كان الوحش من الفئة الرابعة لكنّه لم يشعر بالقلق. مقارنةً بسافاث بدا هذا المخلوق هزيلاً حقاً. وقف على أربع قوائم طويلة وفك ضخم قادر على ابتلاع أيّ منهم دفعة واحدة. قد يبدو مرعباً لكنّ هالته روت قصة أخرى. كان هذا الوحش من الفئة الرابعة الحديثة نسبياً. شعر بأنّ الآخرين مستعدّون للاشتباك معه لكنّه رفع ذراعه.
قال مؤكداً لهم وانطلق راكضاً نحو الوحش قبل أن يتمكّنوا من جداله: "لا تضيعوا طاقاتكم السحرية. استمرّوا في توفير أكبر قدر ممكن. لدي الكثير منها".
انطلقت دفعة من الطاقة من فكه الضخم لكنّ جوليوس كان قد استشعر شحنها مسبقاً فحرّفها نحو الأعلى لئلا تصيب الآخرين. بينما كان يندفع نحوه أرسل الإبرة التي كانت تحوم فوق كتفه شاقّة عباب الهواء بصرير حادّ. لاحظ الوحش الهجوم ورأى طبقة رقيقة من الطاقة تظهر لحماية فروه. مع ذلك لم تمنع الإبرة تماماً. اخترقت المهارة الدفاعية وولجت في جلده. صرخ الوحش من الألم ونظر نحو جوليوس بغضب عارم.
كان قد قطع المسافة بالفعل وأصبح أمام وجه الوحش. انقضّ الفك الضخم المفتوح نحوه بسرعة مذهلة لكنّه استعمل [خطوة الفراغ] البغيرة ليظهر بجانبه. نظراً لقصر المسافة كانت التكلفة منخفضة للغاية. جعلت مستوياته الإضافية مهارة الاستعمال أرخص أيضاً فلم يقلق كثيراً بشأن استخدام مهارة الحركة وخصوصاً عندما تمنحّه ثغرات كتلتي التي أمامه. بالغ الوحش في الاندفاع فعاقبه. قبضة محاطة بطاقة حركية وهالته اخترقت جسد الوحش.
جعله يتعثر إلى الوراء ولم يتركه يتعافى. واصل مهاجمته بلا هوادة. لم يكن لديه وقت للتراجع. اضطر الوحش إلى استخدام نوع من التقنيات لإبعاده بقوة ثم نهض سريعاً كاشفاً عن أنيابه الهائلة نحوه. كان الدم يقطر من زاوية فمه بسبب الهجوم التي عرّضه له جوليوس. أصبح فجأة أكثر حذراً بكثير من ذي قبل ولم يترك أي ثغرة ليهاجمه منها. لهذا السبب صنع ثغرت بنفسه. سيطر على الإبرة التي كانت لا تزال مغروزة في الوحش وفجّرها إلى شظايا عديدة من الطاقة الحادة.
كان هذا مؤلماً بوضوح وصرخ الوحش من الألم بينما كان يتلوى على الأرض. حرص على الاستفادة من ذلك واندفع إلى الأمام. سدّد عقبه بقوة على وجه الوحش قبل أن يتمكّن من حماية نفسه. حاول العض على قدمه لكن الألم الذي كان يعانيه كان أكبر من أن يتحمله وتجنّب جوليوس الأسنان الحادة بسهولة تامة. ثم ثبته على الأرض مستخدماً طاقته الحركية لمساعدته. حاول بيأس التقاطه بفكيه لكنّه لم يهتم.
استعمل يديه المغطيتين بطاقة منسوجة من الهالة لفتح الفكين عنوة. لم تكن قوته كافية لفتحه تماماً لذا استخدم طاقة حركية إضافية وطاقة سحرية لمساعدته. ما إن فتحه حتى دسّ كرة مكثفة من الطاقة في حلقه. أطبق فكه بقوة وراقب ببلادة كرة الطاقة وهي تنفجر في حلق الوحش. مزّق الانفجار رقبة الوحش من الفئة الرابعة ووجهه ممّا أدى إلى مقتله فوراً. تطاير الدّم والأشلاء في كل مكان. مسح الفوضى عن وجهه بذهول وصنع إبرة أخرى انطلقت نحو وحش كان على وشك مهاجمة أصدقائه بينما كان مشغولاً.
مات الوحش قبل أن يدرك ما أصابه. عاد جوليوس جادّاً نحو الآخرين الذين كانا يحدّقون به كأنّ له رأسين.
سأل مرتبكاً من ردّ فعلهم: "ماذا؟".
لم تكن هذه المرة الأولى التي يريانه فيها يقاتل. لقد تدربا معه في مناسبات عديدة.
قالت أوبرا وعيناها متسعتان: "اللعنة".
أشار قائلاً: "ماذا؟ لقد رأيتموني أقاتل من قبل. لماذا أنتم متفاجئتان؟".
قالت أوبرا بشفتين مزمومتين: "نعم لكنّ ذلك كان وحشاً من الفئة الرابع. لقد تعاملت معه كما يفعل المرء مع عفريت ضعيف".
قالت ليلي: "نعم كان ذلك وحشياً".
هزّ جوليوس رأسه. ما كان ينبغي لهما التركيز على ذلك الآن.
أخبرهما: "أعتقد أنّه يجب أن نحاول الابتعاد مسافة بيننا وبين هذه المجموعة. لدي شعور بأنّ هذه الوحوش لم تكن سوى البداية".
سألته ليلي: "إذن أنت لا تعتقد أن هذا عشوائي أيضاً أليس كذلك؟".
هزّ رأسه.
"لم أستشعر أحداً قد يكون وراء كل هذا لكن التوقيت غريب ولا أريد البقاء إذا ساءت الأمور مع بعض الوحوش الأقوى".
وكأنّه يثبت وجهة نظره دوّى انفجار صاخب من البرق الذهبي عبر الغابة. كان عضو النقابة من الفئة الخامسة ووحش الفئة الخامسة يقاتلان بشراسة ولمح عدة أشخاص وهم يقعون ضحية لبرق شارد. ومع ذلك كان هذا البرق الشارد وحده كافياً لجعلهم يصرخون من الألم ويتخبطون على الأرض مشلولين. لم يحتج الآخرون إلى الكثير من الإقناع بعد رؤية ذلك وأومأوا برؤوسهم وهم يشقّون طريقهم نحو حافة الغابة.
ومع ذلك وبينما كانوا في طريقهم لمح السفينة التي ركبوها نحو الصدع وهي تنفجار فجأة بالطاقة السحرية. التفت ناظراً بقلق من أن تكون وسيلة تنقّلهما قد انفجرت لكنّه أطلق تنهيدة ارتّياح عندما رأى أن الأمر لم يكن كذلك. تعلّقت التعاويذ التي استشعرها عندما كان يطير على متنها وقد تفعّلت وقُصفت ساحة المعركة بأكملها بمدافع الطاقة المنصوبة على السفينة. كانت المدافع دقيقة بشكل مذهل.
لم تؤذِ أي بشر وكانت تستهدف الوحوش فقط. ساعدت هذه المدافع في تقليل عدد الوحوش بشكل ملحوظ وخفّفت الضغط عن بعض الفرق التي كانت تكافح. وصلا إلى حافة ساحة المعركة ولمحا عدة فرق أخرى كانت لديهم أفكار مشابهة. حتى أنه رأى الفريق الذي تحدثوا معه قبل دخول الصدع إلى جانبهم.
صاحت الفتاة التي تدعى إريس عندما رأتهم يقتربون: "هل أنتم بخير؟".
أجابت ليلي ويبدو عليها الارتياح لكونها بخير: "نعم وماذا عنكم؟".
أجابت إريس: "متعبون قليلاً لكننا ننجو بحياتنا في الوقت الحالي".
وبينما كانت هي وفريقها يعتنيان بأنفسهما جيداً لاحظ جوليوس أنهما يبدوان قلقين بعض الشيء. كانوا يتململون بعصبية وهم يحدّقون في الصراع المستمر.
سأل أحد الرجال من الفريق الآخر: "هل لديكم خطة؟".
قال ديريك وهو يشير إلى السفينة الطائرة: "ليس تماماً. بقدر ما أود الابتعاد من هنا فإن وسيلة النقل الوحيدة لدينا هي تلك هناك".
قالت إريس بعبوس: "نعم أدركنا الشيء نفسه".
سألت ليلي: "أتريدون الانضمام إلينا؟".
أومأت إريس برأسها وأشارت إلى أحد أعضاء فريقها: "بالتأكيد يمتلك كول مهارة وهم تعتمد على الضوء والتي من المفترض أن تتناغم جيداً مع قدراتك الخاصة. كوين هو جدارنا المخصص ويمكنه تلقي الضربات لذا لا تقلقي بشأن الاعتماد عليه".
أخفى جوليوس عبوسه. كيف عرفت إريس المهارات التي ستعمل بشكل جيد مع قدرات ليلي؟ هل عرفت ليلي؟ إن كانت نبيلة فلن يكون بعيداً أن تكون قد رأَت ليلي في حفلة نبيلة أو ما شابه. هزّ رأسه وتنحى بشكوكه جانباً في الوقت الحالي. لو كانت إريس تشكل تهديداً لكانت ليلي أكثر تحفظاً معها. لقد وثق بقدرات ليلي في كشف النوايا السيئة. في غضون ذلك لم يجادل عندما انضم فريقه إلى فريقهم. إذا تمكنوا من زيادة فرصهم في البقاء على قيد الحياة فسوف يقبل المساعدة بسرور.
* * *
وجهة نظر إريس لم تكن إريس لتكذب. لقد كانت لديه بعض الدوافع الخفية لمساعدة ليلي فايت. كان لا يدن أنّه ستتمكن من بناء علاقة أقوى مع سلالة فايت إذا ساعدتها خلال هذا الوقت العصيب. ومع ذلك أرادت بصدق مساعدة ليلي أيضاً. كانت ليلي ودودة للغاية ولطيفة معها حتى الآن. لقد ساعدها أيضاً معرفتها بأن فريق ليلي كان قوياً. لحسن الحظ لم يكن لدى أي من زملائها في الفريق أي أفكار سلبية حول تكوين فريق معها.
لقد كانوا أشخاصاً طيبين ودائماً ما كانوا مستعدين للمساعدة. لم يكونوا يعرفون حتى الهوية الحقيقية لأولئك الذين يساعدونهم ومع ذلك فعلوا ذلك بغض النظر. لمجرد انفصالهم عن الجزء الأكبر من القتال لم يعنِ ذلك أنهم تركوا بمفردهم. لقد لاحظهم عدد لا بأس به من الوحوش وقرروا مهاجمتهم. ومع ذلك وبما أنهم لم يكونوا محاطين بالعديد من المجموعات الأخرى فقد أصبح من السهل بكثير تنظيم هجماتهم الخاصة.
لم يضطروا إلى القلق بشأن ضرب فرق أخرى وكان مسموحاً لهم بالتركيز على أنفسهم. ساعدت أوهام كول بشكل كبير. كانت تكلفة مهارته منخفضة نسبياً نظراً لوجود الكثير من الضوء حولهم لكنّه لن يكون قادراً على استخدام بعض تقنياته الأكثر استهلاكاً للطاقة السحرية. فبعد كل شيء لقد دفع نفسه بقوة شديدة في الصدع على الرغم من عدم وصوله إلى هذا الحد. كان كوين موثوقاً كالعادة. لقد تحمّل عدوانية الوحوش دون تذمر وسمح هذا لديريك من فريق ليلي بالعناية بالوحوش برمحه.
ومع ذلك عندما رأت رمحه محاطاً ببرق أزرق لامع توقفت إريس. اعتقدت في البداية أن الوسيم يبدو مألوفاً لكنّها لم تتمكن من معرفة السبب. ولا حتى عندما قدم نفسه لكن رؤية سحر البرق الخاص به دقت ناقوس الخطر في رأسها. لم يكن هناك الكثير من الناس في العالم يدعون ديريك ويستخدمون تقاربًا نادرًا مثل البرق. وإذا أخذت في الاعتبار عدد الأشخاص المرتبطين بليلي فايت فسيكون الأمر أقل.
استغرق الأمر وقتاً أطول مما ينبغي ربما لكن عندما فعلت أطلقت شهقة متفاجئة. كان هذا على الأرجح ديريك زينيث سليل أحد أقوى البيوت في الإمبراطورية. كانت عائلته مشهورة ببراعتها القتالية وسلوكها النزيه. لقد كانوا عماد الإمبراطورية وكان الناس يخشون إغضابهم. هزت رأسها مدركة أنها ليس لديها وقت للقلق بشأن هذا. أطلقت بسرعة سهمًا اخترق جلد وحش كان يحاول التسلل من حولهم. ومع ذلك وبفعلها لاحظت أنها لم تكن الشخص الوحيد الذي لاحظ الوحش.
الصبي الصامت ذو الشعر الأسود الذي أثار اهتمامها من قبل كان يحدق في نفس الاتجاه الذي أُسقط فيه المخلوق. لقد وقف هناك لا يفعل شيئاً بينما كانت إبرة صغيرة تبدو هشة من الطاقة تحوم فوق كتفه. على الأقل كانت ستعظمه هشاً لو لم تمسك آيا بذراعها بقوة.
سألت آيا إريس وعيناها تلمعان بالفضول واليأس: "من يكون؟".
سألت إريس مرتبكة من سلوك صديقتها المقربة: "ماذا؟".
قالت آيا: "الصبي ذو الشعر الأسود".
قالت إريس عابسة: "هذا صديقهم. أعتقد أن اسمه جوليوس. لماذا؟ هل لاحظت شيئاً؟".
سألت مشغولة بينما أطلقت سهماً آخر على وحش.
قالت آيا بهدوء وهي ما زالت تحدق في الصبي بتركيز شديد: "إنه قوي".
قوي؟ لماذا تعتقد ذلك؟ فكرت إريس في نفسها إنه لم يفعل أي شيء حتى الآن وعندما لم ترصد أي تهديدات فورية نظرت إليه مرة أخرى. وصلت في الوقت المناسب لتلاحظ الإبرة تختفي فجأة من كتف جوليوس. بالكاد التقطتها لكنها كانت في لحظة تحوم فوق كتفه وفي اللحظة التالية كانت تحوم فوق كتفه الآخر إلا أنها أصبحت الآن مغطاة بالدماء. نظّف جوليوس الدماء عن البناء واستمر في الوقوف هناك بصمت.
نظرت إريس حولها مستخدمة إدراكها لترى ما حدث للتو. وصلت في الوقت المناسب لتلمح شخصية تسقط من السماء بعيداً عنهم. كان وحشاً طائراً كان يحلق فوقهم. نظرت عن قرب مستخدمة مهارة الرؤية ورأت جرحاً وحيداً اخترق رقبة الوحش. وكان بنفس سماكة الإبرة. نظرت إلى الشاب الغامض وابتلعت ريقها وهي تستوعب ما حدث للتو. كم يجب أن تكون سرعة هذا الهجوم؟ لقد كانت أسرع بكثير من أي شيء يمكنها إطلاقه من قوها.
وكانت الدقة صادمة أيضاً. كانت تعلم أكثر من أي شخص آخر مدى صعوبة ضرب هدف طائر. ومع ذلك فقد فعل ذلك بكل بساطة وسرعة. كاد الأمر يجعلها تصدق أنها أخطأت الرؤية. كادت تفعل. هل كان ربما سلالة قوية أخرى انضمت إلى ليلي؟ لم تكن إريس تعلم لكنها بدأت تعتقد أن فريقها هو الذي يتم مساعدته بدلاً من مساعدة فريقهم ولن تتذمر بشأن ذلك.