درب التسامي الفصل 429 — رعاية السجناء

اقرأ درب التسامي الفصل 429 — رعاية السجناء باللغة العربية على مانجا تايم.

بمساعدتهم، قلَّ قلق جوليوس كثيراً بشأن أمر أولئك الأسرى المُنزَحين. بدا أنهم يدركون ما يفعلونه، واستطاعوا تنظيم القرويين بسرعة فور إيجاد مكان مناسب للمبيت ليلتها. وسرَّهم أيضاً رؤية العصا بحوزته، وحين أقاموا المعسكر، فعّلها ياكوب لحمايتهم من البرد والأخطار التي قد تحوم في الليل. ترك جوليوس لهم زمام الأمور وتوارى عن السطح. وكل ما فعله هو تضميد جراح القرويين ومراقبة الأخطار.

لحسن الحظ، لم يصادفوا وحوشاً كثيرة في طريقهم. وتلك التي التقوها، تكفل بها الكشاف بسهولة، والذي علم جوليوس أن اسمه راسموس. ظل جوليوس ساهراً طوال الليل يطوف الغابات الثلجية. لم يكن بحاجة إلى النوم، وظن أنها الفرصة المثلى لتمرّس مهارته الجديدة. حرص على مغادرة الحاجز المحيط بالمعسكر وبحث عن مساعدين نافعين. تأكد من عدم الابتعاد كثيراً، وشعر بغتر استشعار وحش يسلّ إليه من الخلف.

كان مثيراً للإعجاب حقاً أن يقدر الوحش على رصده من مسافة بعيدة كهذه، لكن جوليوس ابتهج لذلك. لقد وفّر عليه بعض الوقت. كان الوحش شديد التخفي قياساً بحجمه. وقدَّر جوليوس حجمه بضعفي حجم الإنسان تقريباً، وبدا أشبه بنسخة أضخم من القط، سوى أنه مزود بأربعة قرون حادة على رأسه. انزلق مقترباً من الأرض المكسوة بالثلج، وأتاح له فروه الأبيض الاندماج في الخلفية. لولا مهارة الإدراك لديه، لما رصده أبداً.

كان تخفيه عبر الهالة والمانا ممتازاً. تظاهر جوليوس بأنه لم يشعر به ودعه يقترب. وما إن بلغ الوحش المدى المطلوب، حتى استخدم مهارة حركة لتقليص المسافة. كان سريعاً، والأكثر من ذلك أنه كاد يذوب في الثلج. استدار جوليوس بخفة واستخدم [ضربة الفراغ] للمرة الأولى. غطت قبضته التشوهات المكانية ذاتها التي تتألف منها مهارة [تصدع مكاني]. بيد أن التشوهات بدت هذه المرة أشد استقراراً بمراحل.

لم يوحِ الأمر بأن المهارة ستتداعى عند أدنى فقدان للتركيز. تمثلت المشكلة الفورية التي لاحظها في أن المهارة لم تتفعل بالسرعة التي أمّلها، وحين صار الوحش فوقه تماماً، لم تكتمل تفاعلات المهارة وافتقرت إلى القوة المنشودة. مع ذلك، لم يعني هذا أنها بلا جدوى. أصابت اللكمة خطم الوحش، وأحس جوليوس بالمهارة غير المكتملة وهي تصطدم بمهارات الدفاع لدى الكائن. على الرغم من قصورها، مزقت المهارة الحاجز الذي يغطي جلد الوحش.

اختلفت التمزقات المكانية تماماً عن الهجمات العادية، وخلا رصيد الوحش من أي مهارة تقيه منها. اقتُطعت قطعة لحم من خطم الوحش، فأطلق جروة عالية من الألم وهو ينزف من وجهه. تقدم جوليوس بخطوة تخللتها دفقة سريعة من الطاقة الحركية، حارصاً هذه المرة على تفعيل [ضربة الفراغ] سلفاً قبل أن تهبط قبضته على جسد الوحش. جاءت الضربة هذه المرة أشد فعالية بكثير. أشبه ما تكون بالتشوهات المكانية التي غلفت يده وهي تخترق أعماق جسد الوحش قبل أن تمزقه من الداخل.

بخلاف القطع أو الشق، أشبهت الضربة انفجاراً مصغراً مضغوطاً في مساحة ضيقة. ومع ذلك، وظفت المهارة مفهوم الحدة لديه بقدر كافٍ. لحظة دويها، كانت الشظايا المتطايرة حادة بشكل صادم فانتزعت المزيد من اللحم من الوحش. انطوت قوة هجومه على طبقات متعددة، وكانت أثقل من أن يتحملها وحش من الفئة الثالثة. طار الكائن في الهواء وظل يتدحرج حتى اصطدم بشجرة مدوياً بانفجار هائل. ظل حياً، لكن جوليوس أحس بقوة حياته تذوي مع كل ثانية.

إذ لم يلمح سبباً لتركه يعاني، استخدم [خطوة الفراغ] ليظهر جواره ويهوي بـ [ضربة الفراغ] مستخدماً كفه على جمجمة الكائن. انفجر الرأس من وطأة الهجوم، وسرعان ما صنع جوليوس درعاً صغيراً من المانا ليقي نفسه شر التلطخ بالأحشاء. أومأ برأسه راضياً. كانت المهارة بقوة ما تمنى، ومع أنه أدرك سلفاً عدداً من سلبياتها، فلم يكترث. تماماً مثل [خطوة الفراغ]، استهلكت [ضربة الفراغ] قدراً هائلاً من المانا.

لكنه تذكر أيضاً كمية المانا التي كانت تستهلكها [خطوة الفراغ] حين كانت في مستواها الأول فحسب. ما زالت عند المستوى السابع، لكن شتان ما بين الاستهلاك ذاك وما يماثله اليوم. اشتبه في أن الأمر سينطبق ذاته على [ضربة الفراغ]. ولهذا قرر تكريس بقية الليل لسبر غوَر المهارة وفهمها بعمق أكبر. بالكاد استنفد شيئاً من قوته الحقيقية، ومع ذلك مزقت المهارة وحشاً قوياً من الفئة الثالثة بلا عناء.

غمره الحماس لرؤية كيف ستتعامل مع خصم أشد مراساً. حرص على انتزاع نواة الوحش قبل أن ينطلق بحثاً عن مخلوق آخر يختبر المهارة عليه، عاكساً ابتسامة باهرة على محياه تلألأت وسط غابة الثلج المظلمة. *** لم يعثر على وحش بالقدر الذي تمناه، لكنه حصد مستويين كاملين في المهارة بحلول الصباح.

[ضربة الفراغ المستوى 1 -> المستوى 3]

ساعدته خبرته السابقة مع [خطوة الفراغ] كثيراً في هذا الموقف. فالتقنيات ذاتها التي استخدمها لخفض تكلفة المهارة وتسريع وتيرة تفعيلها أثبتت نجاعتها مع الاثنتين. لم يكن الأمر مفاجئاً للغاية لتقارب أسماء المهارات، بيد أن التأكد من ذلك ظل أمراً مبهجاً. حين أشرقت الشمس فوق الجبال، نهضوا جميعاً، وتناولوا طعاماً، وحزموا أمتعتهم، وشقوا طريقهم سريعاً عائدين إلى كاستيلا. ارتاى الباقون أن بقاء هؤلاء القرويين في كاستيلا يبدو أكثر أماناً في الوقت الراهن، نظراً لما آلت إليه قريتهم من خراب عقب الهجوم.

على الرغم من الاستحواذ على المعاطف الدافئة ومستلزمات التدفئة كافة الخاصة بقطع الطرق، عانى القرويون الأمرين في قطع المسيرة نحو كاستيلا. وخصوصاً الأطفال الذين نال منهم الإرهاق، مما اضطر البالغين الأقوياء إلى حملهم على ظهورهم في النصف الأخير من الرحلة. كان جوليوس ومن معه ليفعلوا ذلك، لكنهم واجهوا وحوشاً عدة في طريقهم. لم يبح بذلك جهراً، لكنه شعر بنوع من الغيرة من كثرة الوحوش التي صادفوها.

في الليلة الفارطة، كان العثور على وحش واحد من الفئة الثالثة أمراً عسيراً. بيد أنهم عجزوا هذه المرة عن قطع ميل واحد دون الاصطدام بوحش. حتى إنهم حوصروا من قبل قطيع كبير من الذئاب وعدة وحوش من الفئة الرابعة في طريقهم. أفلح جوليوس في اختبار مهارته على بضع منها، لكن فريق المغامرين تصدر المقدمة، ويحسب لهم أنهم أدوا عملهم ببراعة مذهلة. تعاملوا مع الوحوش كافة بيسر محترف.

لم يُصب شخص واحد بأذى، ولم يتعرض القرويون لأي خطر قط. امتلك كل عضو في الفريق دوراً تخصص فيه، وعملوا بكفاءة عالية. بل آمن جوليوس بقدرتهم على زجّه في قتال محتدم لو تعاونوا معاً بالشكل السليم. غير أنه وأد فضول، إذ لم يعتقد أن طرح مقترح كهذا يعد فكرة صديددة في ظل ظروفهم الراهنة. آثر المتابعة والتأكد من سلامة القرويين. كانت تلك أولوياته القصوى في الوقت الراهن. أطلق زفرة متعبة حين لوح أفق كاستيلا أمامهم.

استغرقت الرحلة وقتاً أطول مما اشتهى، لكنهم بلغوا كاستيلا مع حلول المساء، حيث استقبلتهم غافدا وإيدا. تجاهل جوليوس نظراتهما الموجهة إليه، غير أنهما لاحظتا بضع عشرات من القرويين فأرجأتا أسئلتهما لوقت لاحق، مدركتين وجود مهام أكثر أهمية بانتظارهم. صدحتا بتوجيهات للعمال الآخرين بالجوار وسرعان ما نظمتا إقامة مؤقتة للقرويين. مع ذلك، وما إن استقر القرويون جميعاً، حتى استشعر إقتراب إيدا منه.

قالت إيدا فوراً بتجهم قلق: "أين كنت؟"

رد بعفوية وهو يمضغ بعض الطعام الذي عثر عليه في كشك طعام محلي: "شعرت ببعض التململ، فجلت في المنطقة قليلاً".

وبخته برفق: "كان هذا خطراً بغيضاً. عليك إعلامنا المرة القادمة. ظننا أن سوءاً أصابك".

أومأ لها ومضى في قضم طعامه. بدا وكأنها تود قول شيء له، لكنها آثرت الصمت في النهاية. عوضاً عن ذلك، جلست إلى جواره وأطلقت زفرة متعبة خاصة بها. استرختا ملامح وجهها الصارمة، ولم يدرك جوليوس إلا الآن مدى إرهاق تلك المرأة. فمما رآه منها حتى الآن، كانت تركض هنا وهناك، منكبة على محاولة إنقاذ قريتها. شعر جوليوس بغصة خفيفة لمعاملته هذه الأزمة برمتها بهذا القدر من اللا مبالاة.

ها هم أولئك القوم يحاربون من أجل حياتهم، وهو هناك يتصرف كأن الأمر مجرد فرصة لطيفة لرفع مستواه. ازدري نفسه في قرارة نواته، معنفاً إياها على قسوتها. كان عليه أن يكون أفضل حالاً من ذلك.

رمق القرويين الذين توسطوا تلقي الطعام والإمدادات الأخرى، وسأل إيدا: "أتعرفينهم؟"

عبست بصجامة: "أجل، تعاملنا مع قريتهم بين الحين والآخر. إنهم قوم منعزلون بعض الشيء، لكننا كنا نتبادل التجارة معهم مراراً. يبرعون في العثور على أعشاب قيمة وسط الجبال. ما حل بهم فاجعة حقاً".

أومأ بوقار، ولم يستطع كبح ألم يعتصر قلبه حين لمس طفلاً صغيراً في الزاوية بملامح بلهاء والدموع تنحدر على وجنتيه.

سألته إيدا: "أخبرني ياكوب أنك وضعت نوعاً من مهارات التتبع على أحد قطاع الطرق. أهذا صحيح؟"

"أجل، فعلت".

"أما زالت مفعلة؟"

أومأ: "أجل، أعرف أين ذهب"، هكذا أخبرها جوليوس.

ظل يقتفي أثر العلامة التي وضعها على ذلك الفرد من الفئة الرابعة. تعذر تحديد المكان الذي اختبأ فيه بدقة تامة، لكن جوليوس سيقدر على اقتفاء أثره بسهولة متى استدعى الأمر. كما لم يشعر بأن الرجل أو أي شخص آخر قد عبث به حتى الآن.

بدت وكأنها حقنت بقدر يوم كامل من النوم وابتسمت له: "علينا إبلاغ الزعيم. عجزنا عن إيجاد قاعدتهم لشهور. ففي كل مرة يهاجمون فيها، يختفون داخل الجبال".

نهضت، حافزة إياه على فعل المثل: "تعال، لنسرع. بقليل من الحظ، قد نظفر بهؤلاء الأذناب أخيراً ونقضي عليهم"، هكذا نطقت بحماس، شاقة طريقها سريعاً صوب منزل الزعيم.

لم يتسَنَّ لجوليوس الرد ولم يكن أمامه خيار سوى اللحاق بها. مع ذلك، غمره الفضول لمعرفة ما سيقوله الزعيم أيضاً.