لقيا الزعيم، وأفضى إليه جوليوس بما استطاع من أمر. أوعى الزعيم الكلام كلّه وطفق يُدبّر خطّة على الأثر. كانت الخطّة أبسط ما يكون. يُنظّمون فرقة تخرج لاستطلاع المكان. ولمّا كان جوليوس وحده من يُدرك أثر المنارة، كُلف بتحديد الموضع الدقيق لبقيّة النفر. لم تكن الفرقة المُجتمعة كبيرة. بضعُ عشرات من البشر فقط، ضمّت المغامرين ونفسه، ممّا يعني أن نصف المشاركين نزلوا من القرية ذاتها.
على قلّة العدد، كانوا خيرة ما تملكه القرية. جاء الخبر السار بانضمام إميل إليهم. تردد الناس طويلاً لأن إميل كان الحصن الوحيد الذي يمنع عشيرة الدب الجليدي من مهاجمة كاستيلا مباشرة، لكن الزعيم حسم الأمر أخيراً ورأى أن المغامرة تستحق. فلن تتكرر لهم مثل هذه الفرصة. مع ذلك، حرصوا على بقاء مهمتهم في أقصى درجات الكتمان. انطلقوا في الحال. تسلل جوليوس برفقة راسم بين التضاريس الجبلية.
ارتأيا أن صِحبه راسم ستكون فأل خير، فالرجل يملك مهارة ترسم أصحّ مسار لبقيّة القوم. لم تكن الرحلة يسيرة. اعترضتهما فخاخ شتّى نصبها لعلّها عصابة قطاع الطرق. معظمها لم يكن بالغ الخطورة؛ مجرد شرك بسيط ارتبطت به تعاويذ إنذار. بيد أن تنبيه العدو يعني حفر قبورهم بأيديهم، لذا حرصا أشد الحرص على تفادي إطلاق أي فخ. تولى راسم أمر تلك الشراك؛ واستخدم تقنية تُشبه مهارة التشويش التي استعملها ضد جوليوس ليُعطّل الفخاخ.
شعر جوليوس باقترابهما. فما زال الأثر الذي تركه على صاحب الرتبة الرابعة نشطاً، يُطلق نبضات خافتة من جوف الجبل الذي كانا يتسلقانه. خمن جوليوس وجود مدخل خفيّ يقود إلى قلب الجبل، لكن تحديد مكانه تعسّر كثيراً. لحسن حظهما، كانت الفخاخ مؤشراً دقيقاً يدلّ على اقترابهما. ازدادت الشراك تعقيداً وكثافة. تحول بعضها إلى فخاخ مميتة توقع القتل أو الإصابة بمن يطؤها. أفضى بهما الأمر أخيراً إلى معضلة.
كثرت الفخاخ حتى استحال الالتفاف حولها كما اعتادا، فضلاً عن كونها أكثر تقدمية، مما أفقر راسم الثقة التامة بقدرته على تعطيلها دون إطلاق أي إنذار. أراد جوليوس استخدام خطوة الفراغ للعبور، لكنه أدرك أن راسم لن يستطيع مرافقته. فلحركة الأركان هذه سيئة الصืّيت خطورة بالغة على أي شخص يخلو من درع يقيه من الفضاء المضطرب. كان راسم في الرتبة الرابعة، لذا بدت احتمالات حماية نفسه بفقاعة من السلطة عالية نسبياً، غير أن جوليوس كره المجامرة.
كما افتقر إلى الثقة بقدرته على مد حمايته الذاتية لتشمل شخصاً بقوة صاحب رتبة رابعة. لربما استطاع فعل ذلك مع صاحب رتبة ثالثة أو أدنى، لكن نقل شخص بمثل هذه القوة يحمل محاذير ومخاطر جمّة.
التفت جوليوس وقال لراسم: "عليك بالعودة وإبلاغ الباقين بما وجدناه".
سأل راسم بعبوس حائر: "وأنت؟"
أشار جوليوس بيده نحو الجبل: "سألقي نظرة عن قرب".
استجوب الرجل: "كيف؟ أتملك طريقة لعبور الفخاخ دون إثارتها؟"
هزّ جوليوس كتفيه باعتذار: "أجل، لكنني لن أستطيع اصطحابك معك".
"ومتأكد من أنها لن تنطلق؟"
جعّص جوليوس أنفه وقال بصدق: "ممم، واثق بنسبة تسعين بالمائة تقريباً. لقد تجاوزت تعاويذ أفضل من هذه، لذا لا أظنها ستشكل مشكلة".
"وماذا عن—"
قاطعه جوليوس قبل أن يتم كلامه لعلمه بما سيقول: "لا تقلق، سأكون حذراً. سأكتفي بإلقاء نظرة قريبة لأرى إن عثرت على المدخل الحقيقي، وبهذا نتمكن من التقدم فوراً. ثم، أنت تعلم بنفسك مدى صعوبة إدراك مكاني حين أخفي حضوري".
ورسم ابتسامة واثقة على محياه.
أدار راسم عينيه لكنه تنهد مستسلماً: "حسناً، لكن احرص على البقاء متخفياً من فضلك. لا نريد أن نتلقى تحذير بشأن هجومنا. أفضّل ألا نفقد أحداً في هذه المهمة".
وعده جوليوس: "اطمئن، سأكون شديد الحذر".
حدّق الرجل في جوليوس برهة قبل أن يومئ له، ثم استدار عائداً من حيث أتيا وحيث ينتظر الباقون. فور تواري الرجل عن الأنظار، استخدم جوليوس خطوة الفراغ ليتخطى الفخاخ. انتابه شعور غريب حيال الأمر لسبب ما، وأراد جمع أكبر قدر من المعلومات قبل اتخاذ أي قرار. شقّ طريقه في الجبل بحذر، ورغم خلوّه من مهارات تعطيل الشراك الفاخرة التي يملكها راسم، استطاع جوليوس استشعارها بيسر نسبي.
مكّنه ذلك من القفز متخطياً مدى تفعيلها بسهولة. اضطر إلى تتبع أثره عكسياً بمرات، لكنه اتخذ من المنارة نقطة دلالية. وأحس أخيراً بنبضة من مهارة إدراكه لا تشبه تلك الصادرة عن العلامة. توقف عمّا كان يفعله وتأكد من إحاطة هالته بالكامل، ثم دقّق النظر فيما استشعره. كانت هناك جماعة من الرجال على الجانب الآخر من الحافة يتبادلون الحديث. بدوا كحراس من نوع ما، لكنهم لم يأخذوا أعمالهم على محمل الجد.
أراد جوليوس تفحصهم عن قرب، إلا أن حواسه للطاقة والهالة حجبتها نوعية من الحواجز أقيمت أمام الحراس. اتسم الحاجز بدقة بالغة، ولولا عجزه عن مد حواسه كعادته لما ظنه قد انتبه له. اختلف هذا الحاجز تماماً عن ذاك الذي أحاط بالمعسكر الذي هاجمه، إذ بدا أكثر تقدماً بمراحل. تسلل حول الجبل ببطء حتى وقعت عيناه أخيراً على بغيته. وكما توقع، وُجد مدخل ينفذ أعمق في الجبل. وظلت المنارة المثبتة على صاحب الرتبة الرابعة تُطلق نبضاتها من تلك الوجه أيضاً.
ومع شدة رغبته، لم يشأ اختبار حظه أكثر من ذلك وبدأ رحلة العودة. فقد ظفر بما جاء من أجله. لم يستغرق وقتاً طويلاً للعودة إلى باقي الفرقة. وما أن بلغهم، حتى شرح كل ما لاحظه إلى جانب مواقع الغايات والحواجز وتلك الشراك. أنصتوا جميعاً لمعلوماته باهتمام بالغ. ومما أثار الدهشة، لم يبدُ أن أحداً منهم شكك في أمره أو ارتاب في دقة تلك المعلومات. لو لم يكن درايته بالحقيقة، للاحظ لمسة ارتياب طفيفة في نظراتهم إليه.
تساءل عما إذا كان ياكوب أو أحد أعضاء فريقه قد أخبرهم بما فعله بقطاع الطرق. وإلا، لتوقع سماع الكثير من الشكاوي حول انضمامه ومشاركته بهذا القدر. لم ينبس أحد بببسة حرف أو يطلق شكوى طوال الوقت. وهو أمر عده من واقع خبرته غريباً بعض الشيء. فبعيداً عن رتبته، غالباً ما اعترض الناس على صغر سني. أو وجدوا متنفساً آخر للتذمر. مع ذلك، تقبلوا وجوده بل وتقييمه للوضع. واكتفوا بطرح أسئلة استفسارية عليه.
لم يدر كيف يشعر حيال ذلك. اعتاد أن يرى نظرات الشفقة أو الازدراء في عيون الناس. لذا، غدت معاملته بالهيبة والاحترام تجربة جديدة. لكنّ ذلك همٌّ يُؤجّل لما بعد انقضاء المهمة. فلديهم أمور للنقاش، وعليه إلقاء البال. ما إن فرغ من شرح ما رآه، حتى زمّ إميل بزمام المبادرة وطفق ينظمهم في فرق ومهام. بدا الرجل، رغم كونه زعيماً لقرية صغيرة، محترفاً بشكل غريب. وكأنّه يصدر أوامر بقائد عسكري لا مجرد زعيم قرية.
أخذ جوليوس بالحسبان احتمالية كون الرجل قائد فرقة سابقاً أو ذا خبرة في توجيه البشر. وإلا، فإبراعة إميل تتجاوز الحد. اتسمت خطة كل مجموعة بالبساطة الشديدة. لا تعقيد يذكر لئلا تسوء الأمور، لكن الجميع استوعبوا أدوارهم وأدركوا ما ينبغي فعله إن حادت الأمور عن مسارها. تمثل دور جوليوس في أبسط صوره. فهو الشخص الذي يقود الآخرين إلى حيث وجد المدخل. وساورته تساؤلات حيال كيفية تجاوز البقية للفخاخ التي تفاداها بخطوة الفراغ، فأكده إميل امتلاكه لسبل تخطيها دون تفعيل الإنذار.
وفق ما شرحه الرجل، فهو يملك مهارة تتيح لهم اختراق الحواجز والفخاخ دون تنبيه قطاع الطرق. ومع ذلك، احتاج لرؤيتها عياناً ليتيقن تماماً. لم يضيعوا وقتاً. وفور استيعاب أدوارهم، هبّ الجميع للاستعداد. وما إن أتموا التجهيزات حتى انطلقوا. غلب الرجال على الحضور ولم يرافقهم سوى نسوة قلائل. لكنه لاحظ أن النساء بدين منتقمات بشكل مقلق لسبب ما. أكثر من الرجال بكثير. سرت في عيونهن حدة أثارت في نفس جوليوس شيئاً من التوتر.
حملت امرأة ضئيلة الحجم فأساً قتالياً ضخماً على كتفها. بدا الفأس مهترئاً بعض الشيء، غير أنه لمح علامات واضحة تدل على شحذ حده وصقله حديثاً. لا يحسد هؤلاء اللصوص على حالهم قط، وانتابه شعور بأنهم سيقاسون أزمة حقيقية في المستقبل القريب. ولسن الحظ، بدا له أنه سيحظى بمقعد في الصف الأمامي.