درب التسامي الفصل 419 — مريضه الاول

اقرأ درب التسامي الفصل 419 — مريضه الاول باللغة العربية على مانجا تايم.

توجه بعد حصته الصباحية نحو فريا وهناك استقبله مفاجأة. قالت له حين دخل: — حسناً أعتقد أنك جاهز لبدء مداواة الناس. ابتسم باتساع: — أخيراً إذن أنت لا تراني خطراً على المرضى؟ أجهضت حماسته في الحال: — ولا حتى فرصة واحدة ومع ذلك تمتلك تحكماً يكفي لتصبح إضاعة الوقت خسارة لنا إن انتهى بك الأمر بإفساد أحدهم فسيساعدك جالتن أو أنا. قال بصوت جامد: — شكرا لثقتك.

— لا بأس حاول فقط ألا تقتل أحداً وتحوله إلى مسخ ألا تروق لك الفكرة؟

لم يكلف نفسه عناء الرد بل تظاهر بأنه لم يسمع واتجه ليختار إحدى أداة التدريب التي دربته عليها الأيام الأخيرة. كانت الأداة قطعة مذهلة فهي عصا بسيطة بحجم ذراعه وعلى الرغم من مظهرها الأملس حفرت في قاعدتها شبكة معقدة جداً من التعاويذ. كانت تتفاعل مع طاقة الحياة الخاصة به وحدها والهدف تفكيك العصا في حركة متصلة واحدة وبينما بدت العصا كقطعة معدنية صلبة واحدة كانت تتألف في الواقع من عشر أسطوانات أصغر متصلة لتشكل العصا.

لم تكن هناك شقوق على السطح توحي بهذا لكنها أرتته بنفسها كيف تفعل ذلك واستغرقت فريا أقل من ثانٍ لإنهاء اللغز وبالمقابل لم ينجح هو في إزالة أكثر من أسطوانتين في المحاولة نفسها. كانت الحيلة تكمن في معرفة كيفية تكييف طاقة حياته مع التغيرات المفاجئة والمعقدة وكانت الطبقة الأولى بسيطة بما يكفي فقد طلبت منه العصا ضخ كمية متوازنة تماماً من طاقة الحياة وتركها تسري عبر القنوات المناسبة وكثقب مفتاح ستنفتح متى امتلأت القنوات كلها.

وضعفت الطبقة الثانية لتصبح مضاعفة الصعوبة إذ أدخلت قوة مضادة لطاقة الحياة الخاصة به وكأن أحدهم يحاول باستثناء الوقت كله التشويش على طاقته بلا انقطاع وبدت مزعجة أكثر مما يتوقع وما زاد الأمر صعوبة هو عجزه عن استخدام أي جزء من قوة إرادته لمقاومتها وبما أنها أداة مصممة خصيصاً لم توجد قوة إرادة معارضة تقاومها بل كانت مجرد تصميم اللغز نفسه وتطلبت تحكماً بالطاقة لصده.

قالت فريا باهتمام وهي تقف بقربه وتتفحص محاولته الجارية بعينين حذرتين: — لا تبدو متحمسساً للغاية. هز كتفيه: — كنت أعلم أن هذا سيحدث عاجلاً أم آجلاً وآمل حقاً ألا أؤذي أحداً. وكان صادقاً أيضاً إذ لم يكن لديه مانع من إيذاء نفسه في سبيل التحسن لكن فكرة إيذاء الآخرين خلال ذلك السعي لم تستقر في نفسه بصورة مريحة فكان لنفسه معايير وقواعد. لابد أن فريا استشعر اضطرابه وربتت على ظهره مطمئنة: — لا تقلق سيتولى جالتن التأكد من عدم حدوث شيء وإن حدث فسيithalه إما هو أو أنا.

أفسد طبقة اللغز الثانية حين لمسته وحول اهتمامه نحوها: — أنا مقدر لهذا رغم صدمتي البسيطة لتحملك المسؤولية فقد تكون انطباعاتي أنك شخص مهمل للغاية — قال الجملة الأخيرة بصوت خافت جداً تحت أنفاسه لكن ذلك لم يمنعها من سماعها. لطمته صفيحة جليد فجأة على مؤخرة رأسه وحين أدركت ميله لتحمل الألم وقدرته على الشفاء لم تتردد في توبيخه بطرق أكثر جسدية: — إن كان هذا شعورك الحقيقي فلا مانع لدي من إبقائك مربوطاً ببضع أسابيع أخر.

ضحك ودلك رأسه المؤلم: — آسف آسف.

— جيد والآن إن فرغت من العبث فاحرص على جعل طاقتك سائلة لا هشّة سينهار اللغز إن لم يوجد هيكل كافٍ وأنت قلق للغاية بشأن اتباع القنوات حتى إن طاقتك ليست كثيفة بالقدر الكافي — هكذا وجهته.

أشار: — لكن إن كثفتها فستصبح أصلب من أن تتحرك. حدقت به خاوية: — استخدم مزيداً من القوة إذن. كاد يقول شيئاً وقبل أن يفعله أدرك أن لديها وجهاً للصواب فلم تكن المقاومة التي تلقاها بالشدة التي تعجزه عن ثني حبال الطاقة التي يتحكم بها وبدت الطاقة المكثفة كحشية مطاطية بالغة المتانة وبالمقارنة اعتاد واحدة عادية. احتاج إلى استخدام قدر أكبر قليلاً من القوة ليشكلها حسب رغبته.

ومن المثير للاهتمام أن الأمر نجح فوراً فقد كثف حَبْلَ طاقة جديداً ليعبر القنوات متأكداً من كثافته المناسبة وهذه المرة وبدل تنعيم الأجزاء التي تطلب ثنيها فرض إرادته الخاصة لتصنع ما يريده. كان الأمر شديد الصعوبة لعدم اعتياده الضغط المستجد وكانت تقاومه طوال الوقت ومع ذلك ظهر فرق فوري فلم يعد شعور انقطاع الاتصال موجوداً والمشكلة الوحيدة تمثلت في شعوره بتراكم طاقة خطير.

وعرف فوراً أنه إن فقد السيطرة فستكون انفجارية وحسن الحظ وجد حلاً بسيطاً لتجنب تلك المشكلة فاحتاج فقط إلى البقاء مسيطراً. وهكذا فعل وبطحن محكم لأسنانه تشبث وهو يشق طريقه عبر القنوات محافظاً على سيطرة حازمة على الطاقة المكثفة وضغط كل انحناء وإضافة جديدة على تركيزه لكنه اعتمد على مهاراته ومفهوم الإرادة ليعيناه. وقبل أن يدري تجاوز الطبقة الثالثة وصار يعمل على الرابعة وهنا صادف بعض المشكلات فقد كانت اضطرابات الأداة أقوى من أي وقت مضى ما أجبره على الحفاظ على تركيز تام.

ورغم ذلك تمثلت المشكلة الأكبر في تغير هيكل القنوات فجأة خلال محاولته ولم تتغير أبدا من قبل وأربكته هذه الميزة الجديدة وانزلق تحكمه لحظة وشعر بحبل الطاقة المنشأ بعناية ينهار. بذل قصارى جهده لإبقائه متماسكاً وألا يخرج عن السيطرة لكن طاقته كانت محدودة لتقليل الضرر وأصدر أنيناً بينما انفجرت بقية الطاقة. وحسن الحظ كانت طاقة حياة لذا لم يكن الانفجار سيئاً للغاية ورغم هذا شعر بروحه تهتز من الارتداد ولم تكن مريحة لكنه عانى أسوأ منها بكثير لذا لم يدع الأمر يزعجه كثيراً.

بل أخذ نفساً عميقاً وما إن استعد بدأ محاولته التالية.

* * *

— أي نصيحة؟

— سأل جالتن.

قال الرجل الأكبر بنظرة محددة: — لا تخف من البطء وتأكد ألا تتكاسل ولا تقتل أحداً.

— أهذا جاد؟

— مجرد تذكير.

هز رأسه غير مصدق لكنه توجه نحو الرجل الراقد على الطاولة أمامه وكان مريضه الأول مغامراً من الدرجة الثالثة أصيب بجرح بليغ في ساقه والتجث والتقط عدوى ولم تنفعه جرعات الشفاء في هذه النقطة. بدا جلياً أن الرجل يتألم وعض على فكيه باستمرار مع أدنى حركة وقد قُطعت سراويله مسبقاً وبدا جرحه نظيفاً نسبياً باستثناء أجزاء العدوى. ومن المرجح أن فريا وجالتن اختاراه لأن إصابته بسيطة نسبياً وإن ساء شيء يمكنهما بتره ببساطة وبالحديث عن فريا كانت قريبة تحسباً لأي طارئ.

وجعله ذلك يشعر بتحسن وقبل أن يبدأ الشك بنفسه اقترب ونفذ الخطوات التي حشاها جالتن في عقله طوال هذين الأسبوعين. استخدم مهارة إدراكه أولاً لفحص المريض وتفحص هالته برفق ولم يقاوم الرجل وترك جوليوس يجس محيطه ولم يظهر شيء غير معتاد ولم توجد جراح سوى التي في ساقه. ثم تفحص الجرح بمزيد من الدقة وتبين له من خلال القطع أن ما جرحه امتلك أسناناً مشرشرة أو مخالب مسننة ومزقت اللحم وبدا غير نظيف كالذي يرى من نصل حاد وربما كان هذا سبب إصابته بالعدوى واحتمال كونها مهارة ما أو سماً لكن صعوبة الجزم بقيت قائمة.

وما إن حدد قياس الجرح بدأ العملية بحركات هادئة وثابتة فألف أولاً المنطقة المصابة بطاقة الحياة ومنعها من تلويث لحم آخر يفوق ما تلوث وبفضل حيلة أظهرتها له فريا سيهبط الألم الذي يشعر به الرجل خلال الدقائق القادمة بشدة. ومنح الجرح دفعة تجريبية بطاقته ليرى إن كان الرجل لا يزال يشعر بألم شديد وحين لم يئن الرجل ولم يلمس جوليوس ارتعاشاً في هالته بدأ يحرق أجزاء اللحم المصابة بطاقة النار.

كان ممكناً شفاؤه بطاقة الحياة فحسب لكنه تعلم من جالتن وفريا أن استخدام كل الوسائل المتاحة عادة حسنة وسيساعده أيضاً في شفاء ضعف عدد الناس بالوفر في الطاقة. علاوة على ذلك ارتاح لاستخدام طاقة النار واستطاع التحكم بدرجة حرارة اللهب وشدته بدقة فائقة وعناية وضمن استهدافه الأجزاء المصابة وحدها تاركاً السليمة سليمة ولا حاجة لإهدار طاقة حياة في شفاء لحم سليم تماماً. ورغم جهوده الحثيثة أنين الرجل حين حول جوليوس اللحم المصاب إلى رماد وكانت رائحة قاسية بعض الشيء لكنه تحملها.

وخلال دقائق معدودة أيقن جوليوس من إزالته لكل اللحم المصاب مستخدماً بعض هالته لتدمير البقايا الصغيرة تحت السطح برفق واعتبرها ككحول إيزوبروبيل وعملت بشكل مذهل وهو شيء حثته فريا على استغلاله. كان بوسعه إزالة اللحم المصاب بهذه الطريقة أيضاً لكنه لم يرغب في كشف الكثير من هالته للرجل الغريب ففي النهاية تمتعت هالته بطابع فريد جداً. منح الجرح تفحصاً أخيراً قبل بدء العملية التي أقلقته بشدّة وبدأ برفق تحريك طاقة الحياة في الجرح ووصفته فريا كمن يبني قلعة ثلج من ثلج هشّ حقاً باستثناء عجزه عن ضغطه لقطع ثلج صلبة واضطراره لاستخدام قوة إرادة صرفة للحفاظ على الهيكل متماسكاً.

أبقى هذه الرؤية في ذهنه وهو يعمل وتأكد من عدم سيطرة مهارة الشفاء على العملية فقد تعلم بالطريقة الصعبة شدة قوة المهارة لدرجة عدم الثقة في استخدامها على الآخرين بأي ثقة. ولذا استخدم تلاعباً يدوياً بحتاً لصنع شبكة معقدة من طاقة الحياة في الجرح وما إن بنى الهيكل حتى شرع في إرسال مزيد من الطاقة إلى الجرح. علمته فريا هذه الطريقة لصعوبة واجهها في الحفاظ على رفقها وبهذه الطريقة سيتولى الهيكل معظم القوة المفرطة إن حدث خطأ وأعطى أثراً جانبياً لطيفاً جعل الشفاء أبسط وأسرع حال استقرار الهيكل.

وزاد ببطء معدل جريان طاقة الحياة عبر الجرح وانبعث توهج أخضر ناعم من اللحم المجروح ورأى اللحم يلتئم من جديد وانبهر بهذه العملية. رماه يشفي أطرافاً وأعضاء مختلفة مرات عديدة لكن رؤية شخص آخر بدت مختلفة تماماً وهناك روعة في مداواة شخص آخر وشعر باقتراب إدمانه لهذا الشعور. وحافظ مع ذلك على تركيزه ولم يتوقف حتى رأى اللحم يلتئم كلياً ووقتها أخذ نفساً عميقاً مدركاً حبسه له طوال الوقت.

واختفى تعبير الألم عن وجه المريض تماماً ورفع بصره إلى جوليوس بامتنان لطيف قبل أن يستوي جالساً ويحني رأسه. فقال له: — شكراً جزيلاً أيها المعالج الموقر. أومأ جوليوس ببساطة ونظر إلى الجرح الذي ش للتو وكانت هذه المرة الأولى التي يشفي فيها أحداً متجاوزاً مجرد ضخ بسيط لطاقة الحياة وأدرك روعة الشعور. ورفع بصره إلى جالتن البادية على وجهه ابتسامة ساخرة خفيفة وعلم جوليوس بعدم إفصاحه بشيء علانية لكن تلميح فخر خفي استقر تحت السطح وكان هذا يكفي جوليوس.