غابت الشمس بسرعة خلف ظهره. لم يأْت الضوء المرئي إلا من صفحة السماء الليلية، وكان المنظر مهيباً يستحق التأمّل. بدا القمر هائلاً بلون أزرق زائل يغمر السماء كلها. وما زاد المشهد روعةً ذلك القوس المتقزّح الممتدّ عبر الآفاق. كان خافتاً، غير أنّ المنظر كان سحرياً بحقّ. استمتع بالمشهد بصمت ريثما يمضي قُدُماً نحو وجهته. لم يكن ينتظر الكثير؛ فقد اقتصرت خطّته على استطلاع المنطقة ومعرفة إن كانت هناك أيّ حركة أو بشر جواره.
لم يتوقّع أن يعثر على شيء حقاً. بيد أنه بعد ساعتين، تلقّى تنبيهاً من مهارة الإدراك لديه. شعر بوجود مجموعة بشرية تعسكر تحته مباشرة، بين الأشجار المغطاة بالثلوج. لم يلمس أثراً لنار أو ضوء، وهو أمر غريب. لكنّه استيقن وجودهم. حدّثته مهارته بهذا بكلّ ثقة. كان قد لفّ نفسه بعباءة سوداء لتصعب رؤيته في عتمة الليل، وعدّل جناحيه كي لا يبرقا في السماء الليلية أكثر من اللزوم. ومع ذلك، حرص على توخّي الحذر فأنزل نفسه، مستعيناً بالأشجار ساتراً لتقدّمه كي يتفقد الأمر عن قُرب.
كان هالة مختفية تماماً. تأكّد من ذلك بنفسه. وما إن اقترب حتى اتضحت له الصورة. كان هناك أكثر من عشرين شخصاً مبعثرين في أرجاء المعسكر. أدرك جوليوس سريعاً سبب عجزه عن رؤية أيّ ضوء أو أمارات تدلّ على وجود بشر من الأعلى. امتلك هؤلاء القوم غرضاً ما أو فرداً يستعمل مهارة لإخفائهم. رجّح أن يكون الأمر نوعاً من التعاويذ أو المهارات القائمة على الوهم. توفّرت وظائف أخرى أيضاً، لكنّه لم يكن خبيراً، واقتصر اعتماده على حواسه السحرية لفحص الحاجز.
غابت عنه مهارة تحليل مخصّصة تعينه في ذلك. بالطبع، تمكّن من استنباط بعض الأمور. لسبب واحد، انطوى الحاجز يقيناً على عنصريّة العزل. عجز عن سماع أيّ صوت للأسفل، رغم رؤيته للكثيرين منهم يتحدثون بصخب ويحتسون الخمر. وثانياً، حمل الحاجز على الأرجح شكلاً من أشكال الحماية ضد الأخطار الخارجيّة. بدا ذلك منطقياً تماماً بالنظر إلى البيئة المحيطة. لم يأتِ بشيء فوريّ. بل استغرق وقتاً في تفقد ما يفعله هؤلاء القوم.
جهل هويّتهم تماماً، لكنّه استغرب رؤية جماعة بهذا الحجم في قلب البراري وسط تلك الظروف. لم يبدُ عليهم أنّهم مغامرون أو فريق من أيّ نوع. بدا عتادهم وزيهم غير منظّمين البتّة. لا، بدأ ينتابه شعور بأنه عثر أخيراً على الأشخاص الذين يبحثعنهم. علاوة على ذلك، عُرفت جماعة قطاع الطرق تلك بعشيرة الدبّ المتجمد، ولمح شارات صغيرة تحمل صورة دبّ متجلّد. إن لم يكن ذلك دليلاً، فلا دليل غيره.
وفي غمرة إدراكه هذا، التقطت حواسه شيئاً آخر. كاد يخطئه لشدّة خفائه، غير أنّ خيمة أكبر من سواها توسطت المعسكر. ومع ذلك، فإن ما توارى داخل تلك الخيمة هو ما أثار دهشته. لم تكن زعيمهم أو ما شابه. كلا. ما استبانه تمثل في حاجز أصغر حجماً مصنوع من المانا. بدا معتماً بالكامل، ولولا مهارته لما استطاع الرؤية من خلاله. غير أنه عند التدقيق، صكّ على أنامله وضدّ قبضتيه بغضب. وُجد أناس بالداخل.
رجال ونساء وأطفال محشورون جميعاً داخل هذا الحاجز كالسردين. وفوق ذلك، عانوا إصابات بليغة. تدلت من أجسادهم قطع لحم ممزقة. الأطفال هم من أثاروا حفيظته حقاً. بعضهم صغار، صغار للغاية. لم تبدُ إحدى الفتيات أكبر من عشرة أعوام، ومع ذلك حملت جرحاً غائراً هائلاً يمتدّ على ظهرها بأسره، من عظم الكتف حتى الورك. رمق هؤلاء اللصوص بنظرة واحدة وهم يضحكون ويحتفلون كأنهم في وليمة، ثم التفت مجدداً إلى هؤلاء الأسرى.
حُسم أمره قبل أن يستوعب الموقف تماماً. بلا أدنى تردّد، هوى من السماء، طابّاً جناحيه إلى أشرطة سميكة على معصمه. قُبيل اصطدام جسده بالحجزة، استعمل [خطوة الفراغ] للانتقال الآني عبرها. أياً كانت وسائل الحماية الدفاعية التي استخدمها الحاجز، فقد عجزت عن ردّه. لم يلحظه أحد قط حين ظهر في قلب المعسكر. استغرق الجميع في لهوهم، ولم يدور بخلدهم أن شيئاً غير مألوف قد حدث حين رأوا شخصاً يرتدي رداءً يتجول بينهم.
دفاعاً عنهم، لم يكن الوحيد الذي يغطي وجهه؛ إذ ارتدى عدة أشخاص آخرين عباءات سوداء أيضاً. توجّه صوب الخيمة الكائنة في المنتصف حيث احْتُجِسَ الأسرى. لكنّ في أثناء مسيره، تنصت على أحاديث بعضهم.
صاح أحد الرجال ضخام الجثة وبيده كأس مخاطباً رفيقه وفي عينيه بريق طمع، مقترباً من وجهه: "هيا، لا تقل لي إنك لستَ مُغوَىً أيضاً يا رجل".
دفعه الرفيق بعيداً، وقال هامساً: "أنا كذلك، لكنك تعرف ما سيحدث إن علم الزعيم. سنعدّ محظوظين إن اكتفى بقطع رؤوسنا".
اختلف كثيراً عن الرجل ضخم الجثة؛ فقد ساواه طولاً لكنه بدا أنحل بكثير، فضلًا عن كونِه أوسم مع شعر أصفر طويل ينسدل على ظهره.
استخف الرجل الضخم وقال: "لن يعلم أبداً ما دام الجميع يمسكون ألسنتهم".
حدّق الأشقر في رفيقه بنظرة مترددة، وسأل: "وإن قرر أحد الأسرى الثرثرة؟".
هزّ الرجل الضخم كتفيه قائلاً: "لا أدري. يمكننا دائماً قطع ألسنتهم بعد أن ننتهي من لهونا. لن يستطيعوا الوشاية بنا إن عجزوا عن الكلام، أليس كذلك؟".
لم يردّ الأشقر، لكن بدا ذلك كافياً للرجل الضخم إذ أومأ باسترخاء، قبل أن ينهض ويتمشى صوب مركز المعسكر. تجمد جوليوس مكانه ورمق بنظراته مباشرة الرجال المتجهين نحو خيمة الأسرى. رصدوه فوراً. في البداية، أطلقا قهقهة ولوّحا له، لكنّ ابتسامتيهما تحولتا إلى عبوس.
قال ذو الشعر الأصفر بنظرة حذرة: "انتظر. من أنت؟ لا أعتقد أنني رأيتك من قبل".
لم يجب جوليوس، بل رفع رأسه ببطء ليحدق مباشرة في الرجلين. فكّر في الكذب واختلاق عذر لتفادي المتاعب. لكنّه عدل عن ذلك. لم تكن هذه هي الطريقة التي ينبغي أن تسير بها ليلته، غير أنه أيقن أنه لن يغادر هذا المكان دون أولئك الأسرى المختطفين. ودرى أيضاً أن هؤلاء القوم لن يدعوه يغادر بصحبتهم هكذا بسطحية. لم يبقَ سوى خيار واحد حقاً. لم يكن الرجلان أحمقين بالكامل. أدركا أن خطباً ما قد وقع وبدءا بتوجيه بعض المانا عبر أجسامهما.
سمح لهما جوليوس بذلك لكونه لا يزال يخفي هالته ولا يرغب في كشفها لمجرد تعطيل مهارتهما. ومع ذلك، وقبل أن يسلّح الرجلان سيوفهما الجانبية، غطاهما بطاقة حركية. تطلب الأمر جهداً ضئيلاً للغاية، فسحق إرادتهما حتى أصبحت هباءً منثوراً، دافعاً مقاومتهما للذبول. حاولا الصراخ لجذب انتباه جماعتهم المحيطة، لكن جوليوس لم يمنحهما الفرصة. أطبق فكيهما بطاقة حركية بقوة جعلته يسمع طقطقة فكيهما.
ثم تقدّم نحوهما بعينين هادئتين جادتين. كان قد بدأ للتو بتشكيل تموج فضائي صغير في يده الأخرى. أثمر تمارينه طوال هذين الأسبوعين الماضيين بوضوح، ورغم إخفاقه في نيل المهارة المنشودة، إلا أن قدرته على التحكم بهذه الطاقة تحسنت جذرياً. صنع تشوهاً فضائياً وضغطه داخل كرة دقيقة قبل أن يحوم بها ببطء نحو الرجلين. بدا الأمر شاقاً بعض الشيء، لكنه نجح في الحفاظ على استقرارها أثناء حركة التشوه.
تعلّم أن هذه التشوّهات تأبى الحركة. كأنما رُبطت بالمكان الذي خلقه لها، فكان تحريكها يرفع باهظاً من احتمالية انهيارها. وبفضل جهوده، غدا قادرًا على تحريكها الآن. وكمنت الحيلة في إبقائها بحالة تدفق مستمرة. اعتاد تأسيس التشوّه الفضائي في موضعه، غير أنه صار يمسكه مجتمعاً بإرادته وحدها. أأكثر تحدياً؟ نعم. أأكثر مرونة؟ بالتأكيد. بالكاد استوعب الرجلان ما يدور حولهما. غالباً عجزا عن رؤية التشوه كما فعل جوليوس.
فقد بدا مخفياً تماماً، وتطلب رصده مهارة حس فضائي أو حواس مانا فائقة. افتقر الطرفان لكليهما بالطبع، إذ لم تظهر عليهما أدنى أمارة هلع حين اقتربت كرة الفضاء الفوضوي الصغيرة حتى باتت على بعد بوصات من أنوفهما. تردّد للحظة. بيد أنه استعاد سريعاً تلك المشاعر المقيتة التي أحسّ بانبعاثها من هالتهما أثناء توجههما صوب الأسرى، فتبدد ذلك التردد. لم يكونوا أناساً صالحين، أبداً.
تحكّم بالتشوّه الفضائي وجعله يعبر خلال رأسيهما مباشرة. قوبل بمقاومة أولية، وما إن اخترقها حتى نفذت قطرة السحر الفضائي عبر جمجمتيهما كسكين حادّة تخترق الزبد. ماتا قبل أن يتمكنا من الشروع في التساؤل عمّا يجري. لم يكلف جوليوس نفسه حتى عناء الالتفات إلى جثتييهما الهامدتين، وتابع مسيره نحو الخيمة التي احتُجِزَ فيها الأسرى. وفي أثناء مشيه، أحكم سيطرته على كرة الفضاء الصغيرة التي استخدمها لتوّه في قتل رجلين.
بدت كرة الفضاء الفوضوي طاهرة نظيفة. بلا أثر لدنس الدم عليها. ثم، مع أنين خفيف من الجهد، حول شكل الكرة ببطء إلى قطعة طويلة ورقيقة. وقبل أن يتسلل الششك إلى نفسه، ثبّت التشوه الفضائي ببطء على حافة يده. بدا الأمر بالغ الصعوبة والتعقيد، أصعب بكثير من التلاعب بالمانا. شعر بتحكمه يكاد يتفكك مرات عدة، لكنه ألزم نفسه بإبقائه متماسكاً. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها هذا، بل أبعد من ذلك.
ففي جلسات تدريبه في وقت متأخر من الليل، خاض محاولات لتطبيق هذه التقنية ذاتها. ورغم ذلك، لم تسِر الأمور معه بشكل جيد. فقد فقد من الأيدي والأذرع أكثر مما يحصي لتوالي إخفاقاته. ومع ذلك، راوده شعور بأن هذه الليلة تختلف، فابتسم لنفسه برفق حين أنجز الأمر أخيراً. تأمل التطبيق الجديد الذي ابتتكره بابتسامة متعبة. كانت النتيجة النهائية مبهرة بمعاينتها عبر مهارة الإدراك. تمثلت في نصل من سحر الفضاء الخالص متصل من أقصى خنصره وصولاً إلى معصمه.
تماوج بأناقة بينما حاولت القوة التي تحكم بها الإفلات من قبضته. وما زاد الأمر جمالاً أن جهوده لم تذهب سدًى. رُصد توافق. هل ترغب في دمج [شرخ فضائي] و[حجز القطع] في مهارة واحدة؟ ملاحظة: سيؤدي هذا إلى إزالة المهارات الحالية. تجاهل الإشعار الوارد في الوقت الحالي. إن كان صادقاً مع نفسه، فقد أراد معرفة ما إذا كان بمقدوره فعل المزيد للتأثير في اتجاه المهارة. شعر حقاً بوجود إضافات أخرى يستطيع إلحاقها بالمهارة قُبيل اتخاذ قراره النهائي.
وكان في الموضع المثالي لاختبار ذلك.