كان إميل يرزح تحت الدبّ، بينما انهالت ضربات ذراعي الوحش بقوّة. لم يعد الزعيم مضطرّاً للتركيز على منع السقف من الانهيار فوق رؤوسهم، ولحسن الحظّ. ما إن زال الحاجز حتى رأى اللصوص أن إسقاط السقف لم يعد استراتيجية مجدية، إذ صاروا معرّضين للأذى هم أيضاً. منح هذا إميل حرية مقارعة صاحب الرتبة الخامسة ودبّه العملاق دون تشتيت مفرط. أطلق بعض سحرة الأرض نتوءات صخرية بين الحين والآخر من سقف الكهف بطبيعة الحال، لكن إميل وغيره من أصحاب الرتبة الرابعة من القرية تولّوا أمرهم.
لم يكن رصد صخرة ضخمة تهوي من السماء أمراً صعباً قط. سمح إميل لوليوس بالانطلاق في هياجه الخاص لكرمه في إلهاء صاحب الرتبة الخامسة. كثر اللصوص، ومع أن أكثرهم في الرتبة الثالثة، إلّا أن عدداً لا بأس به منهم حمل رتبة رابعة جدارةً. زاد الدببة من فزع الموقف بكونهم جميعاً في الرتبة الرابعة. هكذا ورغم امتلاكهم نحو عشرين مقاتلاً من الرتبة الرابعة، حظيت عشيرة دببة الصقيع بتفوق عدديّ واضح.
أمل وليوس في تخفيف بعض الضغط عبر التخلص من بعض أصحاب الرتبة الرابعة، كما فعل سلفاً. لمح تلك المرأة ذاتها من قبل تستخدم فأسهابحماسة مخيفة، من جهة أخرى. كانت تحصد أصحاب الرتبة الثالثة كأنهم سنابل في حقل. حتى أصحاب الرتبة الرابعة الذين واجهوها طاروا مبعثرين بفعل القوة الهائلة التي ولّتها. بدا أن اللصوص تخلّوا عن فكرة إيقافها وركّزوا على إبطائها عوضاً عن ذلك. تملك المرأة قوة ومهارة هائلتان، لكنها خلت من مهارات دعم إضافية على ما يبدو.
عاق هذا تقدّمها باستمرار عبر هبات الصقيع العاتية وهجمات أخرى. لم تقتلها أو تؤذِها بالغ الأذى، لكنها تباطأت بالتأكيد في الوقت الراهن. شكّل فريق المغامرين مصدر إزعاج بالغاً هو الآخر. تقاتلوا كآلة مسننة الإتقان. دعم كل عضو الآخر، ولم يواجه أحد خطراً حقيقياً قط. استهدفهم العدد الأكبر من أعداء الرتبة الرابعة. عجز اللصوص عن العمل بتوافق مماثل، وتجسّد هذا في تراجعهم شيئاً فشيئاً.
أظهر هذا أيضاً مدى تفوق ياكوب وفريقه. جلت فارق الجودة، ولاحظه اللصوص أيضاً. تلقى إشعارات لذيذة المذاق لتسحقه هذين الفردين من الرتبة الرابعة، في جانب مبشّر.
[ضربة الفراغ المستوى 3 -> المستوى 5]
[خطوة الفراغ المستوى 7 -> المستوى 8]
تكاملت المهاراتان بانسجام تامّ، وكما يُتوقع من مهارات تحمل أسماء شديدة التقارب. كلما تعلّم أكثر من إحدى المهارات، استغلّ تلك المعرفة لخدمة الأخرى. تراجعت كلفة [ضربة الفراغ] جذرياً، وما زال يُجري تحسينات مع مرور الوقت. فكر في تسريع التفعيل قليلاً قبل أن يضطرّ لإمالة رأسه إثر تمزيق سهم حجري لوجهه. امتصاص لاواعي لبعض الطاقة الحركية من الهجوم استُخدم لتغذية اندفاعه نحو ساحر الأرض الذي ألقاه.
حاول توخي الحذر بشأن استهلاك المانا رغم رغبته الجامحة في استخدام [خطوة الفراغ] و[ضربة الفراغ] دون انقطاع. تطلبت إحدى المهارات تكلفة باهظة بالفعل، لكن مهاراتين مستنزفتين للمانا عقدتا الأمور بكثير إذا أراد ادخارها. امتلك مهارات وقدرات أخرى مكّنته من فعل ذلك، لحسن الحظّ. درّب طاقته الحركية تحديداً لمثل هذا الموقف. غذّى جسده بالطاقة الحركية وانطلق صوب ساحر الأرض الذي واصل قذفه بالهجمات.
بدا الرجل من الرتبة الرابعة، لكنه رتبة رابعة واهية. هذا ما استشفّه وليوس من هالة الرجل على الأقل. خلت من الثقل أو الحدّة. بدت طريّة وقابلة للثني. لهذا استطاع وليوس طرح طاقته الحركية على صاحب الرتبة الرابعة الضعيف مجمداً إياه مكانه. امتلك ساحر الأرض سلطة تعينه، لكنها لم تحدث فارقاً يذكر. فاقت إرادة وليوس وهالته محاولات الفرار تفنيداً، وسدد ساقه في وجه الساحر. استجاب بسرعة كافية لخلق درع حجري فوق جلده، لكنه عجز عن كبح قوة الضربة بذاك القدر.
طار الساحر مستقراً في الجانب الآخر من الكهف. همّ وليوس بمطاردته حين شعر بمجموعة ضخمة من اللصوص تباغته بالهجوم. لم يكونوا حتى من أصحاب الرتبة الرابعة، فأنشأ عاجلاً دستة من مسامير المانا فوق كتفه، وأطلقها نحو هؤلاء اللصوص. رمش بالكاد بينما سحقت المنشآت أكثرهم مسويةً إياهم بالأرض وواصلت صريرها في الهواء. اضطر لتبديد بعضها تجنباً لإصابة أناس من صفه. خيل إليه أن هذه اللحظة شهدت إدراك لصوص الرتبة الثالثة صعوبة هدفه رغم صغر سنه، ليقرروا جماعياً كفّ الهجوم عنه.
راقه الأمر. استهدفت غايته صيد أصحاب الرتبة الرابعة قبل تركهم أثراً باليغاً في المعركة. رصد هدفه التالي وانطلق إلى الأمام. وجد طريقه مسدوداً بأحد دببة الصقيع، مع الأسف. لم يكن الدب الزعيم، لكنه بقي ضخماً. تجاوز فم المخلوق حجم جسد وليوس، ولم تقّل مخالبه عن ذلك حجراً، ناهيك عن سيوفه القصيرة التي اتخذتها مخالباً وتلألأت بزرقة باهتة. لم يتراجع وليوس. قارع نصيبه من الدببة سابقاً وظن هذا شبيهاً بها.
هرع نحو الدب مجيباً زئيره بمثله. تسللت ابتسامة بطيئة إلى وجهه ترقّباً للصدام. فوجئ بعجزه عن الفوز في مسابقة القوة رغم تحسينات طاقته الحركية. تعثر للخلف حين دفعها الدب محاولاً انتزاع أحشائه بمخلب واحد. صفع وليوس المخلب جانباً وأطلق مسمار مانا منسوجاً بالهالة نحو وجه الدب. خلا الدب من درع زعيمه، لكن وليوس أدرك سريعاً منح فرو الدب متانة تفوق الحاجة. اخترقه المسمار بالكاد، وحتى حين انفجر، خففت مهارة ما تخص الدب من القوة.
اتضح جلياً أن الدببة مثلت الخطر الحقيقي، لا اللصوص أنفسهم. قفز متفادياً مخلباً آخر، وحين لمح ثغرة ضيقة، انطلق مرتدّاً صوب ساقي الدب. جعل اختلاف الطول الهجوم غريباً بعض الشيء، لكن ضخامة الدب جعلته يواجه مشاكل عند اختراق وليوس لدفاعاته. حاول طق فكيه نحوه، لكنه بدا أسرع فتفادى الأسنان. سدد مرفقاً صاعداً محطماً وجه الدب. أطلق هذا صرخة مدوية ورفع رأسه. اغتنم وليوس الفرصة للانخفاض وقذف ساق الدب بأقصى طاقة حركية.
وظف قليلاً من [ضربة الفراغ] للمساندة أيضاً. ساعدته [ضربة الفراغ] على اختراق طبقة الدفاعات، وتولّت طاقته الحركية الباقي. استشاطت مفاهيم الحدّة والقوة عبثاً في ساق الدب، فانهارت تحت وطأة وزنها. حاول مهاجمة وليوس مجدداً، لكن وليوس استشعر حركاته مسلفاً وركل نفسه مبتعداً. بقيت ساق الدب سليمة، لكنها غدت أشبه بالفوضى. غاب الفرو عملياً، وحل مكانه جرح قبيح نازف. مع ذلك، لم ينته الدب واستخدم سحر الجليد على نفسه.
راقب وليوس استخدامه مهارة لتجميد جرحه ووقف النزيف. شابه هذا للغاية ما رآه لدى معالجي تقارب الجليد في عيادة الشفاء. بدا أكثر خشونة وإهداراً لا غير. أطلق الدب زئيراً آخر، وهمّ وليوس بالرد بمثله حين لمح الدب المقبل من الخلف. استدار برشاقة ورمى مسامير عدة نحو عيني الوحش. ركض نحوه هذا الدب على أربع، ومفعلّاً مهارة جليدية دفاعية. تحطمت مسامير المانا على الدب، لكنها بدت قليلة الفعالية بفضل القشرة الصلبة حول جسده.
التفت مقطباً نحو الدب الأول.
قال بسخرية مصطنعة: "أحقاً؟ تعزيزات؟ ظننت شيئاً خاصاً يجمعنا".
تلقى زئيراً كإجابة وحيدة ومنظراً لدب يندفع نحوه، مع تفعيل ذات المهارة الجليدية الدفاعية.
* * *
وجهة نظر ستين تذمر باحباط. سارت الأمور بيسر بالغ. جهزوا كل شيء باتقان، ووقعوا في فخهم مباشرة. تلقى تحذيراً من أحد القرويين الذين ابتزهم بأن أحد المغامرين الوافدين حديثاً وضع منارة تعقب على أحد رجاله. بدا الاعتراف للآخرين محرجا، لولا التحذير لما عثر على العلامة أبدا. أظهر صانعها مهارات مبهرة. امتزجت بمناء الأحمق فيلتون ببراعة. تحولت حقاً إلى قطعة فنية تضاهي ابتكاراته الخاصة.
أطلق تنهيدة. افتقروا لذات الميزة عقب تحطم الحاجز، لكنهم ظلوا في وضع جيد للفوز. كفاه هو ووندايج لإسقاط زعيم القرية. أو للمماطلة على الأقل ريثما يتخلص رجاله ودببة الصقيع الباقون من الحثالة. شكل هذا أمله على الأقل. تصرف الصبي ذاته الذي صدمه بالانتقال عبر الحاجز وتحطيم عصاه الثمينة كشيطان في ساحة المعركة. تواجد في كل مكان، ناشراً الدمار وممزقاً رجاله بلا هوادة. ما افتقرت القرية لشخص مماثل بحسب مصادره.
تمثل همهم الدائم في إميل والعجوز آرون. لم يغادر العجوز قريته قط لتردي صحته وشيخوخته، لحسن الحظ؛ لذا شكل استدراج إميل الخيار الأفضل. اقتصرت الإضافة الحديثة لقوات القرية على شخص من مدرسة الشتاء المتشظية. أثار سماع اسم مدرسة شهيرة توتره أول الأمر، لكنه علم سريعاً إرسال المدرسة صبياً تافه الرتبة الثالثة، ورغم كونه معالجاً مفترضاً، لم يقلق ستين. مع ذلك، غاب عنه ربط تفاصيل كلمات فيلتون الأخيرة عن صبي قتلهم جميعاً حتى الآن.
تيقن تقريباً من كون الصبي ممثل مدرسة الشتاء المتشظية. علاوة على ذلك، استبعد كون الصبي في الرتبة الثالثة. استحال على رتبة ثالثة التحرك بتلك السرعة وتجاوز حاجزه. رجح ارتكاز الأمر على أثر أو غرض يحجب رتبته الحقيقية. أجبره رؤية صبي يافع يروع رجاله على إدراك خلوّ سمعة مدرسة الشتاء المتشظية من العبث. توقع ما هو أكثر من مدرسة أسسها كاين ستيلبورن. حاول إرسال رميات صوب الصبي، لكن إميل تصدى لها دومًا.
أدرك الرجل بدوره جوهرية الصبي في المعركة فقرر حمايته. أدرك ستين حاجته لفعل شيء مع تملص الأمور وعجزه عن تلمس مخرج بديل من وضعهم المتدهور. نقر لسانه مفّعلاً ورقته الرابحة، وتدفق طوفان مطلق من المانا عبر الكهف متركيزاً على درعه. أطّ فولاذ بلایفروست من ضغط تلك الطاقة لكنه صمد. صارع ستين للسيطرة على هذه الطاقة وأطلق قهقهة. لم يخطط لإهدار ورقة رابحة كهذه، لكنه رفض مخاطرة الخسارة هنا.
رمق إميل بابتسامة عابسة مندفعاً، ومباغتاً الرجل ومطيحاً به في الجانب الآخر من الكهف. سيعمل على التخلص من صاحب الرتبة الخامسة بأسرع وقت ليتفرغ لذلك الصبي بعدها.