كان مذهلاً مدى فعالية هذه التقنية. منحتْه مساحة واسعة للقتال. صار التعامل مع العمالقة أيسر كثيراً حين خلا من مضايقات الجهات كافة. لم تكن لهم فرصة وأجهز عليهم سريعاً. لكنّ المشكلة تكمن في متطلباتها العالية من قوة الإرادة والتركيز. كان استخدام مفاهيم ثلاثة أمراً شاقاً، ولدى العمالقة نوع خاصّ من مفاهيم الحياة خاصّ بهم، ممّا سمح لهم بالردّ بيسر أكبر. مع ذلك، كان يستمتع بوقته.
كان يحسن استخدام طاقته الحركية ببطء. ازدادت كلّ هجمة حدة وقوة. حتى قدرته على امتصاص الطاقة الحركية تحسنت بمعدل ملحوظ. وساعده وجود شركاء تدريب لا يموتون إلا إذا انتزع رؤوسهم. ولهذا شرع في استغلال هذا الأمر، ومع تناقص أعداد العمالقة، قلّ تركيزه على قتلهم وزاد على ممارسة مهاراته. كانت الطاقة الحركية شديدة الكفاءة في الاستخدام فلم يقلق. ولم يضطر إلى استخدام [خطوة الفراغ]
سوى نادراً. لم يكونوا أسرع بالقدر الذي يجبره على ذلك، ومع توقف نصفهم عن إحاطته، نال متنفساً أكبر للحركة بالطاقة الحركية وحدها. لسوء الحظ، عجز عن الحفاظ على تقنية تقييد الحركة المشبعة بالحدة لفترة طويلة. واضطر إلى إلغاء تفعيلها بين الحين والآخر. تطلب الحفاظ عليها تركيزاً هائلاً، واحتاج إلى التقاط أنفاسه. رغم ذلك، لم يمانع هذا الأمر بشكل خاصّ. فقد جعل القتال أكثر إثارة.
* * *
سدد لكمة قوية إلى جوف أحد العمالقة القلائل الباقين. كان هذا هو العملاق نفسه الذي قذف الرمح الأول. يبدو أن جوليوس لم يقتل العملاق حين ردّ الرمح إليه. ويحسب للعملاق أنه أشدّ صعوبة في الإضرار مقارنة برفقائه. امتلك مهارة تحميه علاوة على مهارة الشفاء التي يملكها. وما أثار اهتمامه هو عمل هذه المهارة الدفاعية كمحول. كلما أصابته هجمة، تمكّن جوليوس من استشعار تحويل جزء من الضرر إلى مانا حياة، لتغذي بعد ذلك سحر تجدد العملاق.
بدا الأمر مثيراً للإعجاب، غير أنه مزعج في القتال أيضاً. مع ذلك، أثار فضوله حول إمكانية قيامه بشيء مشابه. كان قادراً بالفعل على امتصاص الطاقة الحركية، لكنه جهل إن كان ممكناً له بطريقة ما تحويل تلك الطاقة إلى مانا يستخدمها لتغذية مهارة الشفاء الخاصة به. سيبدو ذلك رائعاً حقاً. أخذ يتخيل كل الأشياء التي يستطيع فعلها بشيء كهذا، لكنه لطم رأسه.
قال مذكراً نفسه: "لديك ما يكفي من التركيز بالفعل".
مع ذلك، استغرق وقتاً لتحليل مهارة العملاق. وإن لم يركز عليها الآن، فقد آمن بأنها ستكون جديرة بالتعلم مستقلّاً في المستقبل. فأضافها إلى قائمة الأشياء المتزايدة التي رغب في فعلها. غير أنه، وبينما كان يغتنم هذه الفرصة لتحسين قدرات الطاقة الحركية، وجد نفسه غارقاً في غشية. طوال ذلك الوقت، أضاف مفهوم الحدة إلى كل ما فعله. ولم يدرك حتى ذلك الحين، بل استعمله حتى حين غابت الطاقة الحركية.
تركزت كل حركة صغيرة على المفهوم. كما صار أكثر وعياً بكثير بتأثيره في محيطه. وشعر بكيفية تمزيقه لحم العملاق والطريقة التي شق بها الثغرات الصغيرة لمهارته الدفاعية. رغم ذلك، حدث تحول هائل حين أضاف تقنية التشويش إلى الخليط عن طريق الخطأ. لم يقصد ذلك وفعلها بدفعة من ردّ الفعل فحسب، لكنه استخدم مفهوم الحدة إلى جانب تقنية تقييد الحركة للتشويش على أي مهارة استعملها العملاق لتحويل الضرر إلى مانا حياة.
مع وجود هذا الكم الهائل مما يدور حوله، نسي هذه التقنية نوعاً ما. لكن طوال الوقت الذي استخدم فيه إرادة التقطيع لمساعدة طاقته الحركية، ظل الأمر على مستوى مادي ونسي استخدامه الآخر. الاستخدام ذاته الذي استعمله في الماضي والشيء نفسه الذي ساعدته إيريني على تحسينه. التشويش على مانا خصمه، والتقطيع في لحمه، وتعزيز حركات نفسه. سمحت له هذه التوليفة من التطبيقات بتمزيق دفاعات العملاق بيسر أكبر بكثير.
مع ذلك، تمنى لو أن الأمر انتهى عند هذا الحد. لكن العالم لم يبتهج بمنحه هذا الانتصار وقرر حرمانه من الاستمتاع بمجدها. شعر بشيء يتغير داخل روحه. بدا الأمر في البداية دافئاً وغائماً، لكنه تحول سريعاً إلى شيء مؤلم، كأن أحدهم يعصر قلبه مثل برتقالية. أطلق أنينائه جهاراً وأمسك بصدره كأن بوسعه إعانة روحه بهذه الطريقة. العملاق، ملاحظاً انشغاله، رفع ذلتيه فوق رأسه وهوى بهما على ظهره.
ارتطم جوليوس بالتراب، مخلفاً حفرة بحجم جوليوس. مع ذلك، بالكاد أدرك هذا. فقد أصابه هذا الإحساس المفاجئ والغريب بالارتباك الشديد. لم يعد قلقاً بشأن التدريب. بل انشغل كثيراً بسبب شعوره المفاجئ بهذا الشكل. لم يشبه أي شيء خاضه من قبل، ولا حتى حين تضررت روحه. كان هذا شيئاً آخر، ولم يحتاج إلى عملاق غاضب يهاجمه بينما كان يعالج الأمر. جمع بقية ما تبقى من تركيزه وخلق شفرة مانا صغيرة تماماً خلف رأس العملاق.
ولفّها بمفهوم الحدة وشحنها بالطاقة الحركية. لم يستشعر العملاق الشفرة حتى فوات الأوان. استشعار ارتطام العملاق بالأرض بصوت خافت أثقل، لكنه عجز عن استغراق الوقت للتحقق من موته من عدمه. سيتوجب عليه الأمل فحسب بأن قطع رأسه سيفي بالغرض. في تلك اللحظة، غمرته الضغوط المتزايدة التي شعر بها فوق روحه. بدا الأمر مقلقاً لأنه لم يعتقد أنه فعل ما يستوجب مثل هذا التفاعل. كان ولداً صالحاً في الآونة الأخيرة.
ولم يُجهد روحه بأي شكل من الأشكال. على الأقل لم يعتقد أنه فعل. بل أخذ استراحات بين الحين والآخر فضلاً عن عدم قضاء الليل كله في التدريب. كان يؤدي بشكل جيد. لذا زاد الأمر غموضاً حول سبب حدوث هذا. استمر الإحساس المؤلم في التفاقم، وبدلًا من عصر روحه، بدا وكأنها تُقطع إلى أجزاء صغيرة، كأن روحه قررت القفز برأسها داخل خلاط. احتاج إلى معرفة ما يحدث، لذا قرر التعمق في فضاء روحه.
أراد تفقد ما يجري ورؤية ما إذا كان بإمكانه إصلاحه بطريقة ما. فأغمض عينيه وحلل حالة روحه. ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لرؤية المشكلة. لم يكن مبالغاً القول إن المشكلة كانت تتوهج كشمس مصغرة في فضاء روحه. كانت كرة الضوء الزرقاء الصغيرة التي تُمثل مفهوم الحدة تنبض بغضب نحو الخارج. وظهرت تموجات وتمزقات صغيرة على سطحها كذلك. لم يكن خبيراً بأي حال من الأحوال، لكنه اعتقد أن هذا كان السبب على الأرجح في معاناته من هذا الألم.
كان مجرد مفهوم الحدة الخاص به يصرخ في الفراغ. بطأ الننبض، وتفحصه بينما بدأ يهتز بعنف. ثم توقف فجأة، وبدأت طبقات الكرة الممثلة للمفهوم تتساقط. بدا الأمر كمن عانى حرق شمس سيئاً وتتقشر بشرته. إلا أن هذا كان شيئاً داخل روحه، مما زاد الأمر إيلاماً بحدة أكبر. ولم تستطيع حتى مهارة [حكيم الشراسة] تخفيف الألم كله. كما عجزت مهارة الشفاء لديه عن إصلاح ما عطب. بدا أنه لا يملك سوى المراقبة.
على الأقل هذا ما ظنه في البداية. ومن العدم، شعر بأجزاء أخرى من روحه تلتئم وتحيط بالكرة. تسربت الطاقة من مهاراته ومفاهيمه كلها إلى كرة مفهوم الحدة خاصته. بدا وكأنهم يحاولون حل هذه المشكلة بأنفسهم. وبينما اندمجت مفاهيمه ومهاراته الأخرى لدعمه، لاحظ شيئاً غريباً. بدا الأمر وكأن مفهوم الفضاء لديه يحاول الاتصال بمفهوم الحدة. وحتى بالمقارنة مع كراته الأخرى، تمتعت كرة الفضاء الخاصة به لاتصال أعمق مقارنة بالبقية.
وتساءل عما إذا كان هذا علامة على شيء ما أم مجرد صدفة. غير أنه، وما إن ظن أن الأمر لن ينتهي أبداً، توقف كل شيء. بدا وكأن الألم لم يكن موجوداً من الأساس، وما غادر مكانه سوى روح رقيقة قليلاً لكنها سليمة. أطلق تنهيدة راحة، لكنه شعر فجأة بموجة تعب تجتاحه. حاول استخدام [تجدد العنقاء] لمنع ذلك، لكنه عجز عن فعل شيء حين هوى في ظلام النوم.
* * *
حين استيقظ، قفز واقفاً وشحن مهاراته إلى أقصى حد. كان النوم في منتصف الشق، ناهيك عن نهايته، أمراً إشكالياً. مع ذلك، ولراحته الهائلة، لم يستشعر أي خطر حوله. بدا أنه محظوظ وأنه بأمان في الوقت الحالي. قرأ الرسائل التي فاتته حين كان فاقداً للوعي. تهانينا، أُنجز الطابق الرابع.
ستُنقل تلقائياً إلى الطابق الخامس في غضون عشر دقائق أو، إن رغبت في التوجه فوراً إلى الطابق الخامس، فانطق بصوت عالٍ «الطابق التالي».
يبدو أنه أنجز الطابق الرابع وصار في الطابق الخامس بالفعل. شرط إنجاز الطابق الخامس: الصعود إلى القمة. لم تكن لديه أدنى فكرة عن المدة التي قضاها نائماً. تعذر التمييز داخل هذا الشق. ناهيك عن غرابة شرط هذا الشق. ماذا يقصد بالصعود إلى القمة؟ أمعن النظر حوله وتمكن من استيعاب معنى الرسالة بكل سهولة. لم يكن صعباً معرفة ما أريد منه صعوده حين وُضع سسلم ضخم أمامه. مع ذلك، ما هي متطلبات النجاح؟
أيعني أنه بحاجة لمجرد الوصول إلى القمة لإنجاز الطابق؟ بدا ذلك يسيراً بعض الشيء. هز رأسه. بوسعه التفكير في هذا لاحقاً. بل استغل هذا الوقت لتنظيف نفسه من الدم الأخضر كله الذي وجد نفسه مغطى به. كان مثخناً بالقليل من الجراح ومتعباً، لكن لا شيء يعجز عنه القليل من [تجدد العنقاء]. واستغرق بعض الوقت للاسترخاء والاستجمام ومراجعة بعض الإشعارات التي تلقاها أثناء القتال مع العمالقة.
لكن حين شرع في قراءتها، عجز عن منع ابتسامته العريضة كالأبله. إشعار: جاري رصد الرنين... جاري التقييم... تم التعرف على مسار التطور. جاري تقدير المتطلبات... تم رصد الاكتساب السابق لمفهوم الحدة. استُوفي متطلب الاستخدام المتقدم. متطلب الروح... مستوفً. متطلب المفهوم... مستوفً. تهانينا. لقد طوّرت مفهوم الحدة الخاص بك: إرادة التقطيع إلى مفهوم الحدة: التقطيع النقي. يبدو أن كل تلك الفوضى التي تخص روحه كانت لسبب وجيه.