درب التسامي الفصل 369 — روح فريدة

اقرأ درب التسامي الفصل 369 — روح فريدة باللغة العربية على مانجا تايم.

تمتم جوليوس لنفسه: "ما هذا بحق الجحيم؟"

كانت غرفة الزعيم معزولة تماما، وهو ما عناه عجزه عن استطلاع ما وراءها رغم استخدامه مهارة [الإدراك المكاني المطلق]. وكان هذا أيضا سبب ذهوله حين رآه الموقف ماثلا أمام عينيه. دخل وهو يتوقع نصف التوقع أن تعج المكان بالمزيد من الموتى الأحياء إلى جانب الزعيم الشرير الكبير، لكنه وجد بدلا من ذلك غرفة واسعة فارغة تضم شخصين. كان أحد هذين الشخصين محبوسا داخل قفص شبه شفاف، بينما انشغل الآخر في زاوية الغرفة بالعبث بشيء ما.

وعند تفحص الأمر عن قرب، بدا الشبيه بالبشر داخل قفص المانا كأنه ميت أحياء. أكان هذا زعيم الغرفة؟ وإن يكن، فما شأنه في قفص؟ ومن يكون هذا الشخص الآخر؟ كان شابا ذا شعر بني داكن يلفه رداء أسود بالٍ ومستهلك. وأدرك جوليوس أيضا أن هذا الرجل قد انتبه لوصوله لحظة دخوله الغرفة. وتأكد من ذلك بثقة لأن مانا الرجل ملأت الغرفة بأكملها وتفاعلت مع حضور جوليوس في ذات الثانية التي فتح فيها البابين.

غير أن الرجل المجهول اكتفى بإلقاء نظرة خاطفة في اتجاهه بالكاد. وبدا أنه كان منهمكا للغاية في وضع اللمسات الأخيرة على ما كان يفحصه في الزاوية. وحسب ما استطاع جوليوس تبينه، كان الرجل يتفحص بعض التعاويذ المنصوبة في أرجاء الغرفة. وفي تلك الأثناء، تقدم جوليوس نحو الميت الأحياء المحبوس وركع ليقترب منه. لقد منعه قفص المانا من استشعار أي قدر من ماناه أو هالته، لذا لم يكن متأكدا مما إذا كان هذا المخلوق هو الزعيم.

ولكن بمجرد النظر إليه، بدا أن ثمة ما يُميز هذا المسخ. فمن جهة، امتلك عيونا خضراء متوهجة تنبض بخفت. كما خلا تماما من أي لحم متفنّن. بل كان هيكلا عظميا يرتدي أردية سوداء أنيقة. لم يسبق له أن رأى مثيلا له قط، لكنه شك في أن يكون هذا المخلوق هو اللوتش. تفحص جوليوس القفص الماثل أمامه بفضول. لقد كان عملا مبتمسا بالبراعة من المانا. واستطاع جوليوس تبيّن قنوات متعددة ومختلفة من المانا تسري في البناء بأسره.

وتملكت كل قناة وظيفتها الخاصة لتغذي الأخريات وتدعمها. ولم يظن أنه قادر حتى على ترك خدش في هذا القفص، ليس دون وقت طويل وكميات هائلة من المانا. وكان هذا البناء أيضا هو السبب الذي جعله يتيقن من مهارة هذا الرجل المجهول. فقد شكلت المانا المحيطة بالغرفة التلميح الأول، لكنها كانت منتشرة في الأرجاء كافة. وبدت أشبه بأنها وُجهت خصيصا للإدراك. وحملت بعض أوجه الشبه بالمجال، غير أن تقنية كهذه افتقرت إلى أي قوة حقيقية في خلفيتها، وهو ما صعّب تقدير رتبة الرجل بدقة.

مع ذلك، جعله قفص المانا ذاك يرجح أن الرجل في قمة الرتبة الرابعة على أقل تقدير، إن لم يكن في الرتبة الخامسة. ولم يظن أن الرجل قد بلغ الرتبة الخامسة بعد، بل استند في ذلك إلى اعتقاده بأن الرجل المجهول كان سيعمد ببساطة إلى استخدام مجال عوضا عن إطلاق ماناه هكذا مثل تقنية شبه مجال. شعر جوليوس بالحذر من الرجل، لكن فضوله بلغ ذروته. ولهذا وجد نفسه جالسا على الطرف الآخر المقابل لقفص المانا وهو يشرع بهدوء في تحليل أية مهارة استخدمها صاحب الرداء لصنعه، منتظرا ريثما ينتهي ذلك الشخص الغامض مما كان يفعله.

* * *

منظور كورو كان كورو عائدا من مهمة بالغة الشدة في أعماق الغابة اللانهائية. غير أنه صادف صدعا غريبا فور تحليقه فوق قمم الأشجار. فهبط إلى أرض الغابة لتقصي الأمر، واجتاح الفضول كيانه حين لمح مدخل صدع لموتى الأحياء. فأمر مألوفته سيلا بالهبوط ومعاينة ما استشعره. وحرصت هي على إيجاد مكان مناسب للنزول، وما إن فعلا حتى ترجل ظهرها الناعم المكسو بالريش. كانت سيلا وحشا فريدا.

لقد كانت عقاب ريح الغيوم، وقد حالفه الحظ بالعثور على بيضة وحيدة لها في صباه. فرعاها باجتياز وعناء، واستغرق الأمر قرابة عام كامل كي تفقس. وما إن حدث ذلك حتى غدوا متلازمين وسرعان ما تحولا إلى شريكين لمدى الحياة. وحتى إنه حظي بمهارة تعزز هذا الرابط. وصارت قادرة على التخزين داخل فضاء روحه متى شاء، كما تشاركا المواهب فيما بينهما. فاكتسبت هي موهبته في سحر الروح والتحكم بالمانا، بينما نال هو تقاربها القوي مع سحر الرياح فضلا عن زيادة في قدراته الجسدية.

وما أثار اهتمامه في هذا الصدع هو كونه صدعا لموتى الأحياء. ومع أن صدوع الموتى الأحياء لم تكن الأندر من نوعها، إلا أن أغلب أنواعها تمحورت بشدة حول الموت وحده. بيد أنه استشعار بانتفاء هذا الأمر في هذا الصدع تحديداً. وهبت تلميحات قوية لسحر روح جبار، وكونه مرءا دأب دائما على محاولة سبر أغوار سحر الروح، أدرك أن هذه قد تكون فرصة سانحة لاكتساب أشياء جديدة. ولهذا أرجأ عودته إلى بيرالت وألقى نظرة على الصدع.

ولم يشعر بالقلق مع ذلك. فبصفته في الرتبة الرابعة، كان أكثر من واثق بقدرته على اجتياز صدع من الرتبة الثالثة بمفرده. ولم يتكبد عناء مقاتلة الموتى الأحياء حتى. بل اكتفى باستخدام مهارة التخفي ليعبر من جانبهم دون مشكلات، ومضى فورا نحو غرفة الزعيم حيث استقبله اللوتش المسؤول عن الموتى الأحياء. غير أنه أُصيب بخيبة أمل. فلم يكن اللوتش خبيرا في سحر الروح كما كان يرجو. وبدا اللوتش أشبه بسحر قوي عوضا عن كونه مختصا بفن الأرواح الباطني.

صحيح أن اللوتش عرف ما يكفي للسيطرة على بعض الموتى الأحياء، لكن الأمر وقف عند هذا الحد. ولم يكن هناك الكثير مما يستحق التعلم منه. وبسبب هذا، كاد كورو يرتكب خطأ القضاء على اللوتش فوراً. ولكن لحسن الحظ، تراجع حين لاحظ التعاويذ المنصوبة حول الغرفة. فسارع إلى سجن اللوتش ليتسنى له فحص جدران الغرفة. وهنا استشعر مصدر سحر الروح. ومهما يكن أمر هذا الصدع، فقد صمم غرفة خصيصا لتضخيم سحر روح اللوتش.

ولهذا استطاع اللوتش التحكم بهذا العدد الهائل من الموتى الأحياء رغم ضحالة فهمه لسحر الروح. لقد كانت الغرفة بمثابة حجرة صدى تعزز شتى استخدامات سحر الروح. وكان الأمر عبقرياً وفوق مداركه. ومع ذلك، آمن بأنه إن استطاع اقتباس حتى نزر يسير من هذه الحكمة، فستساعده بشدة. لقد استغرق لدرجة أبعدته عن ملاحظة دخول مراهق صغير إلى غرفة الزعيم. وحسب ما تبينه كورو، كان الصبي وحيداً وأعزل.

وتساءل كيف تسنى له شق طريقه وسط جميع أولئك الموتى الأحياء. ودرى كورو بوجود حشد كبير من الموتى الأحياء في أرجاء الكهف كله، وحي حتى هو آثر تجنبهم على خوض قتال معهم أجمعين. وإن كان شخص في الرتبة الرابعة مثله لم يجد جدوى في ذلك، فما بال صبي في الرتبة الثالثة أمامه؟ ورغم ذلك، غطت الدماء والوسخ والرماد جسد الصبي. ووجدت مواضع حاول فيها جليا تنظيف جراحه، لكن أي ناظر أدرك بوضوح أنه كان أشبه بالممزق المنهك.

أيعقل أن الصبي قاتل طوال طريقه حتى غرفة الزعيم؟ لا، بل المرجح أنه تسلل متخفيا بينما حارب بعض المتخلفين، هكذا حدث نفسه. ومع ذلك، لم يولِ كورو الصبي اهتماماً يذكر. فلم يأتِ بأي حركة واكتفى بالجلوس أمام قفص المانا بصبر. ولم يستشعر منه أي خبث أو ما شابه، لكنه حرص مع ذلك على إحاطة نفسه ببعض المانا. واستعدت سيلا أيضا للظهور من فضاء روحه لحمايته إذا اقتضت الحاجة. غير أنه اكتشف عدم جدوى كل احتياطاته.

فقد حافظ المراهق ذو الرتبة الثالثة على مسافة لائقة وأخذ ينخس حاجزه بفضول باحث، وهو ما أثار ابتسامة على وجه كورو. لقد استمتع دائما بمشاهدة الصغار منهمكين في التحصيل. وأحس بدفعة ذهنية من سيلا تذكره بأنه ليس أبعد ما يكون عن مرحلة الطفولة بدوره. فلم يبلغ الثلاثين من عمره بعد، لذا صدقت في قولها نوعاً ما. وحين أنهى كورو تحليله أخيراً، غمرته السعادة. لم يدرك كل خبايا الغرفة وكيفية تمكنها من تضخيم سحر الروح، لكنه ظفر ببعض الأفكار المثيرة للاهتمام ليحاول تطبيقها على تقنياته الخاصة.

وربما تمكن من تمكين سيلا بشيء كهذا عبر رابطهما وقليل من سحر الروح. وعلم بإمكانية حدوث ذلك. فقد سمع عن الكثيرين ممن نجحوا في إنجاز أمر مشابه بسحر الروح قبل بلوغ الرتبة الخامسة. فاستعمل مهارة [المكتبة الذهنية] ليخزن ما توصل إليه ريثما يحتاجه لاحقاً. وستسمح له المهارة باسترجاع أدق التفاصيل بدقة متناهية. وما إن فرغ من ذلك حتى وجه تركيزه أخيراً نحو الصبي الذي واصل نخس قفص المانا خاصته.

قال كورو: "أعتذر عن ذلك، أردت فقط الانتهاء منه. أيمكنني مساعدتك في شيء؟"

هز الشاب رأسه.

وأردف بينما لوح بذراعيه نحو الغرفة وكورو: "لا. كنت فقط أنظف هذا الصدع حين صادفت هذا."

ضيق كورو عينيه. وبحسب ما تبين له، لمح الصبي إلى أنه حاول إغلاق الصدع. وهو أمر بدا مستبعداً بالنظر إلى وحدته وانبعاث هالته كصبي من الرتبة الثالثة الضعيفة. ولهذا السبب تحديداً، استخدم مهارة [نظرة الروح] لتفحص الصبي عن كثب. وتلك مهارة تتيح له استشعار هالة المرء مهما بلغت دقة تحكمه بها. بل إن الأدق هو القول إنه كان ينظر إلى روح الشخص لا هالته. لكنه غص بكلماته حين رأى روح الصبي.

فلم تشبه شيئاً مما عهده من مراتب ثالثة قط. ولو لم يكن على دراية بالأمور، لظنها روح شخص من الرتبة الرابعة. والشيء الوحيد الذي أكد له عكس ذلك هو غياب الأدلة التي تشهد على تطور روحي ثانٍ. غير أن ثمة تقزحاً تجاوز حدود قوة الروح وحدها، وشهد الكثير عن جودتها. ومع ذلك، لم يكن كل ذلك ما أثار فزع كورو. بل كانت الطبيعة الطاغية المستبدة لتلك الروح. فقد حملت سمات الحياة والموت معاً، على عكس أي شيء رآه من قبل.

اتسم جزء منها بالحيوية كأنها نار حياة متأججة، بينما اتصل الجانب الآخر بالدمار والخراب الخالص. ولم يدرك كينونة هذا الأمر بدقة، لكنه تيقن فجأة من ضرورة توخي الحذر الشديد تجاه هذا الشخص الماثل أمامه. والشيء الوحيد الذي كبح جماحه عن اتخاذ أي خطورة متسرعة هو استمرار الصبي أمامه في التحديق إليه بعينين هادئتين ومسترخيتين. ومع ذلك، زاد ذلك كورو حذراً لسبب ما، وقرر أن انتهاج مقاربة أكثر تروياً وأقصى درجات الأدب ربما كان فكرة صבת.

فقد راوده شعور بأنه لا يريد إثارة أي مشاكل مع شخص يحمل روحاً كهذه.