درب التسامي الفصل 37 — مغادرة الصدع

اقرأ درب التسامي الفصل 37 — مغادرة الصدع باللغة العربية على مانجا تايم.

كان تشكّل الشقّ مشهداً مذهلاً يستحقّ التأمّل، فحاول جوليوس حفظ كلّ تفصيل ممّا يدور أمامه ونقشه في ذاكرته. بدا الأمر أعقد من أن يفكّك طلاسمه في هذه اللحظة، لكنّه أمل أن يثبت جدواه يوماً. ما هي إلا لحظات حتى استقرت كتلة زرقاء دوّامة تحوم على بُعد أقدام قليلة من الأرض. لم يصدق جوليوس أن الأمر برمّته قد انتهى إلا حين اكتمل تكوّنها. ظهور البوابة كان التأكيد القاطع على اجتيازه للشقّ.

نازعتْه نفسه نحو العبور فواراً، لكنّه كبحها. تعلّم جوليوس طوال مدّة بقائه في هذا الشقّ مدى أهميّة اغتنام فرصة التعافي حين تتاح. لم يظنّ أن ثمة خطراً بانتظاره في الطرف الآخر، لكنّه أيقن تماماً خلوّ هذا الجانب من أيّ تهديد في الوقت الحالي. وللمرة الأولى منذ أسابيع، استطاع جوليوس أن يأخذ نفساً عميقاً ويسترخي كليّاً. تمدّد على ظهره يراقب شروق الشمس فوق الجبال. كانت التصدّعات في السماء تتلاشى ببطء، دلالةً على زوال خطر طغيان الشقّ.

مكث هناك قرابة الساعة يتقاعس في هدوء ويستوعب المشهد. حين حُبس هنا للمرة الأولى لم تكن آماله بالنجاح عريضة، لكنّ حقيقة نجاحه غمرته برضا عارم. لقد نجح في اجتيازه شقّاً من الفئة الثالثة بمفرده تماماً. كان إنجازاً مهيباً للغاية قياساً بكونه في الفئة الأولى. وحين شعر أنّه استمتع بما يكفي بمجد انتصاره، اعتدل جوليوس في جلسته وفتح إشعاراته.

[رقصة توحش مستوى 14 -> مستوى 16]

[بناء غامض مستوى 8 -> مستوى 10]

[ضغط نقيّ مستوى 7 -> مستوى 11]

[تجدّد العنقاء المزيف مستوى 9 -> مستوى 10]

[تعزيز حركي مستوى 5 -> مستوى 8]

[إرادة المقاتل مستوى 1 -> مستوى 6]

شهدت مهاراته جميعها نمواً ملحوظاً، سيّما [ضغط نقيّ] و[إرادة المقاتل]. فقد اكتسب [ضغط نقيّ] أربعة مستويات كاملة خلال تلك المعركة القصيرة نسبياً. اعتقد جوليوس أن مردّ ذلك يعود إلى تحسيناته على بنياته، التي استطاعت مقاومة مهارة الهالة تلك الصادرة عن زعيم القبيلة وإلحاق الأضراس به فعلياً. مهما بلغ قدر ضغطه للمانا أو كيفما نسجها في الماضي، ظلّت بنياته -رغم اكتسابها خصائص ملموسة- تبدو هشّة بطريقة ما.

لا تهدر فهمه، لقد كانت قادرة يقيناً على شقّ الأشياء متى توفّرت قوة كافية خلفها، غير أنّه أدرك أن القشرة أو البنية متى تصدّعت، انهار البناء بأسره بكلّ سهولة. أمّا الآن، فبات يشعر أن لبنياته كتلتي تحت القشرة. لو تعرضت للتصدّع، لصمد البناء فترة أطول قليلاً. علاوة على ذلك، واثق هو بأنّه كلّما مرّ الوقت سيتحسّن أداؤه باستمرار. ما أثار دهشة جوليوس حقّاً كان مهارته الجديدة [إرادة المقاتل].

بدت في ظاهرها شبيهة بمهارة [رقصة توحش]. فكلاهما يعزز تركيزه ويرفع قدراته بتدفق من الطاقة. بيد أن [إرادة المقاتل] اختلفت على الصعيد النوعي. إن شعرتَ أن [رقصة توحش] توظّف المانا والمهارات والجسد والعقل دفعة واحدة، فإن [إرادة المقاتل] توظّف الروح. لم يدرك جوليوس كليّاً خصائص الهالة أو آيّة عملها. كان يعلم أن كل فرد رفيع الفئة ينتهي به المطاف باكتساب هالة، لكنّه ظنّ أن ذلك ناجم عن القوة المحضة التي يتراكم رصيدها مع ارتقائه.

مع ذلك، أيقن أنّه كان مخطئاً في هذا الظن. بدت مهارته الجديدة شبيهة للغاية بهالة زعيم القبيلة على مستوى الجوهر. وأفضل طريقة لوصفها هي مقارنتها بالسيف. شعرا وبدوا كسيفين، غير أن الفارق تمثل في كون سيف جوليوس مصنوعاً من الورق بينما سيف الغول مصنوعاً من الصلب. ظلّا مع ذلك سيفين في الجوهر، وما اختلف هو كفاءتهما البحتة. خامر جوليوس شعور بأن كليهما يستعين بالروح، سوى أن مهارته لا تزال أضعف من أن تفعل شيئاً سوى منحه دفعة صغيرة لطيفة.

كان الأمر أشبه بأن تكون الهالة امتداداً لروح المرء. شيئاً لا صلة له بالتحمّل أو المانا، بل عنصراً أساسياً لكل مخلوق حي. وكلّما قويت الروح قويت الهالة، وهذا غالباً ما يفسر سبب علوّ فئة أصحاب الهالات القوية. ومع هذا المنظور الجديد، استطاع جوليوس إعادة قراءة المعركة في ضوء مختلف. لقد استعمل زعيم القبيلة روحه لتعزيز هجماته وتحطيم سحر العدو. في البداية، لم يظنّ جوليوس أن الساحر يمتلك هالة، لكنّه أخطأ.

كان الساحر يستعملها بطريقة أكثر خفاءً. أجاد الساحر إخفاء الأمور بهالته. وتجلّى قاسم مشترك في كل هجمة وجّهها صوبه. كانت كل هجمة مغطاة بعباءة ضبابية من الهالة، ممّا زاد الأمر صعوبة في التقاطها. باسترجاع ما حدث، اعتقد جوليوس أن تلك هي الطريقة التي تمكّن بهالته من ستر هجماته حتى يكاد يفوت الأوان على استشعارها. لولا [إدراك مكاني] وحواس مانا فائقة حقّاً، لما استطاع جوليوس قطّ تتبع ماناها المغطاة.

وتلك كانت علّة صعوبة رصد الساحر حين توارى تحت الأرض، فقد غطّى نفسه بالهالة. الهالة. لم تكن شيئاً اعتقد جوليوس بأهميته في الأصل. لكن بعد رؤية آثارها عياناً، بات راغباً في تعلّم كيفية استخدامها بنفسه. الاحتمالات هنا بلا حدود. الروح ها؟ لا أطيق الانتظار لبيان أين قد تقودني هذه. ارتسمت على عيني جوليوس نظرة محمومة وهو يهيم خيالاً بآفاق تدريب الهالة إلى أين سيأخذ. لكن قبل الشروع في التدريب، كان عليه مغادرة هذا الشقّ.

حدّق مطولاً في البوابة الزرقاء الملتفة، مصغياً إلى طنينها الناعم المنبعث منها. ثم نهض واتجه صوبها، ليدخل نطاق تأثيرها. وفي لحظة تردّد أخيرة، مدّ يده وأقحمها مباشرة داخل البوابة. التبست البوابة بذراعه وجذبته للداخل، في أعماقها.

فتح جوليوس عينيه فلم يَبصر شيئاً. لا شيء سوى فراغٍ محضٍ يُحيط به. كان ينتظر بنصف أمله أن يرى الموضع الذي دخله سابقاً من الشق، لا هذا.

"أهناك أحد؟"

سأل جوليوس الفراغ. لم يُجبهِ شيء سوى صوت تنفّسه، ساد صمت مطبق. لم يكن يقف حتى على شيء، أشبه شيءٍ بطفوٍ في الفضاء. تجربة خارقة للمألوف. نادى بضع مرّات أُخر يترقّب أي ردّ فعلٍ لكن شيئاً لم يتغيّر. لم يشعر بأنه في خطر، وكان الفراغ مريحاً حقاً. أشبه بوجودٍ في غرفة ذات حرارة مثالية. حاول استدعاء طاقته، ولو لمجرد شغل نفسه، فلم تخرج. استطاع الشعور بها داخل جوهره، غير أنه لعذرٍ عصيٍّ على الفهم، عجز عن سحب أيّ منها.

وللمرة الأولى منذ أمدٍ طويل، انقطع جوليوس عن طاقته. أدرك قلة حيلته فأسند ذراعيه خلف رأسه وانتظر. لبث على تلك الحال حيّاً، وصعب التمييز في تلك البيئة. أخذ الضجر والقلق يتسرّبان إليه أثناء انتظاره. ثم فكر في الهالة وما إن كان يستطيع استخدامها رغم عجزه عن تسخير الطاقة. فعّل [إرادة المقاتل] فأحسّ بالمهارة تسري في جسده. وإذ صار يترقّبها، تبيّن له أن الطاقة تُمدّ من مكمنٍ عميقٍ في داخله.

شيءٌ جوهريٌّ في كِيانه... روحه. إذ أدرك أن هذا الحيز الذي علق فيه يقيّد استخدام الطاقة لا الروح، شرع جوليوس يختبر المهارة. استخدمها وسيلةً لسحب طاقة الروح هذه وبدأ يعبث بها. شابهت الطاقة في وجوهٍ عدّة. كانت مطاوعةً لكنها أثقل قليلاً من الطاقة. لم تتبع الطبائع المعتادة للطاقة بل اتّسمت بطباعها الخاصّة. بدت الهالة متجلّيةً عن طاقة الروح. إن كانت طاقة الروح هي الوقود، كانت الهالة هي النار عند احتراقها.

استخدمت [إرادة المقاتل] الهالة داخليّاً لتعزيز عقل جوليوس، غير أنه أراد تبليّن كيفية إظهارها خارجيّاً على نحو ما فعل الزعيم. حاول جوليوس تغطية ذراعه بطبقة من هذه الهالة، لكن [إرادة الـمقاتل] كابدته طوال الوقت. فهم جوليوس أنه طامحٌ فوق المعتاد في محاولاته الحاليّة فصرف النظر عن تكوين طبقة على ذراعه بأسرها. وعوضاً عن ذلك، ركّز على تغطية سبابته وحدها بالهالة. مكث جوليوس في تلك الحالة المركّزة طويلاً.

بلغ به التركيز مبلغه حتى إنه لم يفطن للكيان الذي كان يرمقه بعينين مستفسرتين. مكث الكيان مكانه ومضى يراقب جوليوس، منتظراً إيّاه ليلاحظ ظهوره. لم يلتفت جوليوس بعد، وظلّ متفرّغاً تماماً لمهمّته. أخيراً، بدا أن الكيان قد استنفد صبره.

"ما اسمك؟"

سأل الكيان. انتفض جوليوس خارجاً من حال تركيزه فاستدار ليملي عينيه بمن خاطبه. خلت هيئته من أيّ ملامح مميّزة، سوى شكلٍ أسود يشبه البشر. مع ذلك، بدا صوته ذكورياً جليّاً. كان عميقاً، قويّاً، ويروّع عظام جوليوس.

"ما هذا؟ أين أنا؟"

سأل جوليوس الرجل الغامض. أمال الرجل رأسه ورغم عجز جوليوس عن تمييز أيّ ععينين فيهما، فقد أمكنه الإحساس بنظراته تضغط عليه كثقل سترة رصاص.

"نحن الاثنان الآن بين بُعدين منفصلين. البُعد الذي تنتمي إليه وذاك الذي وُجد فيه الشق."

أوضح الرجل.

"لم تجب عن سؤالي الأول. ما اسمك؟"

"جوليوس."

فكّر في ألا يجيب لكن الرجل كان قد أجاب عن سؤاله، فرأى أن الأمر عدلٌ لا غير.

"أتدري لمَ أنت هنا؟"

سأل الرجل. لم يكن جوليوس يدري لمَ هو هناك على الإطلاق. لكن بدا السؤال بلاغياً فهزّ رأسه فحسب.

"قبل أسابيع قليلة، أحسست باضطراب بين الحدود المكانية لبُعدك فذهبت لأتحقّق. ويا لعجبي، وجدتك طافياً بين أمواج الفضاء العاتية. أريدك أن تخبرني كيف حدث ذلك."

أدرك جوليوس فوراً أن الرجل كان يتحدث عن حادثة الانتقال الآني التي وقعت بينما كان يحاول ولوكاس وإدوين الفرار. مع ذلك، لم يشعر بارتياح تام لإخبار غريب بما جرى. وعلى النقيض، لم ير بأساً يذكر في تقاسم تجاربه مع الرجل الغامض. لعلّه يظفر ببعض الأجوبة عن أسئلته الخاصة.

"كنا نحاول الهرب، نأمل استخدام دائرة انتقال آني لنصل إلى الأمان، لكن أحدهم أتلف النقوش وعرقل الانتقال."

شرح جوليوس باختصار. لم يشعر جوليوس بأي ضغط من الرجل. بدا وكأنه ينظر إلى شخص عادي من الطبقة الدنيا. غير أن حقيقة تخاطب جوليوس والرجل حرفياً بين الأبعاد دقت نواقيس الخطر في رأسه. كان مرجحاً للغاية أن هذا الرجل أقوى بكثير من أيّ شخص التقى به، بما في ذلك لوكاس. وأنه قادر على محو جوليوس بطرفة عين إن أراد. ومع ذلك، لم يشعر جوليوس بالخوف من الرجل. ولم يشعر بأنه هنا ليؤذيه.

بعد سماع إجابة جوليوس، وقف الرجل متفكّراً فيما سمعه للتو.

"إذن كان مجرد حادث. حادث غير مرجح قادت إليه سلسلة من الأحداث العشوائية."

استمر الرجل يتمتم لنفسه غير أن جوليوس لم يلتقط كل ما قاله. اكتفى جوليوس بمراقبة الرجل الغامض وهو يحدث نفسه. تذكّر باهتاً علوقه في الفراغ إثر الحادثة، لكنه لم يتذكر كيف نجح في الفرار. ومع ذلك، استناداً إلى ما قاله الرجل، فهو من عثر على جوليوس.

"عذراً، لكن حين قلت إنك وجدتموني، أيعني هذا أنك ساعدتني على الهرب؟"

قاطع جوليوس الرجل المتمتم. رفع الرجل بصره إلى جوليوس.

"نعم، كنت بطريقة ما لا تزال على قيد الحياة لذا أنشأت نقطة دخول صغيرة إلى بُعدك."

كان جوليوس على حق، فقد أنقذه هذا الرجل الغامض. ودون معونته، لربما قضى جوليوس نحبه أو ظلّ عالقاً أينما كان.

"أشكرك جزيل الشكر،"

عبّر جوليوس بصدق عن امتنانه مطاطئاً رأسه. لكنّ سؤالاً آخر لاح.

"لكن لمَ في وسط الغابة تحديداً؟"

أمال الرجل رأسه ثانية وتوقّف لبرهة.

"لم أملك الوقت لتحديد الموضع الذي ستخرج فيه بدقة، كل ما شغلني هو ضمان ألا تظهر وسط جبل أو في قاع المحيط."

أوضح الرجل.

"وما سبب وجودي هنا الآن؟"

سأل جوليوس.

"لم يتسع الوقت لأَسألك من قبل، لكني ما زلت بحاجة لمعرفة كيف دبرت أمر علوقك. ما كان ليحدث البتة، حتى لو تلفت دائرة انتقالك الآني. عادة ما تُنقل عن مسارك أو تُمزّقك الطيات المكانية قبل أن تغادر بُعدك حتى."

قال الرجل بعرض الحال. عادة فقط؟ إنه يجعل الأمر يبدو وكأن التمزق إرباً بفعل الفضاء ليس سيئاً إلى هذا الحد. مع ذلك، علق شيء قاله الرجل في ذهن جوليوس، فقد جعله يبدو وكأنّه جلب جوليوس إلى هذا الحيز قصداً ليحادثه. معنى ذلك أن الرجل كان على علم بالشق. وباتت الشكوك تتشكل في رأس جوليوس لكن كان عليه التيقّن.

"انتظر. أيعني هذا أنك السبب في جذبي إلى ذلك الشق؟"

سأل جوليوس، وقد تسللت بعض الحدّة إلى صوته.