درب التسامي الفصل 370 — جوهر الليتش

اقرأ درب التسامي الفصل 370 — جوهر الليتش باللغة العربية على مانجا تايم.

مال رأس جوليوس حين شعَر بنبض هالة الرجل المرتجفة بالتوتر.

قال: "أهناك خطب ما؟"

قابل الرجل قلقه بابتسامة محرجة.

"لا شيء. بالمناسبة، لم أتعرّف إلى اسمك قط؟"

تردّد جوليوس لحظةً ووازنة في سريرته بين الإفصاح عن اسمه وإخفائه، لكنّه حسم أمره أخيراً، مرجّحاً ألا ضرر من الصدق.

قال: "أنا جوليوس. وأنت؟"

قال الرجل وهو يزيل قلنسوة رداؤه: "كورو".

ظهر وجه شاحب لكنّه وسيم، يتّشح بشعر كثيف بنيّ اللّون. تفاجأ جوليوس بعض الشيء لمدى صغر سنّه. كان يعلم أنّ السنّ في هذا العالم أمر ملتبس، مع امتداد الأعمار كلّما ارتقى المرء في المراتب. بيد أنّ هذا الرجل بالكاد يفضُل ديرك والآخرين عمراً. وهو ما يعني أيضاً أنّه ارتقى إلى المرتبة الرابعة مبكراً جداً. وفيما كان جوليوس مستغرقاً في أفكاره، رأى كورو يمدّ يده إليه. بادر بالمثل سريعاً وتصافحا.

سأل جوليوس باهتمام: "ماذا كنت تفعل هناك؟"

تألق عيناها كورو بالحماس ما إن سمع ذلك السؤال، وشرع يسهب في شرح الطبيعة العجيبة لتلك الغرفة. فات جوليوس معظم ما قال، غير أنّه استوعب الأساسيات. ببساطة، تألّفت الغرفة من حزمة مواد فريدة مكّنت اللّيتش من توظيف سحر الأرواح والسيطرة على هذا الكم الهائل من الموتى الأحياء بدقّة متناهية. وهو أمر أثار دهشة الرجل بحكم اختصاصه في سحر الأرواح. قدرة نادرة لكنّها بالغة القوة.

مع أنّ جوليوس استغرب من انفتاح الرجل ووضوحه. فلم يكن واثقاً ممّا إذا كان ليبوح لطرف غريب بنوع سحره فور لقائهما.

سأل كورو وهو يحكّ رأسه بحرج، مدركاً أنّه استطرد بعيداً: "وماذا عنك؟ ماذا تفعل هنا؟"

هزّ كتفيه مجيباً بصدق: "كنت أتجوّل فحسب فوقعت على هذا الصدع".

سأل كورو بنظرة غريبة: "بلا سند أو رفيق؟"

هزّ كتفيه مرّة أخرى.

قال: "لا، لكنّني كنت حذراً"، غير أنّه لم يكن صادقاً تماماً هذه المرة.

لم يكن هذا الرجل بحاجة إلى معرفة ما فعله خارج هذه الغرفة. إلى حقيقة أنّه كاد يمزّق جسده إرباً أثناء تلمّس طريقه لدمج مفهوم الحدّة مع طاقته الحركية. لو عرف الحقيقة لظنّه مجنوناً لا محالة.

تمتم جوليوس بعد صمت قصير: "أمم، أسترغب في التخلّص من أمر ذلك اللّيتش؟"

التفت الرجل برأسه نحوه مفزوعاً، كمن خرج لتوه من لجة تأمّل عميق.

"عذراً؟"

سأل مشيراً إلى قفص المانا: "أتملك أية خطة بشأنه؟"

"أوه! لا، أبقيته هناك فحسب لأخذ وقتي في تفحّص الغرفة. لكن يمكنني الإجهاز عليه الآن".

همّ جوليوس بمقاطعته ليطلب منه ترك الأمر له، لكن قبل أن ينطق بكلمة، بدأ الرجل يضغط قفص المانا المحيط باللّيتش. تدفّقت نبضة طاقة قوية عبر القفص، وراقب باهتمام كيف أخذت خطوط النقش المعقدة تضيء على سطحه مع تقلّصه المستمر. ظهرت ممانعة طفيفة حين حاول دفاع اللّيتش الطبيعي حمايته، لكن دون جدوى. حُشر بالكامل، ومثل قطعة زجاج سحقتها صخرتان، تفتّت اللّيتش إلى شظايا ضئيلة. لابدّ أنّ كورو استشعر خيبة أمله، فرمقه بنظرة الممتعض.

سأل بصوت بدا متوتراً بشكل مباغت خشية إغضابه، مع أنّه يقبع في ذروة المرتبة الرابعة بينما جوليوس في الثالثة فحسب: "عذراً، أكنت تريد فعل شيء به؟"

لوّح جوليوس بيده.

"لا، لا بأس. ربما كان هذا أفضَل على أي حال".

فرغم رغبته في قتال هذا اللّيتش بنفسه، لم يكن الأمر صائباً بالضرورة طالما سيتطلّب الأمر مواجهته أمام ناظري مشاهد، أو مطالبة الرجل بالمغادرة ممّا قد يثير المزيد من التساؤلات. ومع ذلك، كان محزناً ألا يستطيع معالجة هذا الصدع بمفرده. وما إن تحوّل اللّيتش إلى رماد، حتى بدأت المانا المتغلغلة في أرجاء الصدع تضطرب. ظهر أمامهما بوابة زرقاء دوّامة. وقبل أيّ شيء آخر، انحنى الرجل نحو شظايا اللّيتش المكسورة وفتّش بينها، لينهض أخيراً ممسكاً بلؤلؤة خضراء متوهّجة.

مدّ الرجل اللّؤلؤة إلى جوليوس دون كلمة، مصحوبة بإيماءة رأس.

سأل جوليوس قبل أن يحرك ساكناً لأخذها: "ما هذه؟"

أوضح كورو: "نواة اللّيتش. إنّها أثمن ما في الصدع على الأرجح، وأظنّ كثيرين يدفعون مالاً طائلاً للحصول على مثلها. ومع أنّها من المرتبة الثالثة فحسب، فهناك من يحسن توظيفها".

قال جوليوس عاقداً حاجبيه: "ماذا؟ ألست تريدها لنفسك؟ ظننت أنّ سحر الأرواح الذي تتقنه سيجعلك تقدرها أكثر منّي".

هزّ الرجل رأسه بحزم.

"لا، أرجوك، أصرّ على ذلك. ثم إنّني في المرتبة الرابعة بالفعل، وما يمكنني فعله بها محدود للغاية".

إذ لم يلمح سبباً لرفض الهدية، تناولها بنظرة ريبة مصوّبة نحو صاحب المرتبة الرابعة. لم يدر لمَ ينتهج هذا الشخص معه موقفاً شديد الاحترام يكاد يقترب من التذلل. لقد أثار ذلك ريبته. وحسب ما تجمّع لديه من معطيات، كان كورو قوياً حتّى بمعايير المرتبة الرابعة، ممّا زاد من حيرته إزاء سلوكه هذا تجاهه. لم يكن الأمر منطقياً البتة. ومع ذلك، حرص على إبداء امتنانه لهذه اللفتة. لم يكن يدري ما سيفعله بالنواة، لكنّه خمن أنّ ليلى ستملك فكرة ما.

يستطيع منحها إيّاها وترك أمر تقرير مصيرها لها. أومأ برأسه لنفسه. نعم، لقد راقه وقع هذه الفكرة.

"حسناً، شكراً لك. أقدر ذلك".

قال الرجل ذو الشعر البني بابتسامة: "العفو، لا تشغل بالك".

ابتسم جوليوس بالمثل وهمّ بالتوجه نحو البوابة قبل أن يباغته الرجل بالحديث.

سأل جوليوس: "أترغب في مساعدتي على شحن تلك النواة؟"

عقد جوليوس حاجبيه.

"ماذا تقصد؟"

أشار كورو إلى النواة التي لا تزال بين كفّي جوليوس.

"بما أن اللّيتش كان يتحكم بالموتى الأحياء، فلابدّ أن شيئاً من شظايا قوته لا يزال عالقاً بهم. بمساعدتي، يمكن توظيف تلك الطاقات المتبقية لشحن النواة. سيضاعف ذلك من قيمتها، ولن تعثر على فرصة أفضل للقيام بذلك".

سأل جوليوس: "ألن ينهار الصدع قريباً بموت اللّيتش؟"

هزّ كورو رأسه نافياً.

"لا، سيستغرق الأمر وقتاً قبل أن يتداعى. يبدو هذا الصدع مستقراً للغاية، ولدينا متسع من الوقت للتعامل مع بقية الموتى الأحياء. وحتّى لو اخفق تقديري، سننتقل تلقائياً خارجه قبيل انهياره".

بصراحة، بدا الأمر مغرياً ويستحق المشاهدة. العائق الوحيد تمثّل في ظن كورو بوجود المزيد من الموتى الأحياء طلقاء. ما لم يعلمه هو أن جوليوس تكفل بالفعل بكل الموتى الأحياء الذين استشعرتهم حواسه في هذه المنطقة. ربما توجد أعداد أخرى هنا وهناك، لكنّها حتماً ضئيلة للغاية. فليس من المألوف قطّ أن يعالج مراتب ثالث وحيد صدعاً بكامل طاقته بنفسه. وعادة ما يتطلب الأمر فريقاً كاملاً لإنجاز ذلك.

خلص جوليوس أخيراً إلى أن الأمر لا يستحق العناء.

"لا، لا بأس. عليّ العودة قريباً على أي حال، فقد بات الوقت متأخراً".

قال له كورو: "أمتأكد؟ سأبقى لبرهة بغض النظر عن ذلك، لأتفقّد إن وُجد ما ينفعني خارج الكهف. مرحب بك تماماً لمرافقتي، ولن يضرك شحن النواة ونحن نفعل".

كظم اشمئزازه في داخله. لم يكن هذا ما تمناه. في هذه الحالة، سيكشف الرجل الحقيقة لا محالة. ولم يكن هناك شخص آخر سواهما داخل الصدع يمكنه الإجهاز على الموتى الأحياء. فإن أصرّ الرجل ذو الشعر البني على استكشاف الصدع قبيل انهياره واكتشف الحقيقة، فلِمَ لا يقتنص الفرصة لتعلم بعض الحيل المثيرة للاهتمام حول سحر الأرواح؟ لقد حدس أنها ستكون مهارة نافعة مستقبلاً.

* * *

وجهة نظر كورو شعر بشيء من الضيق، لكن فضوله أمره بالمضي قدماً. أدرك فوراً أن الصبي يحاول إخفاء أمر ما. بدا متردداً للغاية في تلقي شيء ثمين، وازداد تردداً حين عرض عليه شحن النواة. معظم أصحاب المرتبة الثالثة كانوا ليقفزوا فرحاً أمام فرصة مماثلة، بصرف النظر عن أي شبهات محتملة. فلو أراد صاحب المرتبة الرابعة قتلك، لما احتاج للجوء إلى مثل هذه الحيل. ولاحظ أيضاً أن الصبي لا يبدو راغباً في العودة حيث الموتى الأحياء.

بدا الأمر غريباً. لو كان السبب الخوف لما كان غريباً، فهذا طبيعي. لكنّه لم يلمس أي خوف أو قلق لدى جوليوس. وهو ما جعله يتيقّن أن ظنّه الأولي بشأن تسلل الصبي بخفاء كان خاطئاً. ربما أباد جوليوس عدداً أكبر بكثير من الموتى الأحياء ممّا توقّع. مع ذلك، توخى الحذر الشديد لئلا يستفزّ الصبي. لا تزال انطباعاته الأولى عن روح الفتى راسخة في ذهنه. صحيح أن الصدمة الأولى خفتت بعد شيء من التأمل، إلا أن روح الصبي ظلّت...

مخيفة بحق. وهذا تحديداً ما أشعل فضوله نحوه ودعاه لاستدراجه والبقاء بقربه لفترة أطول. أراد أن يتبين طبيعة الشخص الذي نجحت روحه في بلوغ هذا المستوى من النمو. بل لقد تمادى إلى حد منح نواة اللّيتش بالغة القيمة للصبي، وهو أمر قلل من شأن قيمته أمامه متعمداً. صحيح أن كل نوى اللّيتش ثمينة بغض النظر عن مرتبتها، لكن كورو، كونه ممارساً لسحر الأرواح، استطاع انتزاع النواة سليمة دون عطب، وهو إنجاز يستحيل على جلّ الناس.

كانت هدية مكلفة للغاية، لكنّه أمل أن تجعل الصبي ينظر إليه بعين الرضا. وبينما غادرا الغرفة، بذل قصارى جهده لإشراك الشاب اليافع في أطراف الحديث. طرح أسئلة بريئة ظاهرها الاستفسار عن هواياته المفضلة وأنواع الأطعمة التي يستمتع بها. ومع ذلك، لم يملك إلا أن يطلق ضحكة خفيّة حين اقتصر جوليوس على ردود مقتضبة. بدا واضحاً أن تصرفاته أثارت ريبة الفتى، ولم يلمه على ذلك قط، فذاك هو التصرف السليم.

ومع ذلك، استمر في محاولات إبقاء الصبي متفاعلاً، وهمّ بسؤاله مجدداً عن موطنه الأصلي قبل أن يلاحظ صمت الكهف المطبق. لم يكن ذلك بمشكلة بحد ذاته، لكن بالنظر إلى كمية المانا التي بثها محاولاً استدراج الموتى الأحياء نحوه، لم يكن الأمر طبيعياً البتة. كان المفترض بهم استشعار وجود الموتى الأحياء سلفاً. فحتى بمعزل عن ارتباطهم باللّيتش، لكانوا استمروا في الحركة والتحفّز. أضعف حالاً، ربما، لكنهم سيظلون هائمين بلا هدف على الأقل.

فلم يكونوا معتمدين كلياً على اللّيتش في بقائهم مثل الوحوش المستدعاة. ولم يدرك شذوذ ما حدث إلا حين صادف أول مجموعة ساقطة من الموتى الأحياء. عشرات الوحوش المهزومة، وقد أُطيح برؤوس اغلبها، وهو أمر اعتبره إيجابياً من وجهة نظره إذ حافظ على النواة التي تبقيهم في حالة حركة. التفت برأسه نحو الصبي الذي حاول تقمص براءة الأطفال، غير أن كورو استطاع استشعار بصمات الصبي تعج في المكان وتغطي كل وحش.

وفي تلك اللحظة أدرك أن هذا الفتى اليافع قد أبيد على الأرجح ذلك الكم الهائل من الموتى الأحياء الحارسين لهذا الصدع. وهو إنجاز سيرهق حتى صاحب مرتبة رابعة مثله نظراً لكثرتهم الغفيرة. التفت بريْب نحو الصبي المعنيّ. بدا وجه جوليوس بريئاً بحدّ الفتنة، لكن كورو استشعر بوعي مفاجئ تلك اللحظة الأولى التي سبر فيها غور روح جوليوس. خطير حقاً. وعلى أية حال، سرّه أن الفتى لا يبدو شريراً.

وربما يودّ معلمه لقاء هذا الشاب يوماً ما.