سألت ليلي بقلق: "جوليوس، أتعرف من يكون هذا الرجل؟"
ربما استطاعت أن تتبين أن دورين ليس من الفئة الرابعة ولا حتى الخامسة. كان الرجل ينضح بمثل هذا الحضور.
قال ببساطة: "أعرفه".
تركها تتواصل مع قدرتها التعاطفية لتشعر بمشاعره الحالية. عندها فقط هدأت. تجاهل البقية في الوقت الحالي.
سأل دورين وهو يقطب حاجبيه: "أكنت تعلم أن الناس يستهدفون أصدقائي؟"
أجاب دورين بلا مبالاة وهو يلتفت ليطالع البيئة الفوضوية حولهما: "ظننت أن ذلك محتمل".
قال جوليوس وهو يبذل قصارى جهده لكيلا تبدو نبرته عاتبة، رغم إيمانه بأنه فشل، إذ لمح ومضة من الضجر حين التفت إليه دورين: "لكنك لم تفعل شيئاً".
قال الرجل بمستوى من الثقة أدهش جوليوس: "وثقت في قدرتك على تولي الأمر".
احتج جوليوس محتدّاً: "كنت أود لو تفاديت تلك المخاطرة من الأساس".
تنهد دورين بصوت مرتفع، وتسربت قليل من اللزوجة إلى صوته للمرة الأولى: "ليس من مسؤوليتي إنقاذك أنت أو أصدقائك. كنت أظنك ستفهم هذا، من بين كل الناس".
كأن جوليوس يهم بالرد، لكنه حبس لسانه. كان دورين محقاً تماماً. ما كان ينبغي لجوليوس أن يتوقع من دورين إنقاذ أصدقائه. وليس الرجل مطالباً بذلك أيضاً. فمجرد امتلاكه القوة الكافية لا يعني أنه ملزم بفعل ذلك. كان خطأ جوليوس هو افتراضه ذلك. كان حرياً به أن يكون أدرى.
أومأ جوليوس برأسه: "أنا آسف، أنت محق. إنقاذهم ليس مسؤوليتك. كنت مجرد..."
قال دورين وهو يومئ بفهم: "شاب عاطفي. أنا أدرى، ولست غاضباً".
منحه جوليوس ابتسامة امتنان: "شكراً".
كان عليه أن يتوقف هنا، لكنه لم يستطع منع نفسه من المحاولة.
"أترى أن بإمكانك إعادتهم إلى بيرالت سالمين من أجلي؟"
أعاد دورين بتمائل في رأسه: "من أجلك؟"
"نعم".
"ومقابل ماذا؟ مجاناً؟"
سأل دورين مازحاً بنصف جد.
قال جوليوس وهو يومئ برفق وينظر إلى دورين بجدية: "بالطبع لا. أيّ مقابل تراه تبادلاً عادلاً".
رأى دورين الجدية فهز رأسه مسسلياً: "حسناً، يبدو هذا جيداً لي".
قال ذلك بلا تردد ودون أي مساومة. كان جوليوس يتوقع أن يرفض الرجل الطلب قطعاً، نظراً لما أخبره به عن حياده. بدلاً من ذلك، وافق دون أن ينطق بكلمة أخرى. أصيب جوليوس بذهول طفيف وراقب دورين وهو يسير نحو أصدقائه.
التفت دورين ليسأل جوليوس: "أتريد مني مساعدة هذه المجموعة الأخرى أيضاً؟"
قال جوليوس وهو يكشر: "إن لم يكن لديك مانع".
قال دورين: "أبداً، سيكلفك ذلك أكثر فحسب".
ضحك جوليوس لكنه توقف سريعاً حين أدرك أن دورين لا يمزح. ألقى نظرة على الفريق الذي قاتل معهم ثم أومأ أخيراً.
قال جوليوس: "اتفقنا".
سيهتم بالتكلفة لاحقاً. يفضل الآن أن يذهب أصدقاؤه إلى مكان آمن، وخصوصاً أن احداً كان يحاول بوضوح قتل ديريك. ليته استطاع معرفة من يقف وراء ذلك. رغم أن هذا لن يحل مشكلاتهم، إلا أنه سيزيل غموضاً واحداً. لا يزال يأمل في أن يكون التحالف هو من يحاول قتل ديريك. رغم أن هذا ليس بالأمر الجيد، إلا أنه سيجعل الأمور أبسط.
قالت أوبرا باحباط: "انتظر لحظة. ما الذي يجري هنا، وكيف تعرف هذا الرجل؟"
وضعت ليلي ذراعاً مهدئة على أوبرا، مرسلة رسائل صامتة على الأرجح. لم تكن الوحيدة التي لديها ما تقوله مع ذلك.
صرح ديريك: "أنا أوافق أوبرا. أُريد أن أعرف ما يجري".
أوضح: "سأشرح لاحقاً، دع دورين يعيدكم إلى بيرالت في الوقت الحالي".
كأن ديريك يجادل، لكن جوليوس لوح بيده ليقطعه.
قال جوليوس بحزم: "أعدكم بالشرح لاحقاً، لكنني لا أظن أن الوقت في صالحنا بعد الهجوم الأخير. أُفضل أن تكونوا آمنين أولاً".
بدا أن هذا قد أضفى طمأنينة على ديريك، أو أنه فهم موقفهم على الأقل فاختار ألا يجادل.
سأل رفيق إيريس فجأة: "كيف من المفترض أن يفعل ذلك؟ ظننت أن الانتقال المكاني مستحيل في الغابة اللانهائية".
على قدر رغبة جوليوس في إخبرها بأن الوقت ليس مناسباً للأسئلة، إلا أنه اضطر للاعتراف بفضوله حيال ذلك أيضاً. لقد افترض فحسب، بما أن الرجل قوي للغاية واستطاع السفر إلى الصدع، أنه سيكون قادراً على تجاوز هذه القيود. ومع ذلك، كان محتملاً أن دورين لا يستطيع الانتقال الآني في الغابة اللانهائية وسينقلهم بعيداً مستخدماً وسيلة نقل أخرى.
أجاب دورين مخاوفهم: "حاجز الغابة لن يمنعني من نقلكم جميعاً".
سألت بلا خوف، وسط توتر فريقها الشديد: "وكيف ستفعل ذلك؟"
حاولت إيريس بيأس أن تشرح وهي وفريقها يسحبون الفتاة الأخرى ويبعدونها: "أنا آسفة، آيا شخصية فضولية بطبيعتها"، لكن دورين لوح بيده.
قال مبتسماً لجوليوس: "لا بأس تماماً. لا أمانع. الفضول مفيد للروح".
لربما بادله جوليوس الابتسامة لولا النقطة المفاجئة من مهارة إدراكه، والتي أنبأته بأن أحدهم أو شيئاً ما يقترب بسرعة فائقة. ومع ذلك، مهما كان ذلك الشيء، فقد تبخر في سحابة من الغبار عندما نقر دورين بأصابعه. بدا الأمر كأنه صخرة ضخمة، لكنها صخرة تطير في الهواء أسرع بكثير مما ينبغي لأي شيء بهذا الحجم أن يبلغه. التفت إليه وكأن شيئاً لم يكن.
"سأعود حالاً. لا تحاول الهرب من اتفاقنا، حسناً؟"
ارتسمت على وجه دورين ابتسامة غريبة لسبب ما. مع ذلك، لم يحظَ جوليوس بفرصة التفكير في الأمر مطولاً، لأن الرجل نقل الفريقين آنياً قبل أن يتمكن أحد من الاعتراض. بقي جوليوس واقفاً في منتصف الغابة، ولم يلبث طويلاً حتى استشعر مجموعة أخرى من البشر تتدفق نحو موقعه. افترض أن هذه هي المجموعة التي هاجمتهم، وكان رؤية هدفهم يختفي أمراً مثعراً للقلق. ما كان مفترضاً بالبشر القدرة على الإفلات من الغابة اللانهائية.
فهناك قيود مكانية أكثر من اللازم. لعل هذا هو سبب اختيارهم مهاجمة ديريك. فقد عرفوا أن النبيل لن يقدر على استخدام أي أدوات هروب مكاني إن وجدت بحوزته. تنهد مستعداً لوصولهم. كان لا يزال يؤدي بشكل جيد للغاية من حيث المانا، وقد طوى أجنحته مجدداً لتصبح سواراً حول ذراعيه. لكن، مع اقترابهم، قرر إطلاق نفسه في الهواء ونشر أجنحته. جاء وصوله في الوقت المناسب تماماً لتفادي السيف الذي كان يلوح نحو رأسه.
انحرف في الهواء ليتجنب القذائف التي كانت تقترب بسرعة. لمح شخصين آخرين إلى جانب الاثنين اللذين هاجما مسبقاً. تجاهل هذين الوافدين الجدد في الوقت الحالي وانطلق كالسهم نحو الساحر الذي كان أول من هاجمهم. لم يبدو أن الساحر يمتلك قدرات طيران حقيقية، بخلاف جوليوس. كان الرجل يطفو فوق الأشجار، وحين لمح جوليوس مندفعاً نحوه، حاول المراوغة بينما كان يضع صفائح كبيرة من المانا أمام جوليوس لتعطيله.
لم يهم هذا شيئاً رغم ذلك. استخدم جوليوس [خطوة الفراغ] في اللحظة الأخيرة قبل اصطدامه بالصفائح. سمح له ذلك بالمرور عبرها بكل سهولة، وابتسم حين رأى الذعر على وجه الساحر. زاد من سرعته أكثر، وأدرك الساحر أنه ليس من الجيد البقاء في الهواء. هبطوا تبعا لذلك من موقعهم في السماء إلى أرض الغابة. انحرف جوليوس هبوطاً لملاقاتهم. وأثناء قيامه بذلك، ألقى بإدراكه للخلف ليرى ما إذا كان فريق الساحر يتبعه.
كانوا يفعلون، لكنهم، وبوضوح، لم يتوقعوا أن يتجاهلهم جوليوس ويلحق بالساحر. أومأ لنفسه، مما منحه وقتاً وافراً للتعامل مع هذا الخصم قبل وصولهم. حلقت وابل ضخم من مقذوفات المانا في الهواء مع اقترابه السريع من الساحر. لكن، بفضل استخدام أجنحته، استطاع تفادي معظمها. حطمت سواعده جانباً تلك التي عجز عن تفاديها. انفجرت عند التلامس، لكنه استغل الطاقة الحركية الناتجة عن الاصطدام لتعزيز سرعته.
رمى الساحر بيأس بكل ما يملكه على جوليوس. وعندما اقتراب بما يكفي، حاول الساحر استخدام سلطته لتعطيل طيرانه. ذهب كل ذلك سدى. دعم جوليوس قوة إرادته بمفاهيمه وشعاره، تاركاً تلك المحاولة جانباً. أصدر أنيماً بالكاد بينما واضح غوصه نحو الساحر. خلق درعاً حول نفسه قبيل الاصطدام بقليل وضحك وهو يحفر حفرة عند الساحر وفي أرض الغابة، محدثاً انفجاراً ضخماً. لا زال لدى الساحر بعض الحيل في جعبته فاستخدم مهارة في اللحظة الأخيرة.
شبه غشاء غريب غطى جسده بضباب أبيض. حماه ذلك بطريقة ما من الاصطدام، لكن جوليوس كان سيصاب بخيبة أمل لو كان هذا كافياً للإطاحة بالفئة الرابعة. امتص أكبر قدر ممكن من الطاقة الحركية من الهبوط واستخدمها ليندفع باتجاه الساحر الذي كان لا يزال يتعثر في الوقوف. شعر بالساحر يمد يده لاستخدام مهارة أخرى، وكانت هذه المرة مهارة يألفها إلى حد ما. كان جوليوس فضولياً بما يكفي لكيلا يحاول منع الساحر من استخدام انتقاله الآني قصير المدى.
تفقد بدلاً من ذلك كيف استطاع الشخص استخدامه في الغابة. حين استخدم [خطوة الفراغ]، لم يشعر بأدنى ذرة من المقاومة. وما كان ليعرف أبداً أن المهارات المكانية العادية مقيدة لو لم يخبره أحد. مع ذلك، استطاع رؤية ما يتحدث عنه الآخرون حين حلل مهارة الساحر المكانية الخاصة. حتى من منظور جوليوس، بدا الأمر كشخص مغطى من الرأس حتى القدمين بالعسل وهو يحاول عصر نفسه عبر أنبوب صغير.
تطلب الأمر جهداً كبيراً بالطبع، فمن الواضح أنه عندما انتقل الساحر آنياً، بدا وكأنه أرهق نفسه هائلاً. كان متعباً لدرجة أنه لم يدرك أن جوليوس كان موجوداً بالفعل في الموقع الذي استشعر فيه نقطة الخروج. كان لا يزال يسترد أنفاسه حين اصطدمت قبضة جوليوس بمؤخرة رأسه. رغم ذلك، عُرفت الفئة الرابعة بصلابتها لسبب ما. على الرغم من التسديدة النظيفة، لم يمت الساحر فوراً. سيعاني من صداع جهنمي، لكن لم تستطع قبضة جوليوس إحداث ثقب في جمجمته، كما كان يخطط.
مع ذلك، كانت المعركة قد انتهت بالفعل. استخدم جوليوس [خطوة الفراغ] ليظهر سريعاً أمام الساحر الذي تم تفجيره نحو شجرة. استشعر الهجوم القادم من رفيق الساحر وتنحى جانباً قبيل أن يصيبه. بالكاد لاحظ ذلك كونه كان يلوح بسيفه المصنوع حديثاً للتو نحو الساحر شبه الواعي. دون أي حواجز إضافية لحمايته، استطاع جوليوس قطع عنقه ب نظافة. سمع صرخة مفعمة بالأسى تصدر من رفاق الساحر. راقبهم بابتسامة خفيفة وهم يقتربون منه.
كان أمراً في غاية الروعة أن يقرروا المجيء إليه. لكان تعقبهم حول هذه الغابة أمراً مزعجاً.