تعلم جوليوس شيئاً واحداً على الأقل، وهو ألا يستخف أبداً بعجائب السحر وطبيعته العصية على التنبؤ. ما كان له أن يشك لحظة في وسع القارب وقدرته على استيعابهم جميعاً. بدت مقصورة السفينة الطائرة أوسع بكثير مما يحتاجون إليه، وفي وسعها حمل ضعف عددهم بكل سهولة. بينما كان جلوسه والآخرون في مكان جانبي، بعيداً عن التجمع المزدحم، أحس باقتراب أشتون.
قال أشتون مبتسماً بود: "سررت برؤيتك هنا".
فرد بهزة رأس شاكرة: "وأنا أيضاً، شكراً على توجيه الدعوة لي. لقد كانت لفتة كريمة منك".
في نظر النقابة، لم يكن جوليوس سوى مغامر برونزي مستجد ارتقى مؤخراً إلى الرتبة الرابعة. لذا، بدا حصوله على فرصة كهذه أمراً مثيراً للدهشة بعض الشيء.
أوضح أشتون: "لا تقلق، الأمر لا يعدو كونه إجراءً بسيطاً. اقتصرت مشاركة الدعوات على عدد محدد، وإلا لوجدنا نصف البلدة مسجلاً. كانت هذه هي الطريقة الأسهل للسيطرة على الفوضى".
أومأ جوليوس متفهماً: "مع ذلك، أعلم أنك لم تكن ملزماً بدعوتي".
تابع أشتون بابتسامة طيبة: "صحيح، لكن مدّ يد العون للشباب الواعدين أمثالك ليس أمراً سيئاً قط".
هز جوليوس رأسه وتبادل الحديث مع أشتون لدقائق معدودة قبل أن يستأذن الرجل بالانصراف. وما إن غادر حتى التفت نحو ليلي بنظرة متسائلة.
فسألها: "إذن؟"
أجابت بشفاه مشدودة قليلاً: "لم أستشعر منه سوى حسن النية وبعض الفضول تجاهك".
"إذن أنت لا ترين أنه يضمر نوايا سيئة؟"
"ليس حسب ما استطعت إدراكه"، قالت بثقة.
جعل هذا جوليوس يتنفس الصعداء. ورغم أنه لم يلتقط أي وميض ريبة من هالة الرجل، إلا أن وجود ليلي لتدقق الأمر بنفسها كان مريحاً دائماً. فقد كانت بارعة للغاية في تمييز الصالح من الطالح.
تساءلت أوبرا: "إذن لماذا دعاه ليلي ليأتي؟ ألمجرد الفضول واللطف؟ يبدو الأمر غريباً بعض الشيء. هل أنت متأكد أن هذه ليست خطة معقدة دبرها شخص ما لقتل جوليوس؟"
رد عليها: "أتعلمين يا أوبرا، ليس كل من أقابله يسعى لقتلي".
حاججت أوبرا: "بالطبع لا، لكنك لا تستطيع إنكار الحقيقة. عدد محاويليك للقتل مرتفع للغاية. لذلك، لم يعد بإمكاننا التيقن من أي شيء".
تنهد دريك قائلاً: "من المحتمل أن الرجل يرى في جوليوس شخصاً مهماً أو قوياً، ويرغب في بناء علاقة معه مبكراً".
قالت أوبرا بهزة رأس جامدة: "نعم، هذا وارد أيضاً".
مضى بعض الوقت بينما شقوا طريقهم نحو موقع الصدع. وفي أثناء الطريق، لمح وحشاً طائراً قوياً يقترب من المركبة. شكل الأمر مفاجأة نوعاً ما، خصوصاً أن القارب كان محاطاً بسحر إخفاء قوي. لا بد أنه مخلوق يتمتع بمهارة إدراك فائقة خاصة به. لحسن الحظ، اعترضه رجل قبل أن يقترب أكثر من اللازم. كان يرتدي زي النقابة، لكنه لم يحمل أي أسلحة سوى ذلك. راقب جوليوس الرجل وهو يحاط بالمنا ويقذف نفسه في الهواء باتجاه الوحش.
لم يتحرك بسرعة سيلا، إلا أن جوليوس أُعجب مع ذلك بمدى تحكم الرجل في طيرانه. اشتبه في استخدامه لسحر الرياح أو ما شابه لتحقيق ذلك. لم يشعر جوليوس بالقلق. بدا هذا الرجل هادئاً للغاية واتجه بثقة مباشرة نحو الوحش الذي كان يحوم بتردد حول القارب. لاحظ الوحش الساحر الطائر وحينها فقط قرر الهجوم. رأى جوليوس الوحش مكسواً بمنا بيضاء متوهجة، وانطلق مندفعاً نحو الساحر بسرعة تنافس سرعة سيلا.
بيد أن ذلك لم يكن كافياً. بنى الرجل حاجزاً سميكاً أمامه، محبطاً هجوم الوحش بكل سهولة. لم يبد أن وقع الاصطدام بالحجز قد ردع الوحش، لكن الرجل لم يظهر عليه أي انزعاج. وقبل أن يتمكن الوحش من الهجوم مرة أخرى، سحقته وابل من سهام المنا. دفعت قوة الهجمات الوحش ليتعثر إلى الخلف. تطلب الأمر بضع ضربات منا جريئة أخرى فقط ليُدرك الوحش أن القارب ليس شيئاً يُستهان به، ودفع الرجل الوحش للفرار بسرعة كبيرة.
وعلى عكس ما توقع جوليوس، لم يلاحقه الرجل بل اكتفى بالعودة إلى القارب. وعند تفحصه عن قرب، استطاع جوليوس استشعار أن الرجل كان من أصحاب الفئة الرابعة الأقوياء. لم يكن صاحب الفئة الرابعة الوحيد في هذه الحملة أيضاً. كان هناك عدة أشخاص آخرين من الفئة الرابعة إلى جانب هالة قوية من الفئة الخامسة على متن السفينة. ولن يفاجأ إن علم بوجود شخص آخر من الفئة الرابعة أو الخامسة على متن السفينة لكنه كان يختبئ عن حواسه.
ورغم قوة مهارته، فقد تعلم مسبقاً أن الشخص القوي يمتلك دائماً سبلاً للاختباء عنه إن أراد ذلك حقاً. في النهاية، وصلوا إلى الصدع واستطاع إحساس السفينة تبدأ بالطفو نزولاً نحو الأرض. وحين ترجلوا جميعاً، تفاجأ بمدى حسن تنظيم النقابة للأمور. كان يتوقع صدعاً في قلب غابة خاوية على عروشها. ومع ذلك، لمح مخيماً كاملاً يضم الكثير من الناس حوله. لقد أزالوا جميع الأشجار من المنطقة ليخلقوا مساحة شاسعة.
بل وكانت هناك مبانٍ شيدت بسحر الأرض في كل مكان. تحولت المنطقة عملياً إلى قرية مؤقتة وسط الغابة التي لا تهدا. للأسف، لم يتمكنوا من التوجه مباشرة إلى داخل الصدع. كانت هناك بعض المهام التي تزال بحاجة للإنجاز، وعليهم الانتظار حتى اكتمالها. أدى ذلك لتوجّههم جميعاً نحو منطقة منعزلة لقضاء الوقت ريثما ينتهون. مع ذلك، لم يُتركوا وحدهم طويلاً. وبينما كانوا يتحدثون، اقتربت منهم مجموعة من الشباب في سنهم.
كانوا ستة، أربعة أولاد وفتاتان. بدا في البداية وكأنهم قدموا للابتعاد عن الحشد البشري الهائل مثلما فعلوا هم، ولكن بعد قليل، بدأت إفادة فتاة ذات شعر أصفر فاتح وقوس مثبت على ظهرها بالحديث إلى ليلي.
سألت بفضول: "هل أنتما من بيرالت؟"
حولت ليلي انتباهها نحو الفتاة.
"لسنا من هنا في الأصل، وصلنا منذ وقت غير بعيد".
راقب جوليوس بدء حديث ليلي والفتاة. عرفت الفتاة الأخرى بنفسها هي الأخرى، وقبل أن يدرك، كانت مجموعتهم تتعارف على بعضها البعض. بذل جوليوس قصارى جهده للاستماع إلى بعض أحاديثهم، لكن جل تركيزه كان منصباً على بوابة الصدع الواقعة غير بعيد عنهم. كانت موضحة وسط القاعدة المؤقتة ومحاطة بالعديد من موظفي النقابة. اختلفت هذه البوابة عن البوابات الأخرى التي صادفها سابقاً. فعلى عكس المسحة الزرقاء المعتادة، كانت تنضح بهالة ضاربة للحبرة تتسرب منها.
ولعل ذلك كان نتاجاً ثانوياً لما جعل هذا الصدع فريداً. ورغم ذلك، ظلت التموجات المكانية التي شعر بانبعاثها من الصدع مشابهة لما أحس به من قبل. تشتت انتباهه لدرجة أنه فشل في ملاحظة أحدهم يحاول لفت انتباهه حتى وخزته أوبرا في بطنه.
سأل وهو يدلك بطنه: "آه، ما سر هذا؟"
قالت بصوت خفيض: "كف عن هذا، سيكون لدينا متسع من الوقت لاستقصاء أمر الصدع حين يحين أوانه. في هذه الأثناء، عليك الاسترخاء وأخذ قسط من الراحة فحسب".
"كيف علمت أنني أكن ناظري إليه؟"
رمقته بنظرة محبطة.
"لأنني أعلم وحسب"، قالت وهي تعقد حاجبيها.
مع ذلك، أدرك صحة كلامها، واسترخى قدر الإمكان في الوقت الحالي. بل وتمادى لدرجة صنع كرسي منا صغير لنفسه وأخرج بعض الوجبات الخفيفة ليقرضها. لاحظ حقاً أن فتاة معينة كانت تختلس النظر إليه من حين لآخر. إنها الفتاة ذات الشعر الأشقر والقوس. تعمدت إخفاء الأمر، لكن بمهارة إدراك عنده، استطاع استشعار وقت التفاتهه نحوه. بل وبدت شديدة الاهتمام بكرسيه، مما أثار تسليته. لحسن الحظ، بدا الأمر نابعاً من فضول حقيقي أكثر من أي شيء آخر ولم يزعجه كثيراً.
ولاحظ أيضاً أنه بينما انخرط الآخرون في الحديث، لم يتقدم أحد لمحادثته. لم يكن لديه مانع في ذلك بالطبع، لكنه تساءل عما إذا كان يبدو غير ودود أو ما شابه. لم يهم الأمر كثيراً، فما هي إلا لحظات حتى نادى رجل الجميع ليتجمعوا. لقد حان وقت دخول الجميع إلى الصدع. أطلق تنهيدة ارتياح وهو ينهض متوجهاً نحو هناك رفقة الآخرين. لقد حان الوقت ليرى ما الذي يجعل هذا الصدع مميزاً إلى هذا الحد ولماذا عجز الجميع عن تطهيره حتى الآن.
* * *
وجد المئات من أصحاب الفئة الثالثة أنفسهم واقفين أمام رجل يرتدي زي النقابة. بدا الرجل وعراً لكنه بعث هالة قوية. راودت جوليوس إحساس بأنه من الفئة الخامسة. لم يختبر هذا الإحساس ذاته إلا مع أصحاب الفئة الخامسة الآخرين ممن التقى بهم. تردد صدى صوت الرجل المفاجئ في أرجاء الغابة.
وضح سيمون وهو يرمق الحشد بنظراته متأكداً من انتباههم جميعاً: "أهلاً بالجميع. يسرني رؤية هذا العدد الكبير ممن قبلوا هذه الدعوة. اسمي سيمون، وأنا مسؤول تنفيذي في نقابة المغامرين والشخص المشرف على هذا الحدث الصغير. كما تعلمون ربما، يختلف هذا الصدع قليلاً عن صدوعكم المعتادة. لم تتوافر لدينا سوى معلومات يسيرة استطعنا جمعها عنه، ولكن حسب ما تمكنا من استنباطه، يتألف الصدع من عشرة طوابق. يحمل كل طابق متطلبات مختلفة للعبور إلى الطابق التالي".
وحين تأكد من ذلك، تابع حديثه: "كل طابق تجتازونه سيعود عليكم بشكل أرفع من المكافأة عند خروجكم. ويجب أن نؤكد أيضاً على مدى أهمية إدراككم لوقت الانسحاب. لا نريد من أعداد كبيرة منكم محاولة اقتحام طابق يفوق قدراتكم. لقد فقدنا عدداً أكبر من اللازم من الشباب بسبب ذلك. إن شعرتم بوجود خطر، فاخرجوا فوراً".
قال سيمون بجدية، وليؤكد نقطته، أطلق العنان لبعض هالته في استعراض مذهل للمهارة والتحكم. كان جوليوس يقدر هذا الرجل بالفعل. وشعر أنه لولا هذا التحذير، لقام كثيرون بالمجازفة لمجرد اجتياز طابق إضافي واحد. بيد أن الجشع قوة عارمة، وظن أنه ستظل هناك فئات تدفع الأمور إلى أقصاها وتتحمل العواقب.
أردف صاحب الفئة الخامسة: "علمنا أيضاً بوجود شكل من أشكال تمدد الزمن داخل الصدع. قد تقضون أياماً هناك ليتبيّن في النهاية أن ساعة واحدة فقط مضت في الواقع المعيش. لذا خذوا وقتكم، وتوخوا الحذر، وتأكدوا من أداء واجبكم. تطهير الصدع الناجح هو ذاك الذي لا يصاب فيه أحد بأذى".
كان هذا شيئاً سُر جوليوس بسماعه. يعني هذا عدم اضطراره للقلق بشأن قضاء وقتاً طويلاً هناك، مما يضيع وقتاً ثميناً خارج العالم الحقيقي. بدا هذا مثالياً لشخص مثله يتطلع إلى التحسن في أقل وقت ممكن. استمر سيمون في شرح التفاصيل التي اكتشفوها حول الصدع وتطرق أيضاً إلى الأسباب الكامنة وراء قرارهم بخلق هذا الحدث. ورغم ذلك، لم يعط جوليوس وقتاً كبيراً للإصغاء بتركيز شديد. لقد حرص على الانتباه حين يسمع شيئاً مهماً، لكنه تشتت تماماً بسبب النبض الإيقاعي للبوابة الممدودة أمامه.
كل ما أراده هو اقتحام المكان. لكنه ذكر نفسه بضرورة الصبر والانتظار حتى يبدأ الحدث. لحسن الحظ، لم تستمر مقدمة التوجيه طويلاً ليجد نفسه واقفاً في الصف، منتظراً دوره لدخول الصدع وهو يفرك كفيه بحماسة.