذلك، وبدون إبطاء، اختار المهارة. تهانينا، لقد تعلّمتَ [تهذيب الطاقة الحركية] (نادر+). شعر بإحساس اكتساب المهارة المألوف يتدفق في أرجائه. وشعر أيضاً بطاقته الحركية تخضع لتغيير. بدأت تهتز داخل جسده. بدأت ببطء، لكنها سرعان ما اكتسبت سرعة، وأصبحت الاهتزازات فائقة السرعة. بالكاد استاب مجاراتها.
ومع اهتزازها، بدأت تنبض أيضاً بشكل إيقاعي، مترددة الصدى في جسده كله وفي روحه. ظن في مرحلة ما أن موجات صدمية حرفية كانت تنفجر صادرة من جسده. لم يشعر بألم كما حدث مع بعض مهاراته الأخرى. بل بدا الأمر ممتعاً تقريباً، وكأن مخلوقاً ضخماً كان يدلك طاقته الحركية. استغرق الأمر وقتاً أطول ممّا توقع، لكن الإحساس بدأ يتلاشى تدريجياً في النهاية، وتوقفت طاقته الحركية عن الاهتزاز بهذه السرعة، وبدأ النبض يهدأ.
أطلق زفرة ارتياح وكان على وشك تفقد التغييرات داخل جسده. بيد أن اللحظة التي توقف فيها كل شيء تماماً هي التي وسع فيها عينيه بقلق. حدث ذلك بغتة لدرجة أنه قبل أن يتسنى له حتى رد الفعل، انفجرت طاقته الحركية بالكامل. اندلعت موجة صدمية ضخمة من صدره، وتحطم كل ما في الجوار إلى شظايا. طار سريره مستقراً في الزاوية المقابلة من غرفته. انشقت النافذة نصفين، وانغرست خزانة ثيابه في السقف.
كانت أذناه تطنان من الانفجار، فهز رأسه لإزاحة شعوره بالدوار. لحسن الحظ، كان وحيداً في غرفته، لكن الضرر قد وقع. لم يَبقَ أي شيء سليماً باستثناء جدران الغرفة. كانت الموجة الصدمية قوية لدرجة أن حتى التعاويذ التي نصبتها فرييا بينما كان يجرب [الصدع المكاني] عجزت عن احتواء الضرر بأسره. انفتح بابه فجأة، ولكن نظراً لأن الانفجار قد ألحق به الضرر مسبقاً، انتُزع الباب من مفصلاته.
ظهر وجه فرييا، وأمعنت النظر في الغرفة بقلق فور تأكدها من سلامة جوليوس.
قالت بعبوس حائر: "أيّ جحيم هذا الذي حدث؟"
هز كتفيه.
"لا أعرف. اخترتُ مهاراتي فحسب، وفقدت طاقتي الحركية السيطرة فجأة".
أمالت رأسها، وبدت كأنها تفكر في أمر ما.
سألته بعد لحظات معدودات: "اخترتَ مهارة التهذيب، أليس كذلك؟"
أومأ برأسه.
قالت وهي تقترب وتمد يدها: "أتمانع إن تحققت من شيء ما؟"
لم يتوانَ عن بسط يده. لم يدرِ أكان للأمر صلة بعلاجها لروحه خلال الأسبوع المنصرم أم لا، لكن شيئاً ما قد تغير بينهما. لقد تزحزح شيء في ديناميكية العلاقة. وُجد مستوى متبادل من الثقة لم يكن موجوداً من قبل. تناولت يده برفق واستخدمت هالتها لتفحصه. وبينما لم تكن بحاجة تقنياً لمسّه، فقد ذكرت مسبقاً أن التلامس الجسدي يساعدها في تكوين رؤية أوضح لمشكلات مرضى وعليه تتمكن من علاجهم بصورة أفضل.
تمتمت بعد عدة ثوانٍ: "همم".
سأل نافداً صبْرَه قليلاً لمعرفة الخطب وسبب تصرف طاقته الحركية هكذا: "ما الأمر؟"
ما زالت طاقته الحركية تبدو غريبة بعض الشيء. سرت فيها شحنة قوية لم تكن موجودة من قبل. لم يرغب في الاعتراف بالأمر، لكن الإمساك بها بدا عسيراً بعض الشيء. لم تردّ عليه فوراً؛ بل راقبها وهي تلوح بيدها في الهواء. غلفهما حاجز على الفور. درى جوليوس أن الوقت لم يكن مناسباً للذهول، لكنه لم يستطع منع نفسه من الدهشة حيال سرعة نجاحها في نصب الحاجز. بإمكانه هو الآخر نصب حاجز حوله في لمح البصر، لكنه عجز عن إقامة حاجز يشبه ذلك الذي أنشأته لتوّها.
حِيكت وظائف لا تحصى داخل بنية الحاجز. توفرت فيه العديد من الميزات المشابهة لبنية العلاج التي أريته إياه، لكنها كانت أشد تقدماً بكثير. كان عملًا بديعاً من المانا والسحر. انغمس برهةً ودرس الحاجز بانبهار. استوعب كل تفصيلة في الحاجز بأسرع ما يمكن قبل أن يتبخر الشعور. اتسمت فرييا بالصبر وأتاحت له فعل ذلك. أوقفت ما كانت تفعله ودعته يدرس الحاجز بمفرده. لم تقدم له أي تفسيرات أو تلميحات عما فعلته، بل سمحت له ببساطة بالمراقبة بحواسه وعينيه ليتوصل إلى الأمر بمفرده.
ابتسمت طوال هذه العملية، ولم تتابع فحصها إلا بعد انتهائه.
قالت بابتسامة عريضة: "أرى أنك شديد الفضول كعهدك دائماً".
أجاب بابتسامة عريضة تخصه: "سيتعين عليك تعليمي كيف فعلتِ ذلك بهذه السرعة".
سألته بسخرية: "لماذا أفعل ذلك؟ ألا تريد اكتشاف الأمر بنفسك قبل أن أمنحك الإجابة؟"
أدار عينيه. كانت تعرف طباعه مسبقاً وصائبة تماماً في حدسها. لهذا السبب قلّما قدمت له إجابة مباشرة. طالما دَعَتْه يتوصل إلى استنتاجاته الخاصة قبل أن تشرح نفسها.
سأل أخيرًا: "إذن ما قصة الحاجز؟"
هزت كتفها.
"إجراء احترازي. لا أودّ إحداث فوضى أكبر من تلك التي خلفتها بالفعل"، قالت وهي ترمي بنظرة جانبية خفيفة نحو الفوضى التي تسبب بها حقاً.
شعر فجأة بأنها توخزه بهالتها، وكانت النتيجة غير متوقعة. تكررت الموجة الصدمية ذاتها التي دمرت نصف الغرفة، فشرق متأوهاً بينما طنت طبلتا أذنيه مجدداً. لم يملك حيلة لردع الأمر.
سأل وقد تسلل المزيد من الحذر إلى نفسه: "ما الذي حدث؟"
تمتمت وهي توخزه مرة أخرى مسفرة عن انفجار آخر يهز الغرفة: "مثير للاهتمام".
كأن على وشك الكلام حين فعلتها مجدداً، وكلما همّ بالاعتراض تسببت بانفجار آخر. في مرحلة ما، وحين أدركت أنها لا تلحق به أي إزعاج، بدأت تجد الأمر مسلياً للغاية وأخذت توخز طاقته الحركية كالمرء حين يفعل ليجعل قرداً يؤدي خدعة. انطلق انفجار تلو الآخر من جسده، تلتها مباشرة قهقهاتها الساطعة. تركها تعبث كما تشاء، لكنه عوضاً عن مشاركتها، ركز على محاولة منعها عما كانت تفعله.
لم تكن لديه أدنى فكرة عن كيفية تسببها في فقدان طاقته الحركية السيطرة، لكنه أراد التأكد من عجزها عن الاستمرار في ذلك. مع ذلك، لم يبدُ أن أي شيء يفعله يجدي نفعاً. ألقى يديه في الهواء بياْس في النهاية.
سأل بنصف إحباط، بينما تملك النصف الآخر شعور بالسلوان نظراً لأنها اكتسبت نحو النهاية درجة من التحكم بانفجاراته مكنتها من تأليف إيقاع موسيقي مستخدمة إياه كآلة: "كيف تفعلين هذا؟"
سمحت لضحكاتها أن تخفت قبل أن تجيبه.
"لا أدر أتتمتع بحظ وافر أم عاثر".
سأل عاقداً حاجبيه: "ما الذي تعنيه بهذا؟"
قالت وهي تهز كتفيها: "من ناحية، ربما كانت مهارة التهذيب الخيار الخطأ. لكنها تبدو أيضاً كمن فتح لك بعض الدروب المثيرة للاهتمام".
"ماذا تقصدين بالخيار الخطأ؟"
أوضحت له قائلة: "حسن، افترضنا أن مهارة التهذيب ستعمل كمهارة تتيح لك ضخ المزيد من روحك وإرادتك في طاقحتك الحركية، مما يجعلها أشد قوة وأكثر صلابة. وهو ما سيعتبر إضافة رائعة مع كمية طاقتك الحركية الهائلة أساساً التي تستطيع استخدامها".
سأل مستشعراً وجود أمر آخر أيضاً: "لكن...؟"
حكت أنفها.
"لكن، يبدو أن المهارة كانت مختلفة قليلاً عما توقعناه".
طرح السؤال الحاسم: "بأي قدر اختلفت؟"
أوضحت بابتسامة عريضة بدت مستبشرة نوعاً ما: "حسن، بدلاً من العمل كوعاء بسيط ولكنه أقوى يتيح لك ضخ إرادتك ومفاهيمك، فقد بدأت بالفعل في الشروع بعملية الدمج من تلقاء نفسها".
"عملية الدمج؟"
أوضحت قائلة: "نعم، عملية امتزاج طاقتك الحركية وأجزاء من روحك كمرق الحساء. على سبيل المثال، سيكون شعارك أول ما يبدأ بالاندماج في هذا المستوى".
أومأ متابعاً شرحها.
"حسن، لكن لمَ يجعلني هذا أنفجر؟"
سأل غير مستوعب تماماً لما كانت تحاول تلميحه. أدرك أن هذه عملية طبيعية كانت ستحدث بغض النظر عن الأمر عند ارتقائه إلى المرتبة الرابعة. أمالت رأسها إلى الأعلى.
"همم، تفسير ذلك أشد صعوبة بعض الشيء. لكن يمكنك شكر مخزونك الهائل من الطاقة الحركية. يبدو أنه نظراً لضراوة روحك وقوتها المطلقة، تعاني طاقتك الحركية للتكيف مع هذا التغيير الجديد. إنها تعجز عن التعامل مع مجمل هذه القوة، ولذا تختبر أحياناً بعض..."
توقفت باحثة عن الكلمات الملائمة.
"... إطلاقات للضغط"، أنهت جملتها أخيراً.
سأل بملامح جامدة: "وهذا يجعلني محظوظاً؟"
أومأت بثقة.
"لا يساعد كون المهارة نادرة فحسب، وقد لا يكون هذا مثالياً على المدى القريب، لكنه وضع مذهل للغاية لك على المدى البعيد. سيتعين عليك يوماً ما القيام ببعض هذا يدوياً إن أردت الارتقاء للمرتبة الرابعة. ويستغرق اعتياد الأمر وقتاً طويلاً، لكنك لن تقلق بشأن ذلك الآن. تحظى ببداية مبكرة طيبة وما إن تعتاد الأمر حتى تصبح طاقتك الحركية قوية حقاً... ليس كأنك بحاجة ماسة إليها".
تمتمت بالجزئية الأخيرة بصوت خفيض. همّ بالرد، لكنه بدأ يدرك ببطء ما كانت تلمح إليه فابتسم طفيفاً. ربما كان هذا تحولاً محظوظاً في الأحداث بالنسبة له. إن كان يفهمها بالشكل الصحيح، فهذا يعني أن العقبة مجرد مطب عابر. وما إن يحكم قبضته على مجريات الأمور، فسيكون ذلك ميزة طيبة للغاية في الواقع. مع ذلك، لن يكشف عما يخبئه سوى الوقت. تمثلت المشكلة الرئيسية الآن في كيفية منع نفسه من الانفجار بشكل عفوي.
لم يظن أن الأمر سيكون مريحاً للغاية خلال يومه. لحسن الحظ، امتلك القليل من الخبرة في ذلك وينبغي أن يكون قادراً على فرض سيطرته عليه.