حكّ جوليوس رأسه بارتباك. إن كان صادقاً مع نفسه، لراوده شعور بأن ثمّة مهارات متطوّرة رائعة للغاية لـ[التحكّم بالطاقة]. حافظ بتصلّف لفترة على موقفه القائل بأن [التحكّم بالطاقة] مجرد مهارة عكّاز. لكن مع مرور الوقت وتعرضه لمزيد من المهارات، بدأ يدرك الخلل في تفكيره. إن كان الأمر كذلك، فيمكنه المجادلة بأن كل مهارة عكّاز. قد لا تكون أساسية للسحر مثل [التحكّم بالطاقة]، لكنها تظل تطبيقاً قياسياً للطاقة أو المقدرة.
لم يدع [سهم النار] يمنعه من تغيير شكله رغم أن المهارة قا طعته طوال الوقت، فلماذا يجب أن يكون الأمر ذاته مع [التحكّم بالطاقة]؟ مما لا شك فيه أن عدم امتلاك المهارة مكّنه من تحسين سيطرته على الطاقة حتى هذه النقطة. لقد أجبره ذلك على قضاء آلاف الساعات في التجريب بالطاقة، وهو وقت ربما لم يقضيه لو امتلك المهارة ليعتمد عليها. كان واثقاً من أنه يمتلك شعوراً جوهرياً أفضل تجاه الطاقة مقارنة بمعظم من هم في عمره.
مع ذلك، والآن بعد أن حسّن سيطرته بدون المهارة، بات يرى كم سيؤدي امتلاك المهارة إلى زيادة قدرته القتالية. حتى بعد أن أصبح أقوى، ظلّ التلاعب بالطاقة مهمة صعبة. تطلب الأمر تركيزاً معتبراً لاستخدامها بدقة أثناء القتال، وستساعده المهارة في ذلك. ظلّ يعتقد أنه لو امتلك المهارة في ذلك الوقت، لكانت عكّازاً. لكنه استطاع القول بثقة إن الأمر ليس كذلك الآن. رربما سمح عدم امتلاك [التحكّم بالطاقة]
لجوليوس بالحرية والفرصة لتجربة [سهم النار] ومهارات أخرى بطرق فريدة للغاية، واعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي وراء عرض [الهيكل السحري] عليه. لكنه كان يفكر بجدية في قبولها الآن. ما زال لديه ثلاث خانات مهارات فارغة وكان بإمكانه دائماً إزالتها إن لم تكن تستحق العناء، لكنه أراد على الأقل معرفة ما إذا كانت ستحدث فرقاً. لم يشكّ جوليوس في ديكلان حين أخبره بوجود تطورات مذهلة في الرتبة النادرة.
راقب ديكلان جوليوس بصمت لفترة، بينما كان أوروس ينظر إلى جوليوس أيضاً.
ضحك أوروس أختياراً وسأل: "ماذا؟ هل طورتها إلى النادرة أيضاً بالفعل؟".
في هذه النقطة، لن يفاجأ أوروس إن سمع أن الفتى حصل أيضاً على مهارة [التحكّم بالطاقة] النادرة.
هزّ جوليوس رأسه، وقال: "لا أمتلك مهارة [التحكّم بالطاقة] النادرة".
ابتسم أوروس واطمأنه قائلاً: "لا بأس، فامتلاك واحدة فحسب يُعدّ مدعاة فخر في المرتبة الأولى. فلماذا هذا الوجه العابس؟".
لم يضطر جوليوس للإجابة لأن ديكلان قاطعهما.
قال ديكلان بنبرة خيبة أمل واستسلام: "لا. لم تفعل".
أظنّه يعلم. تجهم جوليوس في سرّه.
قال جوليوس بصوت خافت: "ربما...".
رأى جوليوس ديكلان يدفن وجهه بين كفيه وكأنه لا يصدق أنه سمع شيئاً بهذا القدر من الغباء.
رفع ديكلان رأسه من بين كفيه وسأل سؤالاً بسيطاً: "لماذا؟".
أوضح جوليوس: "بدت فكرة سدادة في ذلك الوقت. وأيضاً بالنظر إلى الوراء، لكنت اتخذت الخيار نفسه مجدداً".
كان أوروس ينظر بينهما بحيرة.
"أترغبان في إخباري بما تتحدثان عنه؟".
"ليس لديه مهارة [التحكّم بالطاقة]".
"أعد مجدداً؟".
قال ديكلان: "لقد سمعتني".
أصرّ أوروس بعناد: "لا أظنني سمعت. لا بد أنني لم أنظف أذنيّ هذا الصباح، أيمكنك تكرار ذلك؟".
قال جوليوس بصوت عالٍ أخيراً: "لا أمتلك [التحكّم بالطاقة]".
كاد بالكاد ينطق الكلمة الأخيرة حتى صفع أوروس جوليوس على مؤخرة رأسه.
وبّخ أوروس جوليوس قائلاً: "أيها الأحمق".
فرك جوليوس مؤخرة رأسه. واثقاً من أن أوروس لم يضربه بهذه القسوة إلا لأنه علم بأن جوليوس يمتلك مهارة شفاء.
"دفاعاً عن نفسي، كان قراراً جيداً في ذلك الوقت".
سأل أوروس جوليوس: "أتعلم كم من الأمهق يتخلون عن المهارة ظناً منهم إما أنهم لن تقيدهم أو أنهم سيوفرون خانة على أنفسهم بعدم اختيار [التحكّم بالطاقة]؟ كثرٌ جداً، وفي كل مرة يضيعون الوقت في التدريب لأضعاف المدة لنفس النتائج مقارنة بما لو أخذوا تلك المهارة اللعينة وحسب. معظمهم حمقى أو أطفال يحلمون أحلام اليقظة. لم أكن أظن أنكما أنتما الاثنان كذلك".
احمرّ وجه جوليوس حرجاً، ولم يكن أوروس مخطئاً تماماً في كلامه أيضاً.
لم يتوقف أوروس عن تأنيبه بالقول: "كيف لم يخبرك أي من الأشخاص الذين قاموا بتربيتك أو تدريبك بهذا؟".
ظن جوليوس أن أوروس شخص طيب القلب ولين، لكن بدا أنه يتمتع بحدّة طبع أيضاً عندما يتعلق الأمر بأمور معينة.
دافع جوليوس عن نفسه منزعجاً من نبراتهما المتبجّحة: "الأمر ليس بهذه الأهمية الكبيرة. أنا أقول لك الحقيقة حين أقول إني لكنت اتخذت الخيار نفسه مجدداً. أنا بارع جداً حالياً في التحكم بالطاقة دون دعم مهارة، وإذا حصلت على واحدة الآن فأشعر أنها ستفديني كثيراً".
صفعه أوروس بلطف مجدداً وقال: "بالتأكيد، ستفيدك كثيراً".
قال جوليوس لأوروس: "توقف عن ذلك! هذا مؤلم نوعاً ما".
ردّ عليه أوروس: "أتعلم ما المؤلم حقاً؟ أن ترى فتى موهوباً مثلك يقطع يده بنفسه حرفياً. لديك مثل هذه الإمكانات، لقد استطعت مجاراة ديكلان على جلال قدره حتى لو كان ممسكاً لزمام نفسه، لكنني أسمع بعد ذلك أنك لا تمتلك حتى [التحكّم بالطاقة]".
بدأ جوليوس يشعر بالضجر، فلم يبدُ أنهما يفهمان منطلق أفكاره. لكن إن لم يصغيا، فلعله يستطيع إراءتهما. أهمل ثرثرة أوروس وركّز بعمق، مفعّلاً [الرقصة المتوحشة] و[إرادة المقاتل]. لم يكن بصدد صنع أي شيء قوي أو مدمر، بل أراد إظهار المهارة الفائقة البحتة التي نجح في تحقيقها بجهوده الخاصة ودون مهارة. أخذ حفنة من طاقة النار وحاكها في حبل رفيع كان أملساً تماماً وبذات السمك طوال امتداده.
ثم أمسك به وبدأ بصقله بسرعة ودقة. حاول صنع شيء مماثل قبل دخوله الصدع، لكن حالته الحالية لا تقارن بنسخته السابقة. في غضون ثوانٍ معدودات، نجح في صنع شبكة نار جميلة، تبدو وكأنها صائد أحلام حمراء منشورية تحلق فوق كفه. توقف أوروس عن الكلام بينما صنع جوليوس الهيكل المذهل، وحتى ديكلان بدا متفاجئاً بمدى رقة وهندمة هيكل الطاقة. شعرا جوليوس بموجة من الرضا وهو يتابع ردود أفعالهما.
أي شخص يتعامل مع الطاقة مراراً يجب أن يدرك مدى صعوبة سحب ما فعله جوليوس للتو، بمهارة كانت أم بدونها. ربما سيشعران الآن بالفهم.
كان ديكلان اول من رد بالقول: "كم من الوقت استغرقت لتصبح قادراً على فعل ذلك؟".
سأل بنبرة يكتنفها شيء من الرهبة.
قال جوليوس لهما: "استغرق الأمر مني وقتاً طويلاً، وبالنظر إلى الوراء بصراحة فقد كان وقتاً طويلاً جداً. لقد قضيت آلاف الساعات منذ أن مررت بتعميدي وأنا أتدرب فقط على التحكم بالطاقة. لقد كنت محقاً عندما قلت إن المرء سيقضي وقتاً أطول بكثير في تعلم كيفية القيام بذلك مقارنة بما لو كانت لديه [التحكّم بالطاقة]. وقتاً كان يمكنك استغلاله في أمور أخرى. أنا لا أقول إن هذا سيفيد الجميع، لكن هكذا انتهى بي الأمر بفعله".
بدأ أوروس: "إذن لو حصلت على [التحكّم بالطاقة] الآن...".
أنهى ديكلان كلام أوروس: "ستكون قادراً على صنع هياكل بطريقة أفضل وأقوى، سيما وأنك أفضل من معظمهم بالفعل بلا مهارة".
قال جوليوس: "هذا ما كنت أفكر فيه أنا أيضاً".
هتف أوروس: "ليس ذلك فحسب، بل ستصنف [التحكّم بالطاقة] على الأرجح بسرعة كبيرة وتصل إلى غير الشائع في لمح البصر، وربما للنادر حتى إن كنت محظوظاً".
كان جوليوس يأمل بالأمر ذاته. وأمل أيضاً أنه لو حصل على [التحكّم بالطاقة]، فقد يقوي ذلك هياكله، وربما، لعل وعسى فحسب، يتمكن من الحصول على مهارة متطورة لطيفة أو استخدامها للتناغم مع مهارة أخرى. علاوة على ذلك، أراد أن يكون قادراً على استخدام مقدرته المشتعلة المعززة حركياً، وشعر أنه بمساعدة إضافية سيتمكن من استخدامها بأمان ذات يوم. مع ذلك، كيف سيسعى لاستعادة [التحكّم بالطاقة]؟
لم يكن يعلم إن كان ممكناً استعادة مهارة أزالها في الماضي. كان يعلم أنه ليس ممكناً استعادة النسخة ذاتها من المهارة التي استخدمها للتطور، لكنه بالكاد حاز [التحكّم بالطاقة] لبضع ساعات قبل التخلص منها. لحسن الحظ، كان هناك شخصان مطلعان يجلسان أمامه، فسألهما عما إذا كانا يعرفان سبيلاً لذلك.
أبلغ ديكلان جوليوس: "من المفترض أن تكون قادراً على تلقي إشعار يسألك عما إذا كنت تريد تعلم المهارة. أعلم يقيناً بوجود حالات أخرى ندم فيها شخص ما على إزالة مهارة ولكنه تمكن من تعلمها مجدداً".
كان ذلك مريحاً لقعود جوليوس. كان قلقه الأكبر هو استحالة حدوث ذلك، لكن عليه الآن معرفة كيفية فعله فعلياً.
سأل جوليوس: "إذن كيف أشرع في ذلك؟".
تكهن ديكلان: "عادة، تعمل كلمات العالم بناءً على النية، فإن لم تترد في طلب [التحكّم بالطاقة] فلن تعرضها عليك، ولكن بما أنك تريد المهارة الآن، فسأخمن وأقول إنها ستعرضها عليك طالما مررت ببعض تمارين الطاقة".
لذا بعد مزيد من الأسئلة والنقاش، قضى جوليوس الساعات القليلة التالية في أداء جميع التمارين التي استطاع التفكير فيها، حتى القديمة منها التي لم يؤدها منذ سنين. عاد أوروس وديكلان إلى الداخل بعد نقاشهما، مما سمح لجوليوس بالتركيز على مهمته. كان مسروراً لأنه أفصح لهما عما في خاطره. فقد استطاع تلقي إجابات على العديد من أسئلته. في قرارة نفسه، كان لا يزال متوتراً من احتمال خيانتهما له، لكنه لم يعتقد أنه من الصحي العيش بقلق مستمر من أن يطعنه أحد في ظهره.
كما أنه وثق بديكلان. لقد أدت تلك الحيلة بالهالة إلى تقريب الاثنين في فترة زمنية قصيرة للغاية، ونظراً لفهمه لطبيعة قدرات هالة ديكلان، فقد علم أن ديكلان لن يثق ببساطة بأي شخص لا يشعر بالارتياح تجاهه. تساءل عما فعله يستحق عليه هذا الحظ. في أي يوم آخر، ربما لم يكن ليصادفهم، ولربما كان حارساً آخر أقل تعاطفاً منهما. بات أمامه الآن ثلاثة أيام حتى موعد امتحان القبول، وانتابته جزء صغير من القلق.
ورغم علمه بأنه سُيقبل على الأرجح، إلا أنه لم يستطع منع بعض الشكوك من التسلل إليه. هزّ جوليوس الأفكار السلبية بعيداً وركّز على تعلم [التحكّم بالطاقة]. حاول تقييد استخدام أي مهارات أخرى سوى [التحكّم بالطاقة] و[إرادة المقاتل]. وشعر أن استخدام [الهيكل السحري] و[الضغط النقي] قد يعيق قدرته على اكتساب المهارة. رغم ذلك، تعلم شيئاً مثيراً للإعجاب حقاً على طول الطريق. فقد اكتشف أنه يستطيع استخدام الهالة لتعزيز تحكمه بالطاقة قليلاً فحسب.
ووجد طريقة لتثبيت تلاعبه بالهالة. وما زال يرغب في معرفة كيفية استخدامها لتقوية جسده تماماً كما فعل الزعيم وديكلان أثناء نزالهما، لكنه كان تقدماً يذكر. مضت ساعات طويلة على جوليوس وهو جالس في الفناء طوال الوقت، مواصلاً محاولاته. استخدم [تجدد طائر الفينيق المزيف] ليزيل إرهاقه وكذلك كدماته السابقة أيضاً. شكلت قدرة مهارته على جعله يستغني عن النوم ميزة هائلة. وميل لقول إنها أقوى جزء في المهارة.
وبينما لن تنقذه أثناء القتال، كانت التداعيات طويلة المدى جنونية. فلن يحتاج مع المهارة إلى النوم، مما يعني أنه سيكون قادراً على التدريب لساعات بينما يكون الجميع نائمين. سيتراكم ذلك بمرور الوقت وكلما طال أمده زاد التحسن الذي يراه.
لم ينجح أخيراً إلّا مع بدء شروق الشمس. هل تريد تعلم مهارة [التحكم بالمانا]؟ قبل فوراً، وشعر بالمهارة تنحفر في كيانه. تهانينا، لقد تعلمت مهارة [التحكم بالمانا]. أطلق تنهيدة ارتياح. بدأ يظن بعد عدة ساعات أنه لن يستطيع فعل ذلك. تركت ساعات التدريب الرتيب والمتواصل على المانا أثراً نفسياً ثقيلاً على المرء. حاول كسر الملل وأخذ استراحات بين الحين والآخر لكن تلك الطرق لم تفد كثيراً.
أراد جوليوس تجربة الأمر فوراً. صنع أحد مساميره كعادته تماماً وشعر بالفرق فورا. تفعيل [التحكم بالمانا] حدث تلقائياً وشعر بكل خطوة من خطوات صنع المسمار تصبح أكثر سلاسة. لم يعد بحاجة إلى التفكير في الأمر بوعي بعد الآن، ومع تفعيل [البناء السحري] أيضاً، تشكل المسمار في نصف الوقت. لم يبدو الأمر كثيراً عندما استغرق تشكيله ثانية أو ثانياً، لكن هذه كانت مجرد نسخة بالمستوى الأول من مهارة ذات رتبة عامة.
تساءل عن مدى تحسنها عندما ترتقي. لقد كان مسروراً بالفعل لأنه اختار الحصول عليها. كان جزء مغرور منه متردداً في نيلها رغم إدراكه لمدى ذكاء تلك الخطوة. سيجربها الآن ويرى إن كان اقتناؤها يستحق العناء. لم يكن قلقاً للغاية، لأنه إن بدا أنها تقيده فيمكنه دائماً إزالتها مجدداً.